مـا مـات الأسـمــر..!!
“المدارنت”..

في الذكرى 49 لرحيل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، لا يسعنا إلاّ تذكره واستحضار تاريخه المجيد، وتجربته الرائدة في قيادة أمتنا العربية في أخطر مرحلة من مراحل تاريخها الحديث، وفي فترة منحت فيها بعض قوى الإستعمار الاستقلال الشكلي لغالبية الأنظمة العربية، التي ولّدت بدورها عدداً من الدول العربية العاجزة عن إثبات وجودها، الى أن فجّر عبد الناصر ثورة 23 يوليو/ تموز في العام 1952، التي بشّرت بنسائم الحرية لغالبية أقطار الوطن العربية”المستقلة”، وتلك التي كانت تنتظر على طريق الاستقلال.
في هذه المناسبة، اخترنا كلمة خاصة مميّزة، يرثي فيها مفتي راشيا والبقاع الغربي مفتي المناضلين الراحل الشيخ أحمد رؤوف القادري صديقه الراحل جمال عبد الناصر، رحمهما الله. وقال المفتي الراحل:
مات الأسمر… وانطلق النبأ يشقّ سكون الليل ويزأر… والدمع تفجّر… والنيل تحجّر… والأرز جرى دمعًا أحمر… مات الأسمر… ذاك الأسمر أمل العرب الأكبر… ترك الوادي الأخضر… ترك العرب وأبحر… مات الأسمر.
وانبلج الصبح على ليل من الحزن العميق، أدمى القلوب، وأذهل العقول، والناس بين مصدِّق ومكذِّب.
لقد كانت فجيعتنا بعبد الناصر، فوق مستوى الكلمة، فوق مستوى الحزن والألم. كانت جرحًا عميقًا في القلوب، سيبقى ينزف دمًا كلّما فتّشنا عنه في الكلمات، فلم نجده… وعزاؤنا في بُعْدِه عنّا أنه لبّى نداء ربه، وأنه قد ترك معنا روحًا ستبقى ترفرف فوقنا، لتقول لجميع الذين يعتقدون أنه انتهى: أنا هنا… قد ابتدأت من جديد… الشعلة لا تنطفئ بموت حاملها، والعقائد والمبادئ والمثل لا تغيب بغياب أصحابها عن مسرح الوجود… والروح لا تفنى بفناء الجسد… والعظماء لا يموتون، لأنهم يعيشون بين الناس بمبادئهم لا بأجسادهم.
والزعيم الراحل… والرائد المعلِّم.. كان في قِمّة العظماء… أرسلته العناية الالهية ليخرج هذه الأمة من سباتها، وليبعث فيها الحياة من جديد، وليسير بها في طريق العزة والكرامة، ولينقذها من التخلُّف المزمن، ومن نير الاستعمار المتحكِّم، وليعيد لها أمجادها القديمة.
رفع الراية… وخاض معارك أمته وشعبه ضدّ الاستعمار والتخلف والجهل والفساد… وقد استطاع بصبره وثباته، وبشجاعته وإقدامه، وبإيمانه القوي بربِّه، أن يقضي على التخلُّف والجهل، وأن يقضّ مضاجع المستعمرين، وأن يهزّ كيان الباطل، وأن يعيد للعرب اشتراكيتهم العادلة، وديموقراطيتهم الحقّة، وأن يدفع بالأجيال من أمَّته إلى الصمود مع الحقّ في وجه كل باطل… فاندفعت الجماهير، باسم عبد الناصر، ترفع أصواتها العالية في وجه الخائنين، والزعماء التافهين، والحكام المستغلّين، الذين ينافقون شعوبهم ويخدعونها… والذين امتصّوا دماء العرب، وعاثوا في أرضهم فسادًا، وانتهكوا حرمهم استخفافًا، ونشروا الخلاعة والفجور والإباحية في كل شبر وطئته أقدامهم.
لقد فجّر عبد الناصر الثائر في مصر والبلاد العربية طاقة ثورة هائلة… حمل لواءها، وأضاء شعلتها، وغذّاها من دمه وأعصابه… فقد عاش حياته كلها مكافحًا مناضلًا ثائرًا… ثار على الظلم وهو طالب… وثار على الخيانة وهو يحارب في فلسطين في سنة 1948… وثار على الفساد، فكانت ثورة 1952… وثار على الاستعمار فكان الجلاء والتأميم… وثار على الرجعية والاستغلال، فحطَّم الاقطاعيين، وأعلن الاشتراكية، وثار على الأحلاف المشبوهة، فقضى على حلف بغداد وعلى الحلف الإسلامي… وثار على الاغتصاب فكانت له جولات مع الصهاينة… وثار على الاقتتال بين الإخوة، ولم يتوقف قلبه الكبير حتى أوقف المجزرة البشرية الرهيبة في عمان.
وأنشأ عبد الناصر قيادة عربية حازمة لبقة تظهر على حقيقتها، حين تتحرَّج الأمور… أقامها على الحزم والعزم، والقوة والدهاء، والاتزان والوقار، والحب والاخلاص.
كان فيها القائد الفذَّ… فهو لم يكن قائد جيش همُّه أن يخوض المعارك فحسب، ولا قائد جيل من الناس، همُّه أن يهيئ له حياة طيبة هنيئة فقط، وإنما كان قائد أمة بأسرها… عاش طيلة حياته يجاهد في سبيلها، ولم يتوقَّف عن الجهاد من أجلها، إلا عندما توقف القلب الكبير عن الحركة في صدره.. وهكذا انتصر عبد الناصر الإنسان، وانهزم عبد الناصر الجسد، وعاش عبد الناصر القائد، ومات عبد الناصر المخلوق.
عبد الناصر الذي فقدناه… الثائر القائد، المعلم، الشجاع، المؤمن، الذي ترك لنا سجلًّا حافلًا من المآثر… صاحب القلب الكبير الذي كان يسع آمال أمّة بكاملها… والذي سكن حبُّه كلَّ قلب فيها… البطل الجلد الصبور الذي كان يضرب بذراعيه هنا وهناك، كما تضرب الشمس بأشعتها أكتاف السحب في يوم غائم… حبيب الملايين ونصير الفلاحين والعمال والمثقَّفين والثائرين ورافع راية الحرية والاشتراكية والوحدة… وبطل السلام الذي دافع عن الحقّ في كل بقعة من بقاع الدنيا… العملاق الذي تضاءلت أمامه عمالقة التاريخ، والذي شيَّعته مسيرةٌ طولها النيل وعرضها ما بين الخليج والمحيط… نقف الآن لنتحدث عنه في دقائق معدودات.
إنه التاريخ منذ صلاح الدين.. وإن التاريخ وحده قد يستطيع أن يفيه حقه. ولكنني أطلب من التاريخ أن يسجّل في أول صفحات عبد الناصر… بأحرف من نور: أن عبد الناصر الذي ملأ الدنيا… وكان حاكم أكبر دولة عربية لمدة ثماني عشرة سنة… لم يترك لعائلته بيتًا.
أيها الأقزام… أيها اللاهثون وراء شهواتكم وملذاتكم… أيها المتكالبون على الدنيا، المجدّون في جمع الأموال والتباهي بالدور والقصور… هل سمعتم هذا؟!
يا أصحاب الجيوب العامرة والكروش النافرة والقلوب الضامرة… يا من بِعْتم ناصر… يا من سوَّدتم دربه… يا من أتعبتم قلبه… ومشيتم في جنازته تبكون، وأيديكم بدم الثوار مغموسة.
لا… لا… لن تهدأ ثورة… وستبقى روحك يا ناصر… تهدر كالموج الثائر… لتهزّ عروشهم هزًا… فالمارد قد كسر القيد… والمارد أبدًا لن يقهر…. ما مات الأسمر.
أنت قلتها يا عبد الناصر… “هذه ليست ساعة للحزن، إنها ساعة للعمل”….
وجيلك الثائر يا عبد الناصر… سيتسلَّم الراية… وسيصطفّ خلف مبادئك وتعاليمك في صفّ واحد… ففلسطين ما زالت مغتصبة، والقدس بمقدَّساتها في أيدي الطغاة… والأقزام والأصنام ما زالوا فوق كراسيهم التي تفوح منها رائحة الخيانة… وسيحطّم جيلُك يا عبد الناصر الأصنامَ البشرية صنمًا صنمًا، وسيقاتل بعناد وإصرار وبرجولة وشرف عن كل ذرة من ترابه، وعن كل شبر من أرضه، مهما كانت الخسائر، ومهما بلغت التضحيات، فيرفع ألوية النصر فوق فلسطين العربية. وسيحقِّق بالقوة هدفك يا عبد الناصر، بالوحدة والاشتراكية والحرية.
إن الألم الذي يعتصر قلوبنا لفقدك يا عبد الناصر لن يزيدنا إلا إيمانًا وإصرارًا ويقينًا، وإلا تصميمًا على الكفاح وثباتًا في المعركة وبذلًا للروح والمال، واتحادًا في الصف والرأي، واستعدادًا للفداء… وإن الدموع التي ذُرفت لفقدك يا عبد الناصر، هي دموع الأمل والتصميم التي ستنقلب إلى نصر قريب بإذن الله، وبهمّة السواعد الفتية، والإرادات الحديدية التي ربَّيتها، وأردت منها أن تخوض معركة المصير، معركة الشرف والكرامة بقوة وعزم وتصميم، وما زالت كلماتك الخالدة ترن في أذنها.
“إن كل القوى في أمتنا العربية، وكل الأطراف وكل الأفراد عليهم أن يدركوا إلى أعماق الأعماق أنه ليس أمامهم وأمامنا جميعًا بديل من القتال من أجل الحقّ الذي نطلبه، ومن أجل السلام الذي نسعى إليه… ولا يمكن أن يكون الحق تفريطًا، ولا أن يكون السلام استسلامًا”.
عهد وميثاق منّا يا ناصر… أن نظل على الدرب… وأن نحصل بكل طاقاتنا للنصر… متمثلين بقوله تعالى: “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلًا”.
وستبقى الراية مرفوعة… وستبقى روحك تحميها… وسنرفعها أكثر وأكثر… وسننشرها فوق القدس، فوق اللدّ والرملة، وسننشرها أكثر وأكثر… وسنرويها بدم أحمر… حتى النصر الأكبر… ما مات الأسمر.




