مقالات

نريدها فطنة.. ويريدونها فتنة

الشيخ د. حسّان محيي الدين*/ لبنان

خاص “المدارنت”..
تمر الأيام مسرعة، حاصدة أحداثٍ مؤلمة وموجعة في صفحات (ثورة ١٧ تشرين) المستمرة، والناشطة بإصرار الشعب اللبناني العنيد، والصامد والصامت عن تجاوزات السلطة وممارساتها في ردات الفعل عبر الأجهزة الأمنية في التنكيل بالثوار، وغض الطرف عن ممارسات مثيري الشغب والدمار.

والناظر الى الأحداث التي تتوالى بفعل السكوت هنا والبطش هناك، يكاد يكفر بالدولة الديموقراطية والعادلة كما تسمي نفسها، التي لا تستطيع إسكات الثورة، ولا تستطيع تشكيل الحكومة، التي أضحت بالنسبة للّبنانيين جميعاً، حلماً يراودهم كل ليلة، وربما خيال قد لا يتحقق، والمطلوب تنازل قليل من السلطة المرتفعة أصلاً عن الشعب، والتي لا تزال تستعمله كمطية لتحقيق مكاسبها الشخصية والمادية.

ومن التاريخ، اذكر مقولة للمفكر والاديب المصري الشيخ خالد محمد خالد رحمه الله في كتابه ((خلفاء الرسول)) متحدثاً عن خلافة الأمير العادل ((عمر بن عبدالعزيز)) رحمه الله (…. ثم استلم الخلافة عمر بن عبد العزيز، فقعد للناس على الأرض…).

ولست أُمثّل بهذه المقولة لتُتَرجم عندنا في أوطاننا وبلداننا العربية، لأن الحاكم عندنا، أحاط نفسه بهالة مقدسة، وأحدث طوقاً أمنياً من حوله، فلا يصل إليه إلّا (طويل العمر) ويخاطب الشعب على أنهم أبناؤه وإخوته، طالباً منهم التمجيد والتخليد والتقديس والسجود له.

فهلّا. تنازلت السلطة قليلاً للشعب اللبناني الثائر من غير رفع الجدار العازل، وتطويق قصور الرئاسة بحلقات هائلة من العسكر، وكأن الشعب (قوم يأجوج ومأجوج)، فلِمَ هذا الخوف؟ ولِمَ هذا التسويق الإعلامي، وتعجيز الشعب بانتداب أشخاص تمثل الحراك من أجل التفاوض؟

ولِمَ هذا التجاهل التام لكل مطالب الناس المحقة؟ لو أن السلطة فتحت أبواب قصور الشعب كما تدّعي للثائرين من أول يوم في الثور،ة وحضنتهم، وتقبّلت شكواهم وأنصتت لشجونهم، واستمعت لمطالبهم، لكان الوطن بخير، ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، أما إصرارها على تجاهل مطالب الناس، وقمعهم بشتى الوسائل من دون التفكير بالمستقبل وما يؤول إليه، فإن ذلك قمة الجهل والطيش، ما يؤدي حتماً إلى فتنة عظيمة، قد لا تسلم منها السلطة نفسها.

لا أحد يرغب في تجديد الحرب وويلاتها، ولم يعد للشعب اللبناني بمعظم أطيافه وطوائفه، أدنى إستعداد للتضحية بالوطن وما فيه، من أجل نزوات السلطة الفاسدة، ما نحتاجه فطنة من أهل السلطة، وصحوة حقيقية حتى لو كانت متأخرة، فأن تأتي متأخراً خيرٌ من ألّا تأتي أبدا.

إن الشعب اللبناني الثائر، بحاجة حقيقية الى حضن الدولة الموجودة لا المُغتصبة، وبحاجة إلى رعاية حقيقية تنقذه من المستقبل المجهول، الذي لا يعلم ما في طياته إلّا الله عزّ وجلّ.

فبالأمس، يُنشر مقطع مصور لشابٍ جاهلٍ مقيت، في وقت مشبوه ولغاية مشبوهة يظهر فيه، وهو يشتم ويسبّ دوحة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأهل بيته الأطهار، جهلاً وظلماً بحجة الطائفية والرد على الطرف الآخر، وكأن مقامهم المقدس عند جميع المسلمين أضحى استغلالاً للتقسيم المذهبي، وصورة للشتم واللعن، وكأن مقامهم حكرٌ على مذهب من دون الآخر، والأنكى، ظلامية الطرف الآخر وجهالته في ردّ الشتائم، واللعن وسبّ الله ورسوله وخلفائه وزوجاته الطاهرات المطهرات، ولولا لطف الله وعنايته، لاشتدت الفتنة واشتعلت، بعد أن رافق التدمير سلسلة حرق خيم الإعتصام في النبطية ورياض الصلح وطرابلس والفاكهة، كل ذلك، تحت انظار السلطة ورقابتها وأجهزة أمنها وعسكرها، نحن اللبنانيون، المواطنون، الواعون، لا نريدها فتنة، لا إسلامية ـ مسيحية، ولا سنية ـ شيعية، ولنتذكر قول الشاعر: ((الدين للديّان جلّ جلاله لو شاء ربك وحّد الأقوامَ))، بل نريدها فطنة سريعة تحاكي الواقع الأليم الملم بأوجاع الوطن.

فلنعُد جميعاً إلى الصواب وتحكيم العقل، ووأد الفتنة في مهدها، لِنمدّ أيدينا لبعضنا البعض، ولنُصغِ جيداً الى كلامنا ونفكر فيه، ولنجعل الأولوية للوطن وأمنه، لأولادنا الذين لا ذنب لهم، ليشهدوا حرباً جديدةً لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

لا تزال فسحة الأمل أمامنا، ولا يزال الحوار مجدياً، أما إذا أذعنت السلطة في التمادي، في الغيّ والظلم والقمع والبطش والتجاهل والإستخفاف بالثقل الشعبي، الذي يزداد بوطأته يوماً بعد يوم على جسد السلطة المترهل، فإن المصير المحتوم للجميع، مآله نارٌ تحرق الأخضر واليابس، لا تبقي ولا تذر، نزّاعةً للبشر، الكلّ سيكون خاسراً، والكلّ سيشارك في ضرب المسمار الأخير في نعش الوطن، ويبقى فقط تعيين مراسم الدفن.

اللهم سلّم لبنان واللبنانيين من كل شرّ يقترب، اللهم احفظ الثورة والثوار من كل أمرٍ يُدَبّر ويُنتدَب. اللهم آمين.

* أكاديمي وداعية إسلامي.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى