محمد الضيف.. رواية من الداخل
“المدارنت”
يكاد يكون برنامج «ما خفي أعظم» عن محمد الضيف أهم مادة مرئية بثتها قناة «الجزيرة» طوال ثلاثين عاماً من عمرها، حيث يحتوي على مادة وثائقية مهمة تكشف تفاصيل مهمة عن رجل ظل غامضاً ومتوارياً عن الأنظار منذ عام 1995، فضلاً عن أنها تكشف جملة من الحقائق الفاصلة والمهمة التي يحتاجها من يريد الحُكم على أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
أهمية البرنامج الوثائقي الاستثنائي، لا تنبع فقط لكونه من إنتاج الصحافي البارع والمبدع تامر المسحال، وإنما تعود أهميته إلى كونه كشف عن اسم غامض كان الفلسطينيون والإسرائيليون على حد سواء يسمعون به، من دون رؤيته، أو معرفة شيء عن تفاصيل شخصيته وحياته، وهو محمد الضيف الذي شغل منصب القائد العام لكتائب عز الدين القسام طيلة 25 عاماً الماضية، وقد تولى هذه المهمة في أعقاب اغتيال سلفه الشيخ صلاح شحادة في منتصف عام 2002، لكنَّ الضيف كان حينها مطلوباً للاحتلالـ وعلى قوائم الاغتيال، ومع ذلك تمكن من التخفي طيلة هذه المدة.
ومنذ عام 2014 كان يسود الاعتقاد في أوساط الفلسطينيين والإسرائيليين والأوساط الإعلامية بأن الضيف، وإن كان قد أفلت من الاغتيال إلا أنه تم تحييده بعد أن أصيب بإصابات بالغة جعلته مُقعداً ومريضاً لا يقوى على الحركة ولا التفكير والقيادة، وأن ثمة جنرالات آخرين في حركة حماس يقودون المشهد، ويتخذون القرارات الحاسمة، ليتبين من برنامج «ما خفي أعظم» أن الضيف ظل القائد الفعلي للجهاز العسكري، ويتمتع بقدراته الحركية والعقلية كافة حتى اغتياله عام 2024 خلال الحرب الأخيرة التي ما تزال مستمرة ضد الفلسطينيين في القطاع.
وعلى العموم فليست القصة في شخص محمد الضيف، الذي كان بلا شك شخصية أسطورية قلَّما عرف البشرُ لها مثيلاً، أو ربما لا مثيل لها على الإطلاق، وإنما المهم هو جملة الحقائق التي كشفها برنامج «ما خفي أعظم»، والتي تتعلق بمسار حركة حماس وجهازها العسكري وما يتعلق بهجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي أثار جدلاً واسعاً – وما يزال- على مستوى العالم بأكمله، وأهم هذه الحقائق والخلاصات:
أولاً: كان قرار حماس بشنَّ هذه العملية في شهر فبراير/شباط 2023، أي قبل ثمانية أشهر من موعدها، مُسبَّباً ومشروطاً، إذ كان سببه الاعتداءات على المسجد الأقصى وعلى الأسرى في السجون، وكان مشروطاً باستمرارها، وكان القرار أنه لو توقفت هذه الاعتداءات فإن العملية سيتم إلغاؤها.
ثانياً: لم تكن العملية ولا الحرب ولا ما قبلهما ولا ما بعدهما قراراً فردياً يتخذه يحيى السنوار، كما كان يتم الترويج له وكما كان يحلو للبعض أن يتصور، بما في ذلك بعض كوادر الحركة ذاتها، إذ كان السنوار هو قائد حماس في غزة بالفعل، لكنه لم يكن قائد الجهاز العسكري ولا صاحب القرار فيه، وإنما كان ثمة «مجلس عسكري» هو الذي يتخذ القرار، وكان هذا المجلس يديره الضيف حتى آخر لحظة في حياته، أما السنوار فهو أحد أعضائه فقط.

ثالثاً: لدى حماس، أو ربما لدى جهازها العسكري فقط، جهازٌ إعلامي بارع واستثنائي، ومن الواضح أنَّ لديهم أيضاً أرشيفا غنيا بالوثائق ومحاضر الاجتماعات والمراسلات الداخلية والخارجية، والمهم في الأمر أن كل هذا أفلت من أيدي الاحتلال بعد ثلاث سنوات من الحرب المستمرة، لا بل إن من يمتلكون مفاتيح هذه الأرشيف قرروا الإفراج عن بعض التسجيلات والتوثيقات التي كانوا يقومون بها طوال العقود الثلاثة الماضية. علماً بأن بعض التسجيلات التي ظهرت في برنامج «ما خفي أعظم» تعود إلى عصر ما قبل الهاتف النقال والإنترنت والديجيتال، أي أنها كانت بكاميرات تلفزيونية قديمة وبأشرطة فيديو اختفت من العالم منذ أكثر من عشرين عاماً.
رابعاً: لسنوات طويلة كان يسود الاعتقاد في أوساط الكثير من المتابعين للشأن الفلسطيني، بأن ثمة خلافا بين الجهاز العسكري والجناح السياسي في حركة حماس، وقد تبين من وثائقي «الجزيرة» أن هذا الافتراض هو محضُ أوهام، حيث ظهر إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي وهو يتفقد مصنعاً عسكرياً سرياً بصحبة القيادة العسكرية، كما تبين أن السنوار الذي هو القائد السياسي للحركة في قطاع غزة هو أحد أعضاء المجلس العسكري، الذي هو القيادة العليا لكتائب القسام، وهذا يعني في التحليل الأخير أن ثمة تداخلا بين الجناحين يستحيل معه التناقض أو التصارع أو الاختلاف.
والخلاصة هو أنَّ الكثير من تاريخ حركة حماس لا يزالُ غامضاً، بينما هي تجربة فريدة من نوعها لتنظيم سياسي وعسكري استثنائي وغير مسبوق، تعرض ويتعرض لحربٍ شرسة ومع ذلك لا تزال لديه القدرة على الاحتفاظ بأرشيفه ووثائقه وتسجيلاته، وبكل تأكيد ما زال لديه الكثير مما يُمكن أن يروى أو يُفككَ الكثير من الألغاز السابقة.



