مقالات

ماذا تعني نهاية “ميليشيا الحوثي” الموالية لطهران وهزيمته بالنسبة للعدوّ الإيراني؟

صلاح أبو شريف الأحوازي/ الأحواز العربية المحتلة

“المدارنت”
لم يعد الحوثي، في الحساب الاستراتيجي للنظام الإيراني، مجرد حليف أيديولوجي في طرف جزيرة العرب، بل صار آخر ذراع خارجية ثقيلة ما زالت تمنح طهران القدرة على إظهار أنها قادرة على الضغط خارج حدودها. بعد سقوط نظام الأسد، وتآكل قدرة حزب الله، وتراجع ما تبقى من شبكات الوكلاء في المشرق، تحوّل اليمن إلى الرئة الأخيرة لما يسميه النظام «محور المقاومة». ومن هنا فإن أي هزيمة حقيقية للحوثي لا تُقرأ بوصفها حدثاً يمنياً محضاً، بل بوصفها إغلاقاً لممر استراتيجي كانت طهران تراهن عليه لتعويض خسائرها في الشام ولبنان، ولابتزاز المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي عبر البحر الأحمر.

خلال أيلول/سبتمبر 2026 بدا أن هذا الرهان يُثمر. تقدّم الحوثيون تقدماً خاطفاً على ساحل البحر الأحمر، وسيطروا على المخا ومواقع مطلة على باب المندب، وفتحوا لطهران جبهة ضغط ثانية إلى جانب مضيق هرمز الذي تحوّل، في سياق الحرب مع الولايات المتحدة، إلى ورقة ابتزاز للطاقة والملاحة. مصادر إقليمية وإيرانية نقلت أن الحرس الثوري دفع الجماعة إلى التصعيد ضد المملكة العربية السعودية، ووعدها بالتمويل والسلاح والضباط. المعنى واضح: الحوثي لم يعد يقاتل لحساب مشروعه المحلي فقط، بل صار أداة لرفع كلفة الحرب على واشنطن وعلى الرياض، ولإجبار دول الخليج العربي على مقايضة أمن الممرات بتنازلات لطهران.

غير أن ما جرى في الرابع والخامس من تشرين الأول/أكتوبر قلب الصورة. أطلقت الحكومة اليمنية، في إطار التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، عملية واسعة لاستعادة الساحل ومقاربة صنعاء، وأعلنت قواتها السيطرة على ذي باب ومواقع باب المندب وقطع الطريق إلى المخا، فيما يتحدث التحالف العربي عن مشاركة كثيفة لسلاح الجو. الصورة الميدانية ما زالت متحركة، والحوثيون يردّون بضربات على منشآت أرامكو، لكن الاتجاه الاستراتيجي لم يعد في صالح العدو الايراني : الزخم الساحلي الذي بُني في أسابيع انكسر في أيام، وظهر أن «الذراع الأخيرة» قابلة للاسترداد إذا توافرت إرادة التحالف العربي الجوية والبرية في آن واحد.

ماذا يعني ذلك للنظام الإيراني إن اكتملت الهزيمة؟
أولاً، سقوط نظرية العمق الاستراتيجي الرخيص. قامت عقيدة الحرس الثوري، منذ الثمانينيات، على نقل المعركة إلى خارج الحدود عبر وكلاء يقاتلون بكلفة أقل من الجيش النظامي، ويمنحون طهران قدرة على الإنكار. سوريا كانت الممر، وحزب الله كان الذراع الدقيقة، والحوثي كان بوابة البحر الأحمر في وجه المملكة العربية السعودية والخليج العربي. سقوط الاثنين الأولين ثم تراجع الثالث يعني أن النظام يعود إلى حدوده الفعلية: دولة محاصَرة، لا إمبراطورية وكلاء. باب المندب، الذي وُصف بأنه «فوز ثلاثي الأبعاد» لإيران، يتحول عند فقدانه إلى دليل على أن النفوذ الإقليمي لم يكن بنية مستقرة، بل سلسلة مواقع يمكن للتحالف العربي انتزاعها الواحدة تلو الأخرى.

ثانياً، ضياع ورقة المساومة في حرب الممرات. رهنت طهران جزءاً من ضغطها على واشنطن ودول الخليج العربي بقدرتها على خنق هرمز من جهة، وتهديد باب المندب والصادرات السعودية المحوَّلة عبر البحر الأحمر من جهة أخرى. هزيمة الحوثي تُسقط الضلع الثاني من هذه المعادلة، وتُريح المملكة العربية السعودية من ابتزاز مزدوج كان يستهدف شريان تصديرها البديل. يبقى هرمز ورقة خطرة، لكنها ورقة انتحارية إذا استُخدمت حتى النهاية، لأنها تستدعي ردّاً مباشراً على الأراضي الإيرانية نفسها، لا على وكيل بعيد. الفرق بين الضغط عبر صنعاء والضغط من بندر عباس هو الفرق بين حرب بالوكالة وحرب وجود.

ثالثاً، انكشاف الإفراط في التمدد. نقل ضباط الحرس وأموال الخزانة المنهوبة إلى اليمن، في لحظة تستنزف فيها الحرب مع الولايات المتحدة قدرات الدفاع الجوي والبحرية والاقتصاد، يكشف أولوية النظام: بقاء صورة القوة الخارجية أهم عنده من أمن الداخل. كل صاروخ يُهرَّب إلى صعدة هو مورد مسلوب من الأحواز المحتلة، ومن بلوشستان، ومن كردستان، ومن آذربايجان الجنوبية، حيث تُدار السياسة بالفقر والتجريف الديمغرافي والإعدام لا بالتنمية. هزيمة الوكيل لا تُعيد هذه الموارد تلقائياً إلى أصحابها، لكنها تُسقط حجة «المواجهة الإقليمية» التي يُبرَّر بها تجويع الأطراف غير الفارسية، فيما التحالف العربي يثبت أن هذه المواجهة قابلة للحسم على الأرض.

رابعاً، ضربة للسردية لا للجغرافيا فقط. بنى الاحتلال الايراني شرعيته المتأخرة على أنه رأس محور يعادل الغرب ودول الخليج العربي. حين يسقط الأسد، ويُقصَّ جناح حزب الله، ثم يُهزم الحوثي على الساحل الذي سلّمه إياه الحرس قبل أسابيع، تنكشف السردية بوصفها إدارة أزمة لا مشروع صعود. الأثر داخل إيران أخطر من الأثر في الإعلام: النخب الأمنية ترى أن الاستثمار الخارجي لم يَحْمِ النظام، بل استهلكه؛ والشعوب الخاضعة للاحتلال ترى أن الذراع التي كانت تُلوَّح بها في وجه المملكة العربية السعودية والتحالف العربي قابلة للكسر.

خامساً، إعادة ترتيب الخليج العربي. المملكة العربية السعودية التي تلقّت في أيلول صدمة المخا وباب المندب، إذا نجح التحالف العربي في تثبيت خط دفاعي على الساحل، تخرج من معادلة الابتزاز المزدوج. ذلك لا يعني بالضرورة تحالفاً جديداً واسع النطاق ضد طهران، لكنه يعني أن كلفة مسايرة النظام الإيراني ترتفع، وأن ورقة «نضبط الحوثي إن خفضتم الضغط» تفقد قيمتها. بالنسبة للأحواز، أي تراجع في قدرة طهران على ابتزاز المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي هو تراجع في الغطاء السياسي الذي يحمي نهب النفط والغاز والموانئ الأحوازية تحت عنوان أمن الممرات.

الهزيمة، إن اكتملت، ليست نهاية الخطر. النظام قادر على إعادة تسليح ما تبقى من الحوثيين، وعلى نقل التجربة إلى جبهات أصغر، وعلى تعويض الخسارة الخارجية بمزيد من البطش الداخلي. غير أن معنى اللحظة أوضح من تفاصيل الجبهات: آخر أداة رخيصة لإسقاط القوة خارج الحدود تدخل طور التآكل، والنظام يُجبر على مواجهة حدوده الحقيقية. ومن داخل الأحواز المحتلة، حيث تُدار الثورة لا بوصفها شأناً محلياً بل بوصفها جزءاً من تفكيك بنية الاحتلال، تُقرأ نهاية الحوثي كما قُرئت نهاية الممر السوري: ليس انتصاراً لطرف على طرف في حرب الآخرين، بل سقوط حلقة إضافية من سلسلة كانت تُطيل عمر نظامٍ يقوم على احتلال الشعوب ونهب أرضها وتصدير أزمته إلى ما وراء حدوده، في مواجهة إرادة التحالف العربي والمملكة العربية السعودية في حماية أمن الخليج العربي وممراته.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى