مطلوب سحب الاعتراف الدولي بـ”إسرائيل”!
“المدارنت”
استند ديفيد بن غوريون في إعلان قيام دولة إسرائيل الموافق 14 مايو 1948 على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر 1947، والداعي لإنهاء الانتداب البريطاني وتقسيم فلسطين الى دولتين عربية ويهودية، وأن تكون القدس الكبرى تحت إدارة دولية، بمعنى أنه قبل بالقرار كاملا دون اجتزاء، وعليه نال شرعيته الدولية، وعلى أساس ذلك اعترفت حينها أكثرية دول العالم بإسرائيل، ورغم التجاذبات والصراعات والنكبات بقي قرار التقسيم محتفظا بمرجعيته القانونية والتاريخية، لما سمي لاحقا بحل الدولتين كأساس شرعي لمعالجة جذور الصراع المزمن على أرض فلسطين، ولم يسقط بالتقادم، ولم يصدر أي قرار دولي ينسخه أو يبطله.
وعندما تتنكر إسرائيل اليوم للقرار ذاته الذي استنبطت منه شرعية قيامها، وبالقوة الغاشمة تحاول إضفاء الشرعية على احتلالها لحصة الدولة الفلسطينية، التي أقرها مشروع التقسيم، فإنها تنفي بذلك شرعيتها المشروطة بحل الدولتين، الذي زكته كل القرارات اللاحقة للشرعية الدولية والمتسقة مع قرار التقسيم، ومنها إنهاء احتلال إسرائيل للضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية، وحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة، إسرائيل كدولة متمردة على الشرعية والقانون الدوليين بممارساتها المارقة لا يردعها غير السياسة العقابية التي تخيرها بين الامتثال، أو العزلة والنبذ، وما سحب الاعتراف بشرعيتها الناقصة من قبل دول العالم التي تتكاثر باعترافها بدولة فلسطين، إلا وسيلة فعالة للانحياز لمبادئ القانون الدولي والإنساني الخالي من الانتقائية والمعايير المزدوجة.
ربما بدافع التمني توقع أنصار حقوق الإنسان حول العالم، أن تكون أوروبا، خصوصا مؤسسات اتحادها، قد انتفضت بصحوة ضمير، ولو متأخرة لإنقاذ مصداقيتها في الدفاع عن القوانين الدولية ومبادئ العدل والسلام الدوليين، ففزعتها الكبرى لأوكرانيا بدواعي قانونية وأخلاقية، لا تتسق بل تنافي مبررات سلوكها البارد ازاء انتهاكات إسرائيل، شريكها الأول في الشرق الأوسط، التي تدوس على أبسط قواعد القانون الدولي وترتكب أبشع الجرائم وأخطرها، حيث التفوق شكلا ومضمونا على ما حصل ويحصل بين روسيا وأوكرانيا، وبات جليا أن إناء الصهيونية فكرا وممارسة ينضح بما سقي أوروبيا من تلازمات نازية وفاشية، مبتكرة في عنصريتها ودمويتها ووحشيتها، واحتقارها للأغيار، ولم يعد ممكنا هضم تبريراتها بعد انكشاف حقيقة تلازم سعيها للبقاء والتمدد بفناء الآخر، ورغم محاولات شيطنة النضال الفلسطيني ووصمه بالإرهاب، إلا أن واقع الحال أثبت وبالبث المباشر، أن تكريس فكرة الوطن القومي لليهود على حساب الشعب الفلسطيني هو الإرهاب بعينه، وانفضاح دور الضحية الذي تلعبه إسرائيل بتفصيلات صاغتها أوروبا ذاتها أثناء محاولتها تجاوز عقدتها مع اليهودية، بتبني مشروع صهينتها ودمجه بإطارها الكولونيالي، ليفقس خارج عشها الأوروبي وطنا بديلا لليهود في فلسطين، ينهي محنتها معهم ويجعلهم عونا لها في كبح جماح شرق المتوسط، وشله عن أن يشكل بؤرة تقارع الهيمنة الغربية.
الإبادة المعلنة والمنقولة بالصوت والصورة بحق أبناء الشعب الفلسطيني، تستنطق إنسانية القريب والبعيد ليفعل ما هو مستطاع لإيقاف المجزرة المستدامة ومعاقبة القائمين عليها، في الضفة ضم وتقتيل واستيطان متغول وفصل عنصري سافر، وفي غزة إبادة منظمة وتجويع بغرض التطهير العرقي، واغتصاب الأرض، واستيطانها من قبل صهاينة أوروبا الجدد، محرقة غزة تحول المكان إلى أكبر مقبرة مفتوحة في عالم يدعي التحضر واحترام حياة البشر، جرائم ضد الإنسانية لا تخطئها العين المجردة، عن أي حسابات دفينة تتحاشى مواجهة الذات! دموع التماسيح !
شعوب أوروبا تتلمس نفاق قادتها الكبار، ومع كل يوم جديد تتواصل فيه مقتلة غزة يتزايد حرجهم، ومع تعاظم التضامن الأوروبي غير الحكومي مع الفلسطينيين، باتساق مع المنظمات الإنسانية والأممية، تزداد عزلة إسرائيل وتتآكل سرديتها الملفقة، ما يضع دعاة حماية الشرعية الدولية وحقوق الإنسان من قادة أوروبا الكبار على المحك، ومن منظور آخر فإن استطالة حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة وفشل إسرائيل بهزيمة مقاومة الشعب الفلسطيني، رغم كل أنواع الدعم الذي منحته لها أوروبا وأمريكا، هو وليس غيره ما جعل قادة أوروبا يتواترون في تصريحاتهم وانتقاداتهم وتحذيراتهم وتلويحاتهم بإجراءات عقابية لإسرائيل، وهي لا ترقى لفداحة ما يجري، فحتى الآن لا عقوبة مؤثرة تذكر من الاتحاد الأوروبي بحق إسرائيل، في حين خرج الاتحاد بنحو 17 حزمة من العقوبات القاسية بحق روسيا في الفترة الزمنية ذاتها تقريبا، بعض الدول الأوروبية، رفعت صوتها لفعل ما يلزم، لكن قادة ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، يقولون ما لا يفعلون!
عندما أصدرت محكمة الجنايات الدولية أمرا باعتقال نتنياهو، تباينت ردود الأفعال الأوروبية، فالبعض أعلن التزامه بقرار المحكمة، للبرهنة على وحدة المعايير، إسوة بقرارها الذي اتخذته بحق بوتين، والبعض الآخر تنصل من التزاماته ازاء ولاية المحكمة وتساوق مع الموقف الامريكي الداعي لمعاقبة المحكمة!
رفع عتب أوروبي بالاعتراف بدولة فلسطين، على أهميته المعنوية، فإن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لوحده، ليس رادعا لتجاوزات إسرائيل، ولا يشكل ضغطا ملموسا عليها، ولا يرفع عن الكاهل الفلسطيني حملا ما من أحمال الاحتلال والاستيطان، وعمليات التجويع والإبادة والتطهير العرقي والتهجير. إن إيقاف مبيعات الأسلحة وتجميد اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، وسحب الاعتراف بدولة إسرائيل، هو ما يجب فعله، إن صدقت نوايا المعترفين، ما زالت دول الاتحاد الاوروبي تتخادم مع حكومة تحرق كل غزة وتشرع لاستيطان كل أراضي الضفة، كي تعدم أي إمكانية لقيام دولة فلسطين.
رد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس متهكما على تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حول سعيه لحملة اعتراف جماعي بالدولة الفلسطينية، قائلا: إن القرار التاريخي ببناء 22 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية هو الرد العملي على اعتراف ماكرون الورقي بالدولة الفلسطينية، التي لن يكون لها وجود.



