مقالات

مـشـهـــد مـــريـــــع!

د. محمود المسلماني/ لبنان
خاص “المدارنت”..
” يا ويليي! يا ضيعانك يا أم نايف! يا أسف الزمان عليكِ يا مرت عمّي!…”..
كانت “سعدى الشامي”، تصيح بهذه الكلمات، وأظافرها تشقّ أثلامًا حمراء على صفحة وجهها؛ فيما كانت عيناها العسليتان تستقطران بعضًا من دموع، لتكتمل بها لوحة الفاجعة، في وجه جهدت صاحبته لترسم على ملامحه صورة للحزن واللوعة الكاوية.
كانت أم نايف، تتوكّأ على عصا شيخوخة متعبة. جاهدت بشقّ النفس لبلوغ هضبة الثمانين الشاهقة. وفي مسيرة هرمها الشاقّة، كان يلازمها ضغطان: ضغط الدم المرتفع، وضغط “الكِنّة” الجبّارة القاسية.
كان الأول، يتمثّل في دوار عنيف يعصف برأسها، ويذهب بها احيانًا نحو غيبوبة خطرة؛
أما الثاني، فيتجلّى في حالة من الذعر، تسري في جوارحها حيال تلك المرأة البّارة ؛ فإذا عبس وجه “سعدى”، وصاح الغضب في نبرتها العالية، شُلّت إرادة أم نايف، وتلاشى ما لديها من طاقة على المقاومة.
في غرفة طينية عطِنة، وعلى فراش، تقادم عليه الزمن، كانت أم نايف، تتمدد متلوّية يعصف برأسها دوار حادّ، فتصيح بصوت مرتجف ضعيف: “يا سعدى”، دخيلك عطيني حبة الضغط “.
كان الضغط النفسي على المرأة المسنّة يتعاظم باستمرار؛ فمنذ توفي “بو نايف”، قبل سنوات، وهي تعيش بجوار أسرة ابنها، تحت سيطرة امرأة حديدية لا ترحم. امرأة بسطت سلطتها على الزوج والأم والأبناء؛ فلا صوت يعلو صوتها، ولا كلمة لها تردّ.
و”سعدى”، التي مارست هذه السلطة على افراد الأسرة جميعًا، لم يكن بوسعها ان تتفلّت من واجبها نحو حماتها؛ فقد كانت تقوم بتلبية حاجاتها الضرورية، لاعتقادها أنّ ألسِنة الناس لا ترحم؛ لكنها، إذ تؤدّي هذا الدور، فذلك على كره منها، وعلى تمنّ عميق أن يوافي الموت تلك المرأة الهرمة، فيذهب بها وبمتطلباتها الى غير رجعة.
لذلك، فعندما تناهى الى مسمعها في الغرفة المجاورة، نداء الاستغاثة من قبل حماتها، تجاهلته على رغبة ان تترك المرأة لمصيرها، فتريح وتستريح. وعندما دخلت غرفتها بعد قليل، وجدت المرأة جسدًا، مغمض العينين، لا تنطق ملامحه بأيّ حركة.
إذّاك، أطلقت تلك الصيحة المصطنعة (ويليي)، لتظهر بالغ تاثّرها بوفاة الفقيدة “الغالية”! لقد ظنّت أنّ العجوز قد فارقت، وأنّ همًّا ثقيلًا قد انطوى برحيلها.
لكنّ الفرحة بالفرج لم تطل، فما أن ارتفع صوتها بالنحيب، حتى صَحت العجوز من غيبوبتها، فانفتحت العينان المطبقتان، وسرت في عروقها موجة من هلع.
لم تطق “سعدى”، رؤية هذا المشهد، فأسرعت تطبق عينيّ الحماة من جديد، وتصيح بها آمرة: – طبّقيهن. شو بدّك تعيشي بعد؟! جمَدِي.. لا صوت ولا حركي!
وتستسلم أم نايف، لما تطلقه كنّتها من أمر ونهي، ويعود الجسد المضطرب المرتعد يلفّه الصمت والسكون.
… وتقاطر الناس، لتأدية واجب العزاء وللمشاركة في الدفن.
الرجال في منزل نايف: بعضٌ يتحدّث في موضوعات شتّى، وآخرون يصغون الى الآيات القرآنية بخشوع وانتباه.
أمّا النسوة، فيتوافدن الى غرفة المتوفّاة، وهنّ يردّدن عبارات الفقد والتلوّع والأسى.
أم سليمان، تسبقها دموعها. تصلّ وهي تردّد: “ضيعانك يا أم نايف! رح نفقد لك كتير. كنت اعتبرك مثل اختي، والله”.
و”بدرية المحمود”، تشقّ طريقها نحو جثمان الفقيدة وهي تقول:
“مع السلامة يا حبيبة قلبي، يا رفيقتي. سلّميلي على أمي”.
وتصل الجارة ام ملحم، تعزّي، وتجلس لا دموع ولا كلمات.
أم ديب، تهمس في أذن إحداهن: “استراحت. كان همّها كبير. الله يرحمها!”.
عطور الشيخ: (في أذن جارتها): “أَخْدت عمرها. شو الحياة بعد التمانين؟!”.
اما شفيقة الياسين، فكان التأثّر عليها واضحًا: وجه داكن، دموع غزيرة. تجلس بعد مزاحمة قرب الجثمان. تقبّل رأسه بحرارة، وهي تقول:
“ألله معك يا حبيبة قلبي. رح تتركي بقلبنا غصّة كبيري”..
… وتوالى دخول الوافدات، وتوالت عبارات التفجّع والأسى. وعندما اقترب موعد الدفن، شرعت بعض النسوة بوضع المرأة في كفنها، فكانت المفاجأة التي صعقت ألباب الحاضرين.
فتحت أم نايف، عينيها، وآثار الرعب بادية عليهما بوضوح، وصاحت بصوت أفلت من عقال العجز والوهن، وهي تقول:
“دخيلكن! وين آخدينّي؟! انا ما متّ بعد. تركوني دخيلكن”.
كان مشهدًا مريعًا، صعقت به القلوب وارتعدت الفرائص.
انفضّت الجموع، ومضى كلّ الى منزله، وفي داخله فيض من التساؤلات والاحاسيس المتنوعة.
أمّا أم نايف، التي لم تطق، رغم حالتها المأساوية مفارقة هذه الحياة الى القبر، فقد استعادت شيئًا من هدوئها بعد ذلك، وكان يتردد في اعماقها قولها:
“على الأأل (الأقل) صرت أعرف مين بيحبّني ومين بيكرهني.
هل باتت تعرف ذلك حقًا؟ قد يكون تصوّرها صحيحًا أو غير صحيح؛ لكنّ الصحيح الذي لا يدانيه شك، هو أنّها باتت على معرفة يقينية بحقيقة أخرى، تعلمت دروسها المريرة من تجارب الحياة.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى