مقالات
“مسرحيّة” انتخابات المغتربين..!
خاص “المدارنت”..
يدور جدل كبير في لبنان، حول حقوق المغتربين في الاقتراع لأعضاء المجلس النيابيّ في الدوائر الانتخابيّة، حيث قيود نفوسهم الأصليّة، او لانتخاب ممثِّلين عنهم في بلاد الاغتراب التي يعيشون فيها.
من جِهَة، هناك شكّ كبير في نيّة القوى الحاكمة والمهيمِنة على مفاصل الدولة والسياسة على إجراء الانتخابات؛ إذ لا مصلحة لايّ حزبٍ في التصدّي لامتحان انتخابات مكلفة مادِّيًّا، لأنّ المقترعين مُشرَّعون على كلّ الأبواب الداخليّة والخارجيّة، الجاهزة والمُتأهِّبة للتدخُّل بكلّ ما أوتيَت من قوّة وعلاقات واعلام وسيادة حالة معيشّيّة مُزرية، يعاني منها معظم سكّان لبنان.
من جهة أخرى، فيما لو حصلت الانتخابات في الربيع القادم، فإنّ امكانيّة التغيير ضئيلة جدًّا، ممّا سيضع الجميع أمام مأزق كبير، اشدّ وأخطر من الذي هم أمامه الآن؛ إذ ستمتنع القوى الخارجيّة عن مدّ يد العون إلى بشرٍ – فعل بهم سياسيّوهُم ما لم يفعله أعتى ظُلّامِ التاريخ بشعوبهم – قد أعادوا انتخاب من خرّب بلادهم ونهبَهم وأذلّهم وأفقرهم، ويأّسهُم من كلّ بقعة امل قد تلوح في الأفق!
لنفرِض، جدلًا، أنّ الانتخابات ستحصل في أيّار القادم، وأقبل المغتربون، في كل اصقاع الأرض، على الاقتراع لمرشّحين في الدوائر الانتخابيّة في المناطق حيث قيود نفوسهم. في هذه الحال، سينتخبون بنفس الطريقة التي ينتخب بها المقيمون – مع فارق بسيط لا يغيِّر شيئًا من النتيجة النهائيّة؛ فيكون بذلك هدر للوقت والمال والحماس، ينتج عنه شحنة اضافيّة من الاحباط واليأس وتلاشي الأمل في أيّ تغيير.
امّا عن حقوق المغتربين في المشاركة بالانتخابات، فهذا هراءٌ لا يُسمِن ولا يُغني من جوع؛ إذ أنّ المنطق السليم يقول بأنّ المغترب يعيش حيث هو بشكل دائم، او شبه دائم في أحسن الأحوال، ويتفاعل مع المجتمع عملًا وسياسةً وهمومًا وانتخابًا، ويقتصر تفاعله – عن بعد – مع لبنان، من خلال تواصله مع أهله وذويه وأصدقائه. لذلك، ستكون مشاركته في العمليّة الانتخابيّة، بشكل عامّ، استجابة لطلب او إيعاز من الذين يتواصل معهم في الوطن الأمّ.
إذا أراد المقيمون في لبنان، الإفادة من المغتربين، فهناك سبُل أخرى غير زجِّهم في أتون المناكفات الانتخابيّة التي تمزِّق الصفوف، ولا ينتج عنها الّا تشكيلة واسعة ومتنوِّعة من السلبيّات..
على المقيمين، أوّلًا: أن يعيدوا ثقة المغتربين بهم وبلبنان، كوجهة اساسيّة لقضاء عُطَلِهِم لضخّ العملة الصعبة في عصب الاقتصاد.
ثانيًا: عليهم أن يعيدوا ثقتهم بالقطاع المصرفيّ اللبنانيّ، عبر استعادة أموالهم التي افنوا أعمارهم في تجميعها لايداعها في مصارف الوطن الامّ، الذي عشقوا، وطالما حلموا بالعودة الى العيش تحت سمائه وظلال أرزه وشموخ جباله.
ثالثًا: عليهم ابتكار الآليّات الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، التي تربط المغترب بالوطن الامّ، بحيث يحصل المقيم على الدعم الأفضل من المغترب في شتّى المجالات، بطرق علميّة منظّمة ومستدامة.
أخيرًا، وليس آخرًا: على المقيم أن يعلم بأنّ المغترب اللبنانيّ، يعيش حالة نجاح مستمرّة، أينما حلّ، وليس بحاجة الى المقيم إلّا أن يعرف الأخير كيف يحافظ على البلد من الانهيارات والتدمير – كما يحصل منذ سنوات.
انّ علاقة المغترب بالوطن الأمّ، لبنان، قد اهتزّت كثيرًا في السنوات الماضية، بسبب الخراب الذي أحدثته الطبقة السياسيّة الحاكمة، والسكوت المدوّي لغالبيّة الشعب عن هؤلاء السياسيّين.
لا انتخابات في الربيع. وإن حصلت؟! فلن يكون تغيير ذو شأن. لذلك، الحلّ الجذريّ هو في تغيير النظام الطائفيّ المذهبيّ، واستبداله بنظام دولة مدنيّة عصريّة، تحترم الإنسان وتسعى الى تحقيق التنمية الشاملة المُستَدامة، لكي تعود الثقة الى كل اللبنانيّين، مقيمين ومغتربين، بوطن، يعبر إلى آفاق المستقبل، بالعلم والعمل وسيادة القانون والقِيَم الانسانيّة.
======================



