مقالات
مَوت الفقراء..”بين مَوت ومَوت”!

خاص “المدارنت”..
تناول الإعلام في الآونة الأخيرة، موضوعًا يثير الحزن والأسى، وأولاه أهميّة بالغة، مفردًا له مساحة إعلامية واسعة، شدّت اهتمام الناس، وحرّكت لديهم مشاعر كتيمة.
لقد رحل الى رحمة الله، إبن الفنّان السوريّ المعروف جورج وسّوف، نتيجة عمل جراحيّ، أودى بحياته.
في هذه المناسبة، إنشغل الوسطان الفنيّ والإعلاميّ وجمهور واسع من المجتمع، بما اعتبروه حدثًا وخطبًا جللًا، تتضاءل حياله الحوادث والفواجع الأخرى، فكان الموضوع البارز في أحاديث الناس ومجالسهم، وغدت دارة والد الفبيد محجًّا لأعداد كبيرة من الفنانين والإعلاميين والوجوه والإجتماعية، يؤمّونه لتأدية واجب العزاء، وابداء بالغ التأثّر والأسى.
لا شكّ في أنّ فقْد ذلك الشابّ، كان ذا وقع أليم على الأهل والمحبّين. ونحن إذ نبدي التعاطف مع ذوي الفقيد، يهمّنا التذكير بواقع مأساويّ، تملأه الفواجع والحسرات الكاوية، واقع يتساقط فيه الفقراء المعدمون، نتيجة الجوع والمرض، وانفلات الوضع الأمنيّ على الجرائم والإعتداءات القاتلة التي يذهب ضحيّنها أولئك المستضعفون المجهولون، الذين لا صوت لهم في هذا العالم، عالم المظاهر والشكليّات الذي يسوده ذوو الجاه والسلطان والنفوذ.
في هذا العالم، الأموات مقامات، وذووهم درجات، والنّاس – إلا أقلّهم – منزلّفون متملّقون متصنّعون، ينحنون لذوي البأس والجاه والسلطان، ويشيحون الطرف عن أولئك المستحقَرين من البؤساء المساكين الذي تنبذهم أعراف المجتمع وطبائع أفراده.
إنّ دمعة ذوي الرفعة والسموّ والوجاهة في وداع حبيب، يجتمع حولها الكثيرون، مظهرين بالغ التأثّر والأسى، أمّا فجيعة أو فواجع البؤساء والمساكين، فلا يحفل بها إلا الخلّص من أحبّائهم وذويهم الأقربين.
إنّ نظرة خاطفة الى واقع البائسين في هذا الوطن، تقدّم صورة واضحة عمّا يتعرّضون له من مآسٍ وفواجع، وحسرات مريرة على صعدٍ مختلفة؛ فكم من الفقراء المعوزين قضوا ويقضون في بيوتهم وعلى أبواب المستشفيات، لأنهم لا يملكون تكلفة الجراحة أو العلاج أو الدواء، وكم منهم من يهلكون بردا” وجوعا” لأنّهم لا يملكون ثمن التدفئة أو الغذاء ، وكم منهم من يموتون غرقا” في قوارب الموت ، وهم يفرّون من الجحيم الذي يحاصرهم وعائلاتهم بلا رحمة، وكم منهم من يسقط صريعًا، نتيجة السلاح المتفلّت بيد المجرمين القتلة! أليس لهؤلاء وأولئك أمهات وأبناء، يذرفون دموعهم الساخنة دمًا على فراقهم المرير؟!
إنّ هؤلاء وأولئك، يموتون كلّ يوم، وقلوب أحبّائهم الأقربين تتفطّر ألمًا ولوعة؛ ولكنّهم لم يحظوا بذلك الاهتمام الواسع الذي يحظى به عِلْية القوم من مكانة واعتبار؛ فدمعة أحد هؤلاء أعزّ على ذوي النفاق الاجتماعيّ من آلاف الدموع التي تهرق على وجنات الأمهات والآباء، لدى الأسر التي نزلت بها الخطوب الموجعة.
هذا هو دستور الحياة، لدى من خبا صوت ضمائرهم، وجفّت في سلوكهم وممارساتهم ينابيع الإنسانية الصافية.
هذه هي شريعة المجتمع في وطن تتحدّد قيمة إنسانه، بما يحوزه من أبّهة وجاه وسلطان. والمفارقة أنّ أكثر من يتصنّعون العواطف ويتزلّفون لذوي المراتب والمقامات، ولا يولون مآسي الفقراء والمساكين ما تستحقّ من اهتمام، هم أكثر المتقوّلين بالقيم الإنسانية وحقوق الإنسان؛ ولكنّ لسان المقال لا يعكس واقع الحال.
لا نريد التقليل من حجم الفاجعة التي حلّت بأسرة الفنان السوريّ المعروف؛ ولكننا نلفت إلى أنّ في هذا الوطن ضحايا أبرياء، وآهات صامتة، ودموع تنهمر غزيرة، فلا تلقى من يعيرها أذنًا ولا عينًا على مسرح النفاق الاجتماعيّ .
لا نريد التقليل من حجم الفاجعة التي حلّت بأسرة الفنان السوريّ المعروف؛ ولكننا نلفت إلى أنّ في هذا الوطن ضحايا أبرياء، وآهات صامتة، ودموع تنهمر غزيرة، فلا تلقى من يعيرها أذنًا ولا عينًا على مسرح النفاق الاجتماعيّ .




