مقالات

.. مِـــن مـذـكـــرات طـــائـــــر!

محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..
هل أصبح الانسان في لبنان، بعد مراحل تاريخية من حقنه بالأفيون السياسي، داخلياً وخارجياً، يعيش مرحلة (العبودية الطوعية)، حتى غدت الحرية.. حرية التفكير والاختيار الواعي والموضوعي، تبدو وكأنها شيء لا يمت إليه بصلة طبيعية؟!..
التاريخ سخيفٌ، لا خير فيه إن كان يُعيد نفسه، كما يقول (الأديب العربي الراحل) طه حسين، صاحب رواية “الأيام”، وكتاب “في الأدب الجاهلي”، الذي وضع تاريخ اللغة والثقافة العربية الإسلامية على مفترق طُرق في اللغة والمعنى، لأنّ ذلك يدلّ على أنه لم يستطع للناس وعظاً ولا إصلاحاً.
يقول (كارل) ماركس: “إنّ التاريخ يعيد نفسه مرّتين، مرّة على شكل مأساة، ومرّة على شكل مهزلة”. وما نراه الآن المهزلة.. منطق جورج فيلهلم فريدريش هيغل الجدلي، يقول: “التاريخ لا يعيد نفسه”، بل البشر يعيدون الأخطاء نفسها، لأنني على يقين من أن الانسان هو الكائن الوحيد الذي لا يتعلم من أخطائه.. يُعتبر هيغل أهم مؤسّسي المثالية الألمانية في الفلسفة في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. طور المنهج الجدلي الذي أثبت من خلاله “أن سير التاريخ والأفكار يتم بوجود الأطروحة ثم نقيضها ثم التوليف بينهما”. كان هيغل، آخر بناة «المشاريع الفلسفية الكبرى» في العصر الحديث. كما كان لفلسفته أثر عميق على معظم الفلسفات المعاصرة.. والأفكار المعاصرة.
من الغريب والمستغرب، إن الشعوب دائماً ما تخدع نفسها بنفسها وذلك عبر التسليم لأحد الطغاة الذي وفي لحظة زمنية رأت فيه المُخلّص والمُحرّر، ومن ثم سلمت له القيادة من دون مراقبة ومحاسبة تُذكر، لتكتشف بعد ذلك أنها صنعت منه طاغية وديكتاتورًا مستبدًا يصعب عليها التخلّص والتحرر منه.. لم يعد أمامها سوى الركوع والسجود والهتاف: “يحيا الديكتاتور” ويحكم مدى الحياة هو وأبنائه!.
يقول شكسبير: “كلّ من اكتفى، اختفى”. في لبنان من اكتفى لم يختفي، بل إزداد ظهورًا وفجورًا.. ويقول أيضًا: “كل شيء في السر جميل وعمره طويل”. نحن في لبنان نشاهد مسرحية “تاجر البندقية” القديمة – الجديدة – المستجدة من إعداد وسيناريو وإنتاج وإخراج السلطة اللبنانية.. بدءًا من التاجر إلى الفاجر الى المُرابي إلى الإدعاء وصولاً إلى القضاء والسلطات العليا الحاكمة بأمرها.. وأمر أبنائها من بعدها بعد عمر طويل كما يقول الحاوي – حاوي القانون، وتعديل الدستور والتوت.. حاوي الصرخة التاريخية “دستور يا أسياد.. دستور من خاطركم!
“هنا بين العظام موسيقا وسط العظام: تعبر الرمل. تعبر البحر. وسط العظام، صوت ناي، دقّات طبل بعيد، ورنين الأجراس الخافت يعبر الحقول الجافّة يعبر بحر الدلافين. أيتها الجبال العالية، ألا تسمعيننا؟ النجدة، النجدة أيتها الجبال العالية، سوف نتحلّلُ، موتى وسط موتى”. هنا، في بلاد الجبال والبحار العالية.. هنا في بلاد الموتى هنا في لبنان.. الحزن سببه الذكاء الزائد، كلما زاد فهمك لأشياء معينة كلما تمنيت لو لم تفهمها. نعم، كلما زاد فهمك لما يجري في لبنان تمنيت لو لم تفهمها وتفهم ما يجري تحت قدميك من رمال ومياه مالحة وهواء حامض.. ولكن، هل نسيت شعر أحمد شوقي: وما نيل المطالب بالتمنّي ولكن تُؤخذ الدنيا غِلابا وما اِستعصى على قَومٍ منالٌ إِذا الإِقدامُ كان لهم (رِكابا).. ليس هنا يا أمير الشعراء.. غلطان بالعنوان، حيث لا إقدام هنا ولا رِكاب.. مجرد ركام على ركام.. وموتى على موتى.. وجنازة على جنازة.. وعزاء تلو العزاء!
بعد فوز الارجنتين، بكأس “المونديال” في قطر، أصدر البنك المركزي في “بوينس آيرس” ورقة نقدية جديدة تحمل صورة ليونيل ميسي.. في حين نحن في لبنان – المركزي في صدد إصدار عملة وطنية جديدة تحمل معجزة الخرائط الهندسية المالية المعجزة والعجز المالي.. بإلإضافة إلى صور العشيقات على العملة الوطنية في تلاحم وملحمة ولُحمة أو لَحمة وطنية، مفرومة بالمواطنين والبصل على الناعم والخشن، حسب الطلب والطلبية!؟
لم نكن ندري ان دراسة العصور الحجرية في مادة التاريخ لم تكن سوى حاضر لبنان، الذي نختبره ونعيشه في هذه الأيام الحجرية.. لم نكن ندري ان حاضر ومستقبل لبنان، ليس سوى العصر الحجري “المعاصر”.. و(بجعة “لبنان” السوداء) الأكثر سواداً تاريخياً.. منذ العصر الحجري الأول إلى العصر العوني الأول، وشركائه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إلى أقصى الوسط.. كي تسقط البلاد والعباد في أحضان اليمين واليسار والوسط على موسيقى وأنغام “الديموقراطية التوافقية”، والمحاصصة “الشرعية” في أديان النظام السياسي والانتظام الطائفي والمذهبي، وأمراء وأسياد الأحزاب المُدّعية صفة.. أحزاب من غير ذي صفة حقيقية تذكر.. أو على غير ذي صفة.. حيث إن مفهوم “الصفة” في معظم اتجاهات القوانين تعتبر أن “المصلحة” وحدها ليست شرط قبول.. حيث إن الجانب “الطبيعي” منها يضيف شرطي “الصفة” و”الأهلية“، في حين تندمج في أحزابنا الطائفية المصلحة والصفة والأهلية والأيديولوجية والعقائدية في خدمة المحاصصة الطائفية على نشيد “كلنا للوطن”.. أو في حقيقةً الأمر “كلنا على الوطن”.. (يا نشيدُ! خُذِ العناصر كُلَّها واصعدْ بنا سفحاً فسفحاً واهبطِ الوديان – هيّا يا نشيدُ فأَنت أَدرى بالمكانِ وأَنت أَدرى بالزمانِ وقُوَّةِ الأَشياء فينا)…!
في حين، غاب عن أمراء وأسياد اليسار واليمين اللبناني والوسط أن تعريف “الديموكراتيا”.. أو إنّ تعريف الديموقراطية، بأنّها “حكم الشعب”، يقتضي أن يكون مفهوم الشعب نفسه محدّداً وواضحاً في هذا التعريف، لكن الأمر ليس بهذه البساطة وهذا الوضوح، لأنّ الفهم غير الصحيح لمصطلح “الشعب”، يقودنا حتماً إلى نتائج مغلوطة في فهم الديموقراطية نفسها..
ليس من الحكمة كما يقول رينيه ديكارت، أن نُفرز الأصوات كي نتبع الرأي الذي تبناه أكبر عدد من الناس، إذ يكون من الحكمة أن نعتقد أن الحقيقة لم تكتشفها الأغلبية، بل فئة صغيرة من الأفراد!؟ لم يبقَ من لبنان الرسالة، سوى كرسي، أكل عليها النظام الفاسد وشربَ، لم يبق سوى أرزة يتيمة تبكى على الأطلال.. لم يبق في بلد الرسالة سوى كرسي باعه القريب قبل البعيد، وشرب نخب الأرزة والجلاد.. وطن لم يبق به إلا الصدى أو أرزة تبكى على الأحباب..
يا غريبا يطرق الأبواب.. والهوى أبواب!… ذهبَ الذين تحبهم ذهبوا كما يقول “لاعب النرد”.. وكأن شيئاً لم يكن، وها أنا وحدي ملئ هذا الكون لديَّ ما يَكفي من الذكريات لأشْرب قهوتي وحدي، في مقهى يظنهُ الجميع فَارِغ، لكنَّهُ يعج بالغائبين. وعلي وحدي أَن أرى، وحدي، مصائرنا. ووحدي أحملُ الدنيا على كتفي ثوراً هائجاً. وحدي أفتشُ شارد الخطوات عن أبديتي..!
أنها المرة الأولى في حياتي، أكتب وأهتم واقرأ وأشاهد برامج واحتفالات الانتصارات الكروية.. الكورة “الثورية” في الاستهلاك الشعبي التي خرجت من تحت أقدام فقراء العالم الثالث.. نعم، العالم الثالث في تصنيف الليبرالية الرأسمالية تاريخيًا.. العالم الثالث الذي يتمتع بالثروات الطبيعية الأهم عالميًا، ورئة جغرافيا أوكسجين العالم ومياهه وطاقته، وقوة العمل والعمالة المنتجة لكل أنواع وأدوات ووسائل الإنتاج القديم والجديد والحديث وما بعد الحديث، أساس رأس المال المالي وقيمته الزائدة إلى حدود التغول والوحشية.. في حين تنام تلك الشعوب بعد أستغلال قوتها وبيعها في مزاد الزمان والمكان الصناعي والانتاجي وتركها راكعة وجائعة ومريضة وعارية.. لم يبقى أمام تلك الشعوب سوى لعب الكورة، اللعبة الشعبية الأولى.. وتسديد الركلات تلو الركلات، وتسجيل الأهداف تلو الأهداف في ملاعب الأنظمة الطبقية والإمبرياليات العالمية، وتمزيق أعلى مراحل شباكها الاستعمارية والاستغلالية والاحتكارية الواحدة تلو الأخرى دون أستثناء.
يقول التاريخ ويدّعي: آنه لا، ولم ولن يعود القهقرى إلى الوراء أو يعود إلى الورى.. أو يعود إلى نفسه.. في لبنان يعود التاريخ وتعود الجغرافيا إلى الوراء والورى رغمًا عن أنف التاريخ اللبناني وأنف الجغرافية السياسية الملعونة والجغرافية اللبنانية الغبية.. ها نحن يا “سايكس” على إيقاع طبول المأساة والمهزلة نعود إلى الوراء والورى.. ها نحن يا “بيكو” في مرحلة المأساة هذه والمهزلة.. يعود بنا التاريخ إلى الوراء والورى ساجدًا راكعًا على ركبتيه رغم أنفه وأنف التأريخ صاغرًا مرغمًا..
ها نحن عالقون في بركة من الوحل والوحول.. ها نحن عالقون رأسًا على عقب في مكب قمامة من كل النكهات والأشكال والألوان والروائح.. ونرفض كل شيء.. ونرفض اي شيء..في حين لا نمتلك اي شيء.. اي شيءٍ يُذكر من التاريخ الراكع رغم أنفه إلى الجغرافيا الساجدة رغم أنفها..!؟؟ فكر في أنهار الدم التي أراقها كل هؤلاء الجنرالات والأباطرة لكي يصبحوا، في لحظة مجد وأنتصار أسيادًا على هذه الأرض التي لا تساوي نقطة دمٍ واحدة من جناح فراشة عالقة بين حرفين على ذرة غبار في هذا الفراغ الكوني اللانهائي.. في هذا العدم اللانهائي الممتد من أقصى القلب إلى أقصاه.. دون العثور على تعريف “أبدية” أعنف الشعراء آرثر رامبو.. دون مشاهدة البحرُ، ممعنًا مع الشمس.. في هذا الظلام المطبق على “مضغة” القلب.. في هذا الظلام المطلق..!
يتكشف إنسان الشاعر شارل بودلير كتوتر ناتج عن بذل طاقتين متعارضتين. وكل طاقة من هاتين الطاقتين تنشد في الحقيقة دمار كل ما هو إنساني، ما دامت إحداهما تتطلع إلى الملاك والأخرى إلى الشيطان. فما من أحد فهم مثله ان الأنسان هو “كائن الأبعاد” الذي يتحدد لغايته ونهاية مشاريعه أكثر بكثير مما يمكن إن نعرفه عنه إذا ما قصرناه على اللحظة التي تنصرم. إن في كل إنسان لحظة إلحاحين متواقتين، إحداهما نحو الله، والأخرى نحو الشيطان… (لم يبقَ شَيءٌ لم يُطبِق على مُضغَةِ قلبي، كم هي مُخيفَةٌ هذهِ القاذورات، تتفتَّحُ في رُوحي نُبوءاتٌ غريبة، يَتفسَّخُ بنفسجٌ كثير، يَقِظٌ لَحمي على طاولةِ التشريحِ مَدهوشٌ من كَثرةِ المَباضِعِ والمَخالبِ.. والوجوهِ الغريبة، أيَّةُ غُرفةِ عَمَلِيَّاتٍ لا إنسانيَّةٍ هذه)!؟… وكأنني قد متُ قبل الآن!
وبرغم الجراحات ونزفها فلا نستطيع العيش من دون حلم يجسده شاعر مثل محمود درويش:
“سأحلمُ لا لأصلح مركبات الريح، أو عطباً أصاب الروح
فالأسطورةُ اتخذت مكانتها المكيدة, في سياق الواقعيّ
وليس في وسع القصيدةِ أن تُغير ماضياً يمضي و لا يمضي و لا أن توقف الزلزال
لكني سأحلُم, ربما اتسعت بلادٌ لي كما أنا واحدً من أهل هذا البحر.
كفَ عن السُؤال الصعب, من أنا؟ ههنا؟ أأنا أبنُ أمي؟
لا تساورُني الشكوك ولا يُحاصرُني الرعاة ولا الملوك و حاضري كغدي معي,
و معي مُفكرَتي الصغيرة: كُلما حَك السحابةَ طائرٌ دَوَنْت: فَك الحلمُ أجنحتي.
أنا أيضاً أطير.. فَكُلّ حيٍ طائر ..”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى