عربي ودولي

لماذا يتوتر الإعلام الغربي من كلمة الإبادة في فلسطين؟


“المدارنت”
لماذا يتوتر صحافيون في الغرب (وفي غير الغرب أيضاً)، أو شرائح واسعة منهم، حين يقول ضيف على الهواء إن ما يجري في غزة «حرب إبادة»؟

بل لماذا تصير الكلمة، في بعض الاستديوهات وغرف الأخبار وفضاء الإعلام الرقمي، موضوعاً للنقاش، قبل أن تصبح صور القتل والتجويع المنهجي وتدمير المدن الذي تمارسه دولة الاحتلال الإسرائيلي هي الموضوع؟
بل هي إبادة.. وإبادة مستمرة، يقول المؤرخ والكاتب الفلسطيني الدكتور رمزي بارود، فلا اعتذار عنها ولا اعتذار عن مقاومة الاحتلال والإبادة، ولا ينبغي انتظار قبول الإعلام الغربي حتى تنقل صورة نقلها أصلا الفلسطينيون (واللبنانيون) بدمائهم، أكانوا صحافيون أو مواطنين.

فبعد ثلاثة أعوام على السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023، لم تعد عبارة «الإبادة الجماعية» حكراً على ناشطين أو مجموعات تضامن.
منظمات حقوقية دولية وإسرائيلية، ولجان تحقيق، خلصت إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة أو إلى أن أفعالاً ارتكبتها تشكل أفعال إبادة.

ولن يضير التعداد: منظمة العفو الدولية، و»هيومن رايتس ووتش»، التي تحدثت عن أفعال إبادة، و»بتسيلم» الإسرائيلية، و»أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل»، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي خلصت في أيلول / سبتمبر 2025 إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت وتواصل ارتكاب إبادة جماعية.
ويقول الصحافي الاستقصائي آسا وينستانلي، المحرر المشارك في «الانتفاضة الإلكترونية»، لـ”القدس العربي”: «الأمر مقلق للغاية. لا يقتصر على أن بعض المؤسسات لا تستخدم المصطلح بنفسها، بل حتى عندما يستخدمه أحد الضيوف في بث مباشر، يسارع المذيع أو الصحافي إلى الاعتراض والقول إن الإسرائيليين ينفون ذلك».

و»بالطبع ستنفي إسرائيل الاتهام، فهي الطرف المتهم بارتكاب الإبادة. نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لم يكن ليقر أنه نظام عنصري».
وهو يرى أن «جزءاً من هذا التوتر يعود إلى معرفة الصحافيين والمؤسسات أنه إذا استُخدم المصطلح فستأتي ردود فعل وضغوط من جماعات مؤيدة لإسرائيل. وهناك، في رأيي، قدر كبير من الجبن في هذا التعامل، لأنهم لا يريدون الدخول في المواجهة أو تحمل تبعاتها».

وحين نسأله عن الحجة المضادة، وهي أن توصيف الإبادة يجب أن ينتظر حكماً قضائياً، يجيب: «أحياناً يقولون ذلك، لكن عدداً كبيراً من منظمات حقوق الإنسان وخبراء وباحثي الإبادة الجماعية خلصوا إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة في غزة، والفلسطينيون أنفسهم يستخدمون هذا الوصف. والمشكلة أنهم، (في وسائل الإعلام)، لا يكتفون بعدم تبني المصطلح، بل أحياناً لا يقبلون حتى صياغة من قبيل: الفلسطينيون يقولون إنها إبادة».

اللغة ليست تفصيلاً
هذا التوتر حول الاسم ليس منفصلاً عن طريقة بناء الخبر. ففي آذار / مارس 2024، نشر «مركز مراقبة الإعلام» البريطاني دراسة حللت 176,627 مقطعاً تلفزيونياً و25,515 مادة إخبارية إلكترونية في الشهر الأول للحرب، وخلص إلى أن وجهات النظر الإسرائيلية حضرت في التلفزيون قرابة ثلاثة أضعاف الفلسطينية، وأن اللغة العاطفية لوصف الإسرائيليين كضحايا استُخدمت بمعدل أعلى بـ11 مرة، وطغى الحديث عن «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» على الحديث عن حقوق الفلسطينيين بنسبة خمسة إلى واحد.

ويرى وينستانلي أن إحدى أوضح صور ازدواجية المعايير هي أن «ممثلي الحكومة الإسرائيلية، وحتى الناطقين العسكريين الإسرائيليين، يحصلون بصورة اعتيادية على مساحات في وسائل الإعلام البريطانية، بينما لا يُسمح إلا لفئات محددة من الفلسطينيين بالظهور على التلفزيون البريطاني أو التعبير عن مواقفهم في الصحف».
ويشير إلى أن دراسات أجرتها، على مدى سنوات، جهات مثل «ميديا لينز»، تظهر مراراً أن عدد المرات التي تستشهد فيها وسائل الإعلام البريطانية بمصادر إسرائيلية يفوق بصورة كبيرة جداً عدد استشهادها بالمصادر الفلسطينية.

ويستعيد مثالاً من الأيام الأولى بعد هجوم السابع من تشرين الأول / أكتوبر، قائلاً إن وسائل إعلام نقلت مزاعم إسرائيلية عن قطع رؤوس أطفال، ثم تراجعت عنها لاحقاً.
ولقد «جرى تبرير ذلك بالقول إنهم لم يكونوا يتبنون الادعاء، بل ينقلون تصريحات مسؤولين إسرائيليين. لكن المعيار نفسه لا يطبق على التصريحات الفلسطينية، وخصوصاً الصادرة عن السلطة القائمة فعلياً في غزة، وبالتأكيد عن الفصائل الفلسطينية المسلحة».
وفي الولايات المتحدة، نقلت «الغارديان» في شباط / فبراير 2024 عن عاملين في «سي إن إن» انتقادهم إجراءات تحريرية قالوا إنها رجحت الرواية الإسرائيلية، فيما نفت الشبكة انحيازها.

الرواية خرجت من تحت الركام
لكن المؤرخ والكاتب الفلسطيني الدكتور رمزي بارود، رئيس تحرير «بالستاين كرونيكل»، يضع المسألة في زاوية أخرى: غزة لم تنتظر هذه المرة أن تمنحها المؤسسة الإعلامية الغربية حق رواية قصتها.

ويقول بارود لـ”القدس العربي”: «أعتقد أن الاستنتاج المنطقي الوحيد، حين ننظر إلى كيفية نقل حقيقة ما يجري في غزة إلى العالم، هو أن الفلسطينيين أنفسهم هم الذين أنجزوا ذلك بصورة أساسية وكاملة. وهذا لا يلغي الدور الكبير الذي لعبته شبكات التضامن، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام المستقلة والمتعاطفة، والأفراد، والمؤثرون ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الرواية الأساسية، والشهادات التي قامت عليها، جاءت من الفلسطينيين أنفسهم».

ويضيف: «نعرف ذلك لأننا رأيناه يتجلى يومياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولأن الصحافيين الأجانب، وخصوصاً الغربيين، لم يتمكنوا من دخول غزة والعمل فيها بحرية خلال هذه الفترة. ولم تكتف إسرائيل بمنع دخول الصحافيين الدوليين، بل فعلت كل ما في وسعها لقتل الصحافيين الفلسطينيين وإسكات الصوت الفلسطيني».

ويرى ان إسرائيل «أرادت ارتكاب الإبادة من دون شهود دوليين، وأرادت أيضاً قتل الفلسطينيين الذين ينقلون روايتها إلى العالم، أو تعطيل قدرتهم على أداء عملهم بكل الوسائل الممكنة. أُصيب كثيرون منهم، واعتُقل آخرون واحتُجزوا، وتعرضوا لأشكال متعددة من الاستهداف. ومع ذلك، وصلت الرواية. كيف وصلت؟ بفضل الفلسطينيين أنفسهم».

وفي حزيران / يونيو 2026، قالت «لجنة حماية الصحافيين» إن إسرائيل ما تزال تمنع الدخول المستقل للصحافيين الأجانب إلى غزة، باستثناء زيارات برفقة الجيش، ليبقى العبء الأكبر على الصحافيين الفلسطينيين.
لكن بارود يدعو إلى «مراجعة فهمنا لكيفية عمل الإعلام. فنحن، بوصفنا عرباً وأبناء الجنوب العالمي عموماً، قيل لنا دائماً إن علينا كسب قبول الإعلام الغربي حتى تُروى قصتنا بدقة. قيل لنا إن علينا التأثير فيه، والعثور على وسائل للنشر عبره، والحصول على اعترافه ومصادقته على روايتنا».

«وقد حاولنا فعل ذلك على مدى عقود. وفي أثناء هذه المحاولات، كثيراً ما هذبنا لغتنا وخففنا حدتها، وحرصنا على مراعاة حساسيات المؤسسات الإعلامية الغربية والمثقفين والقراء والجمهور الغربي. نعم، أحدثت تلك الجهود بعض التغيير هنا وهناك، لكنه ظل في الغالب على الهامش. فلم يحدث تحول جوهري في نظرة المجتمعات الغربية نتيجة محاولاتنا التأثير من داخل إعلامها».

الفلسطينيون نقلوا الرواية
ويقول: «ما حدث في غزة أثبت خطأ هذه الفرضية. فكثير من الفلسطينيين الذين نقلوا الرواية لا يتحدثون لغات أجنبية، وبعضهم تحدث بإنكليزية محدودة. ولم تكن لديهم البنية الإعلامية الضخمة التي تمتلكها إسرائيل والمؤسسات المؤيدة لها. كانوا ينقلون ما يجري من بين أنقاض بيوتهم وقراهم ومساجدهم وكنائسهم. ومع ذلك، استطاعوا إحداث تحول في الرأي العام هو الأعمق من نوعه».
ويلاحظ أنه اليوم «تصل نسبة التعاطف مع الفلسطينيين في الرأي العام العالمي إلى 67 في المئة، وهذا التحول يشمل الجنوب العالمي كما يشمل الشمال العالمي. وحتى المجتمع الأمريكي يشهد، من جوانب عديدة، تغيراً في موقفه. لقد حدث ذلك بفضل الفلسطينيين».

ويربط بارود هذا التحول بالاستهداف الإسرائيلي للصحافيين الفلسطينيين: «وهذا يفسر الاستهداف الإسرائيلي المتواصل للصحافيين الفلسطينيين: التشهير بهم، والطعن في مصداقيتهم، واغتيالهم. فقد أصبح الصحافي الفلسطيني، في نظر إسرائيل، أخطر من يروي القصة في تاريخها. لقد استطاع أن ينقل الحقيقة إلى العالم، وأن يؤثر في الرأي العام، من دون انتظار إذن من المؤسسات الإعلامية الغربية أو اعتراف منها بشرعية صوته».

تغير فرضه الجمهور
أما في بريطانيا، فلا ينفي وينستانلي أن الإعلام البريطاني تغير، لكنه يضع حدوداً واضحة لهذا التحول.
ويقول: «أصبحت التغطية أكثر انتقاداً لإسرائيل، ولا شك في ذلك، لكنها حافظت في الوقت نفسه على الافتراضات التحريرية الأساسية نفسها. وما تزال هناك خطوط حمراء كثيرة لا يُفترض تجاوزها». ويشير، كمثال، إلى الجدل داخل «حزب الخضر» حول الصهيونية.

ويربط جزءاً من هذا التغير بالجمهور: «ثقة الجمهور البريطاني بوسائل الإعلام وصلت إلى مستويات متدنية، والمؤسسات التقليدية تخسر جمهورها. وإذا أرادت وقف هذا التراجع، فعليها أن تغير تغطيتها، وإلا فلن يأخذها أحد على محمل الجد».
لكنه يميز هنا بين الصحافيين والخط المؤسسي، ويقول إن «الوعي لدى الصحافيين أنفسهم تحسن إلى حد ما».

هيئة الإذاعة البريطانية تحت المجهر
وفي بريطانيا أيضاً، تركز جانب كبير من النقاش على «هيئة الإذاعة البريطانية»، وهي هيئة عامة يمولها الجمهور أساساً من رسم ترخيص التلفزيون.
وفي حزيران/ يونيو 2025، نشر «مركز مراقبة الإعلام» دراسة شملت 3,873 مادة مكتوبة و32,092 مقطعاً إذاعياً وتلفزيونياً للهيئة، وقال إن 2,350 إسرائيلياً ظهروا أو أُجريت معهم مقابلات، مقابل 1,085 فلسطينياً.

ووصل النقد إلى داخل المؤسسة نفسها. ففي تموز / يوليو 2025، وقع أكثر من 400 إعلامي وفنان، بينهم 111 صحافياً في «هيئة الإذاعة البريطانية»، رسالة انتقدت قرارات مرتبطة بغزة، وأثارت مسألة عضو مجلس الإدارة روبي غيب، الذي كان مديراً في الشركة المالكة لصحيفة «جويش كرونيكل» حتى آب / أغسطس 2024.
وجاء ذلك بعد قرار الهيئة عدم بث فيلم «غزة: أطباء تحت الهجوم»، الذي عرضته لاحقاً «القناة الرابعة» بعد مراجعته تحريرياً.

(وفي مثال آخر خلصت «أوفكوم» في تشرين الأول / أكتوبر 2025 إلى أن فيلم «غزة: كيف تنجو من منطقة حرب» خالف قواعد عدم تضليل الجمهور مادياً، بسبب عدم الإفصاح عن أن والد الطفل الراوي كان يشغل منصباً في الإدارة التي تديرها «حماس». لكنها لم تقل بأن الفيلم خالف قواعد الحياد السياسي).
بالنسبة إلى وينستانلي، المشكلة أبعد من خطأ هنا أو قرار تحريري هناك: «لكي أقتنع بأن هيئة الإذاعة البريطانية غيرت نهجها فعلاً تجاه غزة، نحتاج إلى تحول هائل وكامل في طريقة التغطية، لأن المشكلة، في رأيي، مؤسسية ومتجذرة».

ويشير إلى رافي بيرغ، محرر شؤون الشرق الأوسط في موقع الهيئة، وإلى كتابه عن عملية لـ»الموساد» في البحر الأحمر، والذي اعتمد فيه على مقابلات ومصادر من داخل الجهاز. ويرى وينستانلي أن هذه الخلفية تطرح أسئلة عن الثقافة التحريرية.
وما يذكره وينستانلي تكرر، بصورة أو بأخرى، في الجدل الذي أحاط بتعيينات حساسة داخل الهيئة. فروبي غيب نفسه عضو في مجلس إدارة هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» وعضو في لجنة معاييرها التحريرية، بعدما كان مديراً في الشركة المالكة لـ»جويش كرونيكل»، وهي الصلة التي أثارت انتقادات واتهامات بتضارب المصالح. وفي عز النقاش حول فيلم «غزة: أطباء تحت الهجوم»، قالت الهيئة إن غيب لم يكن له دور رسمي في قرار عدم بثه.

وثمة أيضاً حديث عن تعيين بارز في الخدمة الدولية لمدير سبق أن عمل في مؤسسة إعلامية يديرها رجل الأعمال اللبناني أنطون الصحناوي، الذي أثارت مشاركته في استضافة عشاء في واشنطن حضره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جدلاً واسعاً.
أما عن نوعية الضيوف الذين تستضيفهم هيئة الإذاعة البريطانية، فيكفي، في رأي منتقديها، الغياب شبه التام للأصوات اليهودية المنتقدة لإسرائيل عن الشاشة.


ويقول وينستانلي: «لا أذكر آخر مرة رأيت فيها ممثلاً حتى عن جهة معتدلة مثل «حملة التضامن مع فلسطين» مدعواً إلى استوديوهات الهيئة لتقديم وجهة نظر فلسطينية. مديرها الحالي والسابق فلسطينيان، ومع ذلك من النادر جداً استضافتهما».
ويقول إن ناطقين إسرائيليين ومنظمات يهودية بريطانية مؤيدة لإسرائيل تحظى بحضور أكثر انتظاماً. ويذكر «مجلس نواب اليهود البريطانيين» و»صندوق أمن المجتمع»، منتقداً ما يراه تداخلاً بين الدفاع عن المجتمع اليهودي والدفاع السياسي عن إسرائيل.

ألبانيزي: الضرر وقع
وكانت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي قد هاجمت، خلال السنوات الماضية، تغطية «هيئة الإذاعة البريطانية» مراراً.
وفي أيار / مايو 2025، قالت إنها اعتمدت على الهيئة أكثر من عقدين مصدراً رئيسياً للأخبار العالمية، لكنها لم تعد تفعل ذلك بسبب تغطيتها لغزة. وقالت إن المؤسسة «خسرت الكثير إلى درجة أنها لا تدرك ذلك»، وإن «الضرر قد وقع».

وتصاعد انتقادها بعد عدم بث «غزة: أطباء تحت الهجوم». وفي تموز / يوليو 2026، اتهمت الهيئة بتضخيم ادعاءات إسرائيلية غير مثبتة بشأن الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، بدلاً من التركيز على احتجازه ومزاعم تعرضه للتعذيب.
وكتبت في مقدمة تقرير «مركز مراقبة الإعلام» أن الإعلام السائد، في رأيها، «صنع القبول» بما سمته إبادة تجري في الوقت الحقيقي.

الإعلام المستقل وخطر النسيان
يشير وينستانلي إلى اتساع مساحة الإعلام المستقل في بريطانيا: «هناك منصات مستقلة أو حديثة نسبياً أكثر نقداً لإسرائيل. موقع مثل «ديكلاسيفايد» يقدم تغطية جيدة لمسألة التواطؤ البريطاني مع الاحتلال الإسرائيلي والحرب على غزة، وهناك صحافة جيدة تُنجز خارج المؤسسات الكبرى».
أما بارود، فيرى أن الخطر التالي قد لا يكون في خبر منحاز أو مصطلح محظور، بل في غياب الخبر نفسه.

ويقول: «بالتأكيد، تريد إسرائيل أن تعود غزة إلى الصورة التي حُصرت فيها في الماضي: مكان يعاني بصورة دائمة من الحصار والعقوبات، ويكاد سكانه يتمكنون من البقاء على قيد الحياة. يبقون تحت السيطرة والرقابة الإسرائيلية، في مساحات تضيق يوماً بعد يوم، ولكن من دون حرب واسعة تقتل المئات يومياً، فتُجبر الإعلام السائد على الاستيقاظ من سباته ومنح غزة بعض الاهتمام».

وهكذاـ برأي بارود، «ستكون إسرائيل راضية عن هذا الوضع، حيث تتحول الإبادة إلى إبادة بطيئة، يستمر فيها القتل وتتعدد أدواتها، لكن بوتيرة أقل كثافة لا تستقطب الاهتمام الإعلامي نفسه. وسيكون الإعلام الغربي بدوره سعيداً بالعودة إلى هذا النمط القديم، لأنه يستفيد منه أيضاً: يقل التدقيق في انحيازه، ويُعفى من المسؤولية في نظر قرائه».

لا اعتذار عن المقاومة
ويقول: «لهذا، فإن مسؤوليتنا الآن هي ضمان ألا تموت قصة غزة، وأن نستمر في استخدام تعبير «الإبادة المستمرة»، وألا نفصل الأزمة الإنسانية عن الأزمة السياسية، وألا نتعامل مع المقاومة في غزة بوصفها أمراً يتوجب علينا الاعتذار عنه».
ويرى أن المسألة لا تتوقف عند استمرار الخبر اليومي: «أعتقد أن لدينا الآن فرصة لبناء منظومة متكاملة تجعل غزة وفلسطين حضوراً دائماً في حياة القارئ الغربي. وهذا يتطلب قدراً كبيراً من الإبداع. فإلى جانب التغطية الصحافية المستمرة، يمكننا دعم الفنانين وصناع الأفلام والأفلام الوثائقية، وكل أشكال التعبير التي تُبقي غزة حاضرة في وعي الجمهور الغربي».

ويضيف: «كذلك، يكتسب المسار القانوني أهمية كبيرة، وخصوصاً مسألة المحاسبة. فمن خلال الملاحقة المستمرة لمجرمي الحرب الإسرائيليين، والسعي إلى إخضاعهم للمساءلة، نُبقي القضية حية. وهناك وسائل عديدة يمكننا العمل من خلالها لتحقيق ذلك».
ويختم بارود: «إذا نُسيت غزة، فستكون إسرائيل قد انتصرت، بمعنى ما. لقد فشلت في كسر إرادة المقاومة في غزة، لكنها قد تنتصر إذا استطاعت إخراج غزة من العناوين، والانفراد بالتخطيط لمستقبلها وتقريره بعيداً عن أنظار المجتمع الدولي. ولهذا، فإن إبقاء غزة في صدارة الاهتمام جزء أساسي من مسؤوليتنا الصحافية والسياسية والأخلاقية».

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى