نحن وأنتم.. خطاب ما قبل الإنهيار!

خاص “المدارنت”
حين يقول السوري أو اللبناني لشريكه في الوطن: “نحن وأنتم”، فذلك ليس مجرد تفصيل لغوي، بل علامة على انهيار داخلي في مفهوم الدولة والانتماء والمواطنة. استخدام هذا الضمير الجماعي لا يُقصَد به التوصيف فحسب، بل يحمل إعلاناً غير مباشر بأن الآخر خارج الجماعة الوطنية، حتى لو شاركك الجغرافيا والحقوق والواجبات.
إنه تعبير مكثف عن قطيعة نفسية وسياسية، لا بين أفراد، بل بين مكونات باتت ترى نفسها طوائف لا شعباً، وهويات متناحرة لا شركاء في مصير.
في سوريا كما في لبنان، تتجاوز “نحن” و”أنتم” كونها أدوات خطاب، لتصبح إعلاناً باطنياً عن كفر بالوطن الواحد ورفض لفكرة العيش المشترك. وحين تُقال، فغالباً لا تأتي لتوصيف واقع، بل لتكريسه، أو لتبرير الخوف، أو للتموضع على أساس طائفي أو مذهبي أو سياسي مغلف بلغة “الخصوصية”. وهو تموضع لا يُصرّح به دائماً، لكنه يظهر عند لحظة الخوف أو الانقسام، حيث تُستدعى الهويات الجزئية كدروع دفاعية.
يعيش لبنان وسوريا توازناً دقيقاً بين ما هو مشترك وما هو منقسم. فمن جهة، يجمعهما تاريخ طويل من التفاعل الديمغرافي والاجتماعي والثقافي، ومصير إقليمي مترابط. ومن جهة أخرى، يتشابهان في البنية الطائفية المركّبة التي جعلت من فكرة “المواطنة الجامعة” طموحاً مؤجلاً أكثر منه واقعاً.
في لبنان، تتجذر “نحن” و”أنتم” في بنية النظام نفسه: رئيس هنا، طائفة هناك، حصة و”حق مكتسب” هنالك؛ كأن الدولة لا تُبنى على الكفاءة، بل على التوازن العددي والطائفي.
وفي سوريا، ورغم ادّعاء الوحدة، تحوّلت السلطة تدريجياً إلى ممثل فعلي لطائفة محددة، تحكم باسمها وتحتكر القرار تحت ذرائع الأمن أو الاستقرار، حتى وإن رفعت شعارات البعث والوطنية كواجهة خطابية لا أكثر.
وبين البلدين، ظلّ منطق الطائفية خيطاً ناظماً لا يُقال علناً، لكنه يُحرّك كل شيء في الخفاء، من السياسات الكبرى إلى توزيع الموارد والفرص.
ما الذي تعنيه عبارة “نحن العلويّين” أو “نحن السنّة” أو “نحن الموارنة” أو “نحن الشيعة” أو “نحن الدروز” أو حتى “نحن العلمانيين”؟ غالباً لا تأتي هذه العبارات لتعبّر عن هوية ثقافية، بل لتبرر تموضعاً سياسياً أو اصطفافاً أمنياً أو إحساساً وجودياً بالتهديد. تصبح “نحن” هنا إعلاناً ضمنياً: نحن في خطر… ونحن مختلفون… ونحن لسنا أنتم.
وما الذي تعنيه عبارة “أنتم” في المقابل؟ تعني العزل، الاتهام، وربما التحريض. تعني أن الآخر لم يعد يُرى كشريك، بل كمشكلة، كمهدد للذات، وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب النسيج الوطني.
اللافت أن هذا الانقسام لا يصدر فقط عن رجال الدين، بل بات يتسلل إلى نخب علمانية وثقافية تدّعي مناهضة الطائفية، لكنها تتصرف، حين تحين اللحظة، على أساسها: خوفاً أو تكبراً أو ارتياباً. وهنا مكمن الخطر الحقيقي: حين تُمارس الطائفية بلغة مدنية، وتُغلّف برداء العقلانية.

في سوريا، تحوّلت “الخصوصية الطائفية” إلى جدار حماية للسلطة، وأداة لضرب المعارضة من الداخل، عبر زرع الشك والفرز والتخوين. وفي لبنان، أُنتج نظام طائفي صريح يُدير الدولة بمنطق المحاصصة لا الكفاءة، ويمنح كل جماعة حق الفيتو على الأخرى، فصار الانهيار نتيجة طبيعية لشلل مستدام.
كلا النموذجين، رغم اختلاف الشكل، يتغذيان على منطق “نحن” و”أنتم”، ويكرّسانه ثقافياً أولاً، ثم قانونياً، وصولاً إلى ترسيخه في البنية السياسية. وفي كل أزمة، من الحرب الأهلية اللبنانية إلى الثورة السورية، يُعاد إنتاج نفس الخطاب الطائفي والانقسامي، وكأننا لا نستخلص العبر، بل نكرر المآسي ذاتها بمفردات مكررة، فتتحول التجارب الوطنية إلى كوابيس لا تاريخاً يُبنى عليه.
لا يُطلب من أحد إلغاء خصوصيته، لكن يُطلب من الجميع ألا تُستخدم تلك الخصوصية كسلاح. المطلوب هو إعادة الاعتبار لـ”نحن” الوطنية الجامعة، التي لا تذيب الاختلافات، بل تتجاوزها نحو عقد اجتماعي جديد.
هنا يبدأ التحدي الحقيقي: كيف ننتقل من واقع يحكمه الشك والخوف والانقسام إلى أفق تُبنى فيه الثقة والمشاركة والتكافؤ؟ كيف نبني وطناً لا يشعر فيه الطائفي بالأمان لأنه محمي بانتمائه، ولا يشعر فيه العلماني بالغربة لأنه يرفض الانغلاق؟ وطناً لا يُعامل فيه الثائر كمتهم سلفاً، ولا يُذبح فيه المعتدل لأنه لا يساير هذا الطرف أو ذاك؟ الوطن لا يُقاس بميزان الغلبة، بل بقدرة أبنائه المختلفين على العيش فيه متساوين آمنين أحراراً.
كل من يسهم في إعادة إنتاج خطاب “نحن” و”أنتم” يسهم — ولو بنية حسنة — في تقويض أي فرصة لبناء الدولة. لا يهم إن كان ذلك من موقع الأكثرية أو الأقلية، من موقع السلطة أو المعارضة؛ ما يهم هو النتيجة: انقسام عمودي لا يرحم، وغد لا يحمل سوى مزيد من الانكفاء والتفكك.
في النهاية، “نحن” ليست مجرد ضمير. إنها عقد أخلاقي. وحين يُخترق هذا العقد، لا تعود المشكلة في اللغة.. بل في الوعي والنية والمصير.



