مقالات

نقش على جدار الثورة السودانية*

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”..

مضى عام على إزاحة الطاغية عمر البشير، عن سدة الحكم في السودان، وتولت القيادة حكومة شراكة بين اللجنة الأمنية لنظام الإنقاذ المزال، وبين تجمّع قوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية للثورة، ووقتها توجسّت من ذاك الإتفاق المشين، ووصفته في مقال – نشر على صفحات موقع “المدارنت” – بزواج نافخ الكير بحامل المسك.

مضت السنة وحكومة السيد حمدوك تائهة ومترددة في إتخاذ القرارات والمواقف الحاسمة والمصيرية وحركتها متباطئة وشبه كسيحة وفاقدة للبوصلة التى توجهها وتقودها إلى تحقيق  تطلعات ومرامى الثورة.

والمدرك لطبيعة الأرضية التي تقف عليها هذه الشراكة لن يجد كبير جهد في أن يتحسس معالم الخطأ والهنات والثغرات وأن يصل إلى مواطن العقبات والمعوقات، التي خلقت ووضعت لتفريغ الثورة من محتواها النضالي، وإبعادها كليا عن أهدافها المعلنة، تمهيدا لسرقتها في نهاية المطاف.

ولن ننكر حقيقة إنها فترة وجيزة، قد لا تسمح بإعطاء مجسم صادق للنهايات والمآلات المتوقعة، ولكنها أعطت  – بما لا يدع مجالا للشك – مؤشرات لا تخطئها العين، وقدرا عظيما لفرضية تكالب المخاطر الآنية والمستقبلية، الداخلية منها والخارجية، إذا تركت الأمور على حالها دون مراقبة وتتبع وتصدى لواقع  يصعب معالجته، لما قد يحمله من تبعات كارثية.

ترك النظام البائد تركة مثقلة بجملة من المشكلات على كل الأصعدة وخلف اوضاعا غاية في التعقيد و التعامل معها يتطلب تجانسا وتوافقا سياسيين وإعمال خطط مدروسة ومتفق عليها من كل الفعاليات السياسية والمدنية، وهو الأمر المفقود حاليا، ولم تجر أي محاولة جادة للبحث عنها ومن ثم  إخراجها كرؤية متكاملة تشكل خارطة طريق تقود إلى بر الأمان .

والقارئ لترتيبات ومواثيق إنتقال السلطة من نظام شمولي ، قهري،  مستبد وآحادي التوجه إلى نظام ديمقراطي مدني،  تعددي، تسبقه حكومة إنتقالية، يجدها كانت في معظمها خاطئة وضبابية. وأكدت بأن من قاموا بإعدادها والإتفاق عليها لم يكونوا على قدر المسؤولية  – على أحسن وصف – حيث تجاهلوا المطلب الجماهيري المتمثل فى تشكيل حكومة مدنية كاملة الدسم، وتجاهلوا أيضا قررات الإتحاد الأفريقي والإتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي في هذا الصدد، والرافضة لأي حكومة عسكرية تنتج عن التغيير في السودان.

ودخلوا في تسوية مشبوهة قادت إلى شراكة مع أعداء الثورة فى المجلس العسكري الإنتقالي، وهكذا ألقوا بحصان طروادة بداخلها.

وهكذا تعطلت عجلة التغيير الحقيقي ولم ينجز حتى القدر اليسير من مطالب الثورة، وفي ظل تفاقم الأزمة السياسية والإقتصادية والتسيب الأمني وفى محاولة لمعالجة الخلل والجمود المسيطرين على المشهد، إجتمع مجلس السيادة ومجلس الوزراء وقوى الحرية والتغيير وتوصلوا إلى (مصفوفة) دعت إلى تشكيل لجان من الأطراف الثلاثة لتحديد إختصاصات كل من مجلس السيادة ومجلس الوزراء، ووضع خطة لمعالجة الوضع الإقتصادي المتأزم ولهيكلة القوات النظامية، ووضع نهجًا  للسياسة الخارجية ولعملية السلام ولغيرها من القضايا الملحة والواجبة الإنجاز ووضع مواقيتآ محددة ومعلومة للتنفيذ، وهو تطور إيجابي على الطريق الصحيح.

ويبقى السؤال – الذى له ما يبرره – هل هؤلاء جميعا على قلب رجل واحد؟ وهل يوجد صدق فى القول يتبعه صدق فى العمل؟ أم هي مناورة لكسب الوقت وإحداث ما لا يحمد عقباه؟

الأيام القليلة القادمة كفيلة بأن تجيب على هذه التساؤلات.

وسنقف عند بوابة حسن الظن إلى حين،  وإن غدا لناظره قريب.

ولا يمكن ونحن نتحدث عن مهددات الثورة وأن نغفل التساهل البائن في التعامل مع كوادر النظام السابق والسماح لهم بحق التظاهر وإقامة المؤتمرات الصحفية والندوات واللقاءات وهم أعضاء حزب محلول قانونيا !

ولا بد من الإشارة إلى أن كتائب الظل وبكل مسمياتها المتعددة هي موجودة بكامل عدتها وعتادها وتسير بين الناس في (فى حرية وسلام وعدالة) بلا رقيب أو حسيب أو متابع.

ومن نافلة القول أن نعيد ما ظللنا نكرره بأن نظام الإنقاذ ذهب رأسه فقط ولكن جسمه لا يزال متمكن ومتحكم في مفاصل الدولة الإقتصادية والإعلامية والعسكرية والأمنية والشرطية والعدلية والمدنية ويرقد في وسادة مخملية فى برد وأمان في ظل رعاية (كريمة).

 وهذا يفسر لنا أسباب تراجع العملة السودانية وإرتفاع الأسعار ونسبة التضخم والتسيب الامني  وتعطيل مسار الثورة نحو التغيير الإيجابي .

عندما يعجز المرء فى الحصول على أبسط مقومات الحياة البديهية من أمن وتعليم وصحة  وتجف موارده الإقتصادية ويقف الساعات الطوال في الصفوف للحصول على الخبز أو لقليل  من الوقود ويقف على قارعة الطريق يطارد السيارات للوصول لمكان عمله أو لمنزله ليجد أبنائه يتضوعون جوعا وعندما تقل حيلته ويخيب أمله ويتملكه اليأس، لن يجد أمامه سوى الخروج إلى الشارع للتعبير عن مشاعر الغضب والإحتجاج والثورة على الواقع المزري القابض بخناقه وحينها يتوفر الحافز والمبرر لتكتمل أخر حلقات الإنقضاض على الثورة .

 وستكون لحظة إستحقاق إنتقال رئاسة المجلس السيادي من رئيس عسكري الى رئيس مدني هى الفاصلة بين واقع ثوري بنشد الديمقراطية وواقع مغاير جديد – قديم يدور وينتج نسخة أخرى لنظام الإنقاذ مدثرة بثوب جديد، تكون حاضنتها السياسية الأحزاب الإسلاموية.

لقد قال لى أحدهم  (نحن لن نسقط الحكومة ولكن سنجعل الشعب – الذي أتى بها – أن يخرج ويسقطها بنفسه).

وهذا السيناريو  – والذى كان مستبعدا – أضحى كلما مرّ الزمن يتقارب إلى الناظر والمتمعن للمشهد السوداني في ظل غياب تضامن جبهة القوى الثورية الفاعلة على الأرض وضعف تأثير تجمع قوي الحرية والتغيير على الشارع، كما كان الحال في عهد الحراك الشعبي. إضافة إلى تأرجح مواقف مجموعة الهبوط الناعم والتى هى جزء من قوى الحرية.

ويدعم ويغذي هذا الإحساس تهافت وهرولة أمراء الحرب والحركات المسلحة نحو المحاصصة والمنافع الشخصية والجهوية والقبلية، في إبتزاز مهين كما هو حادث فى جوبا فى هذه الأيام.

لا بد من إتخاذ تدابير وقرارات تكون ترياقا لمواجهة هذا الخطر الداهم وبالحزم والمسؤولية اللازمتين، إستنادا على الشرعية الدستورية والثورية وتحكيم القوانين عدلا، لا إنتقاما .

فى المقام الاول ينبغي إعتقال كوادر حزب المؤتمر الوطني الوطني – والمحلول قانونيا –

وقادة ورؤساء المليشيات العسكرية والأمنية والتى تعمل خارج الأطر القانونية والرسمية والعثور على أسلحتها المخبئة وتمليكها للقوات المسلحة. وتطهير مفاصل الدولة الإقتصادية والإعلامية والعسكرية والأمنية والشرطية والعدلية والمدنية من عناصر النظام البائد.

ومحاكمة كل من شارك وساهم في الإعداد والتنفيذ لإنقلابهم المشؤوم في عام 1989.

وثم إعتقال ومحاسبة ومحاكمة كل من شارك في مؤسسة رئاسة الجمهورية والمجالس الوزارية  والتشريعية والولائية في المركز والولايات ذات العام، وإعمال قانون العزل السياسي عليهم.

وتفعيل قانون محاربة الفساد والثراء الحرام ومن (أين لك هذا) لإسترداد الأموال والأصول المنهوبة والتى تقدر بعشرات المليارات من الدولارات وهى كافية لسد العجز الحالي ومعالجة الحالة الإقتصادية آنيا. وإعادة الدور والمؤسسات والشركات والعقارات التى إستولت عليها العصابة أو بنيت بالمال الحرام المسروق والمنهوب، وضمها إلى حظيرة الدولة.

وينبغي سن قانون جديد يؤسس لصحافة ديمقراطية تبشر بقيم العدالة  والحرية والشفافية وتلجم وتوقف صحف  النظام السابق  – والتى هى الأخرى أسست بالمال العام – وهى لا تزال تمارس وضع العهر الصحفي وفى عداء سافر للنظام الجديد.

وعلى السيد حمدوك أن يعي بأنه رئيس مجلس وزراء كل السودان وأتت به ثورة شاركت فيها كل القوي السياسية والمدنية والشعبية السودانية، أفرادا وجماعات ولم يأتى به فصيل بعينه حتى يكون تحت قبضته وتأثيره و يحركه ذات اليمين وذات الشمال. وقد يكون الحب للحبيب الأول ولكن ليس فى مجال السياسة والذى يتوقف عليه  مصير بلد بكامله فى هزال مبين.

وعليه أن يراعي الموضوعية والدقة والتدقيق في خياراته وإختياراته حتى تكون صادقة ومعبرة وأن يضع الشخص المناسب في المكان المناسب بلا تحيز أو محاصصة.

وعليه أيضا إعادة النظر في طاقمه الوزاري العاجز وتعديله بوزراء أكفاء سياسيين لهم دور مشهود في النضال الوطني ومقاومة النظام الديكتاتوري ولهم معرفة بطبيعة المرحلة والتعامل الإيجابي مع متطلباتها.

وينبغي على كل القوى الثورية الحية وبخاصة لجان المقاومة الشعبية في القرى والأحياء والمدن أن تمسك بناصية الفعل السياسي وبزمام القيادة وأن تكون مستيقظة وواعية لمهمة المرحلة القادمة. وأن تنظم وتطور نفسها وتتشابك على إمتداد الوطن. وأن تكون حاضرة فى متابعة الأحداث والمستجدات و متحسبة لكل طارئ

ولقد قلتها صراحة: إن (البغلة في الإبريق).

* نشرنا هذا النصّ في 30 نيسان 2020 والذي توقع فيه الكاتب إنقلاب العسكر في السودان.. ونظرًا لاأهمية الحدث السوداني نعيد نشر المقالة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى