مقالات

موعد جديد مع “الربيع العربي”

د. مخلص الصيادي/ سوريا

//المدارنت//… (الاتجاه نحو الديموقراطية، والخلاص من أنظمة الاستبداد، وتوكيد إرادة الشعب، وبناء نظام شفاف، تخضع كل جنباته للقانون، وتصوغ قوانينه إرادة الشعب الحرة).

بدقة وباختصار، هذا هو الربيع العربي، هذا ما تطلعت إليه جماهير الأمة حين انطلقت طلائعها في حراكها الثوري، مطلع العشرية الثانية من هذا القرن. هكذا أرادتها الجماهير في تونس، وليبيا، ومصر، وسوريا، وأقاليم عربية أخرى، قبل أن تعمل قوى عديدة على خطفها أو حرفها، أو مواجهتها بالعنف الأعمى، في محاولة لإجهاضها.

في ليبيا، قُتل الحراك الثوري بالتدخل الأطلسي، الذي أخذ مباركة قوى داخلية منحرفة، ونظام عربي تابع، وتشوّق غربي لسحق ارادة شعب يتطلع الى الانعتاق من الاستبداد، ما أسفر عن إغراق هذا البلد في وحل الاقتتال الداخلي، وفي تبعية قواة المسلحة لأهداف وغايات القوى الداعمة، ففقد الجميع بذلك القدرة على فعل شيء ايجابي، وتم تدمير الوطن، وقواه الحية بشكل منظم وممنهج.

وعلى نحو قريب مما تم في ليبيا وما يزال مستمراً، تم في اليمن، ووضع هذا البلد على الطريق نفسه وما يزال مستمراً، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من قطف ثمار ثورته، ومن رسم صورة زاهية لإرادة شعبية ثورية مستقله.

وفشلت القوى المختلفة في مصر في إنجاز ثورتها، وارتدت، بسبب قصر نظر قواها السياسية عن طريق التغيير الثوري الديموقراطي، ودخلت وأدخلت هذا البلد الرئيس والمركزي في وجود أمته، في أتون مرحلة من الصراع الداخلي الدامي، لا تعرف له نهاية. ولما كانت الديموقراطية هي أهم رايات الربيع العربي، فإن أخطر ما وقع في مصر، هو الانتكاسة عن الطريق الديموقراطي. فخسرت مصر بذلك وخسرت الأمة بذلك، وكان الرابح من ذلك كله أعداء الأمة وفي المقدمة منهم، الكيان الصهيوني.

وقدم تطور الحراك الثوري في سوريا، شكلا آخر من أشكال نهايات الربيع العربي، وذلك حين اختار النظام القائم أن يواجه تطلع الشعب السوري، لنظام ديموقراطي حقيقي وعادل، بالنار والحديد، وبأقصى وأقسى حالات المواجهة، وبأكثر أدواتها تدميرا.

لقد اختار النظام العنف الأعمى، والسياسة الطائفية والمذهبية، واستجلب كل ما يدعم هذه السياسة من المحيط العربي، والإسلامي، وفتح أرض الوطن للوجود العسكري الإيراني والروسي، واستخرج من سجونه واستنبت من علاقاته الاستخباراتية، ما يوفر ظروف ولادة تنظيمات قتالية طائفية سنّية، حتى يوازي بها تنظيماته الطائفية المذهبية والدينية، وبدت الممارسات الإرهابية سِمة لهذه التنظيمات، حتى تقدم التبرير العملي لإرهاب السلطة، وكانت من نتاج هذه السياسة المساعدة على اطلاق حرب إقليمية وكونية تحت مسمى مكافحة الارهاب، وتم تقسيم وتدمير البنية الوطنية للشعب السوري، والتدمير المادي للحياة في الدولة السورية.

وتم تسجيل أكثر من مليون قتيل ومفقود في هذا الصراع، وارتكبت فظائع من القتل والتعذيب والجرائم ضدّ الانسانية والتغييب القسري والاغتصاب، شكلت في مجموعها مادة ربطت وشدّت إليه كل البنى العسكرية والأمنية للنظام السوري، لأنها جميعها ساهمت في ارتكاب هذه الجرائم، فبات دفاعها عن النظام دفاعا عن وجودها، وبالتالي، فقد النظام أي قدرة على التحرّك في إطار حلّ سياسي للوضع، يمكن السعي إليه.

كل أجهزة النظام، كل مكونات النظام، كل شخصيات النظام، باتت ترى في أي حلّ سياسي ممكن نهاية لها، لذلك باتت ممتنعة عن المساهمة في البحث عن حلّ حقيقي، وبات دورها منع ولادة الحلّ، وتخريب أيّ فرصة تلوح لمثل هذا الاحتمال.

دمار في كل شيء، في المجتمع والحجر والبشر والثقافة. والتاريخ، والدين. ولم يكن ذلك كله نتاج عمل النظام لوحده، وإنما ساهمت في ذلك كل الدول المعادية لسوريا الحضارة والدور، والوجود. وهذه كثيرة، من دول الجوار، العربية وغير العربية، والدول العالمية، ويتقدم هؤلاء جميعاً العدو الصهيوني.

لكن هؤلاء جميعاً، ما كان لهم أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، لولا فعل النظام وسياساته. هكذا تم اغتيال الحراك الثوري السوري، وتم حرفه ثم خطفه. وكان هذا المآل نموذج قائم بذاته لم يشبهه أي نموذج آخر، في كل بلدان الربيع العربي.

هذا المآل المخيب لآمال الشعوب، فسح المجال لأبواق النظم المستبدة لمهاجمة الربيع العربي بأبشع الصفات ،ولاعتباره المسؤول عن المآسي التي حلّت بهذه الأقاليم، عقب انطلاق هذا الربيع، وبذلك انقلبت الصورة، فبدل أن تحمل النظم المستبدة والقوى الظلامية مسؤولية ما أصاب هذه الشعوب وأوطانها، صارت هذه الشعوب هي المذنبة، وصار تطلعها إلى التحرر من نظم الاستبداد هو الجريمة، وصار تطلعها إلى الديموقراطية هو المسبب للخراب والدمار والقتل.

وبدل أن يُلام القاتل والمجرم، وجّه المرتزقة من أصحاب القلم أسهم الادانة الى الضحية، واستطابت نظم الاستبداد والقهر التصوير للوضع، وشعرت بالاطمئنان للتفسير والتبرير الذي يعطي الشرعية لجرائمها، ويصنفها في إطار رد الفعل على أفعال مجرمة.

ولأسباب كثيرة ليس هنا، وليس الآن مجال لوضعها تحت المجهر، بدا الانجاز الذي تحقق في تونس – وهو انجاز كبير – دون مستواه الحقيقي.

الآن، نستقبل طلائع ربيع عربي جديد، أو لنقل موجة ثانية من الربيع العربي، وهي تحمل البشائر الكثيرة، على أنها ستنجو من محاولات الحرف والخطف، لتكمل طريقها إلى الهدف المنشود ،بإقامة أنظمة حكم ديموقراطية تستجيب لاحتياجات المواطن والوطن، وتضع كل أجهزة الدولة ومؤسساتها تحت السيطرة الشعبية التامة، ولتحقيق أهداف الحراك الشعبي ومبتغاه.

من السودان تأتي بوادر الخير، وتطل أولى طلائع الموجة الثانية من الربيع العربي. وننتظر أن تهدي الجزائر الى شعوب أمتها المتطلعة إلى الربيع المثمر الهدية الثانية، فيتحقق للجزائريين آمالهم في ربيع حقيقي، بدأوا تحركهم في اتجاهه منذ فبراير الماضي.

ما تحقق في السودان هو ملامح انتصار، وبوادر فرج، ومؤشرات تفرض الاحتفاء والاستبشار. فالاتفاقات السياسية والدستورية هي البداية، والمشوار ما يزال طويلا، وهو يحتاج إلى مثابرة، وتصميم، ومراقبة، وتراكم في البناء، وتنبه للكمائن والألغام المزوعة على الطريق.

ثلاثون عاماً من حكم مستبد، استنبت قوى ومصالح داخل الجيش وداخل المجتمع، وولد مشكلات في أقاليم السودان المختلفة، وما شهده الحراك الثوري السوداني، من استخدام للعنف من قبل تشكيلات عسكرية وتجمعات لميليشيات غير شرعية، وما سقط من شهداء، كل ذلك، كان أثراً من آثار نظام الاستبداد والفساد، الذي عشعش في البلد على مدار العقود الثلاثة، والباحث في تطور الحراك الثوري الشعبي في هذا البلد، يجب أن يقر بأن قوى الحراك أثبتت من الوعي والتماسك والصمود، ومن إدراك عميق لظروف السودان، وما يحيط به من مخاطر، ما وفر الرؤية السياسية والحركية، التي قادت حتى الآن هذا الحراك على طريق النصر.

وإذا كنا كمراقبين، ندرك أن العقبات ما تزال كبيرة، فإن القيادات التي تقود هذه المسيرة، تدرك وبلا أدنى شك طبيعة هذه العقبات، وما تتطلب مواجهتها من جهود، ووحدة وصبر وتماسك.

كان مهماً إلى أقصى الحدود، أن يصبح الجيش الذي عاش كل الفترة السابقة تحت رايات الاستبداد، مشاركاً في عملية التغيير. وصانعاً لها إلى جانب قوى الحراك الثوري، وحتى الآن تحقق ذلك، وسيكون من أهم مهمات قوى الحراك الثوري، ان تحافظ على هذا المكسب وأن تعززه، وتحصّنه حتى يصبح طريقاً لا رجعة فيه.

ولقد كانت موفقة إلى أقصى الحدود، جهود إبعاد تدخلات النظم العربية – وهي تدخلات مسمومة – عن هذا الحراك وعن تطوراته.

الجيش المنحاز إلى خيار الشعب، هو الجيش المنتمي إلى هذا الشعب والمعبر عن إرادته، هو جيش الشعب. هكذا تبدو بشائر الأمور في السودان، وأظن أن تطور الحراك الثوري في الجزائر، يسير في الاتجاه نفسه، وإن اختلفت بعض التفاصيل. وأن ما يتحقق في السودان، من شأنه أن يسرّع خطوات الانجاز في الجزائر. 

نحن نتطلع بتفاؤل إلى هذه الموجة الجديدة من الربيع العربي، ونتطلع بتفاؤل إلى أثرها على مجمل النظام العربي.وعلى نفسية وروحية المواطن العربي، الذي كاد اليأس أن يخرجه من جلده، ويدفعه إلى الكفر، حتى بثوابت هذه الأمة، والتشكيك بأسس وجودها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى