مقالات

هل ما حدث في 30 يونيو 2013 في مصر انقلاب أم ثورة؟

الكاتب بشير حنيدي/سوريا

//خاص المدارنت//… سؤال لا يزال مشروعآ، خصوصاً بعد ان اتضحت النتيجة النهائية للحدث، بعودة حكم العسكر في مصر، وقطع المسار الديموقراطي الذي أطلقته ثورة يناير 2011. اختلفت ولا تزال المواقف في تقييم الحدث، وسادت غالبآ نظرية المؤامرة تفسيراً له عند معظم رافضيه. الجواب على السؤال سوف يكون سطحياً قاصراً، إن جاء مقتصراً على خلفية نتيجته، ويستبعد أبعاداً مجتمعية تربوية ثقافية فكرية موروثة لا يمكن تجاهلها، تفاعلت سياسياً في عمق التركيبة السياسية والمجتمعية، وادت الى مرحلة انتقالية، توافرت فيها لاول مرة كل شروط وعوامل التفاعل السياسي إيجابياً على المستوى الشعبي.

وباعتبار ما حصل يتعلق بمسار التحول الديموقراطي الذي اطلقته ثورة 25 يناير، فلا بد من التطرق الى الثقافة الديموقراطية وآثارها، وعن مسألة الوعي الشعبي لمفهوم الديموقراطية، خصوصا عندما ينتقل المفهوم إلى حيّز التطبيق.

لقد تعددت واختلفت مفاهيم الديموقراطية بفضاء الثقافة الشعبية، وفي الفكر السياسي العربي، إلا ان كل هذه الاتجاهات تبنت أخيراً و”عملياً ” المفهوم الليبرالي، الذي يقوم على قاعدة التداول السلمي للسلطة. من اجل إقامة البناء الديموقراطي على هذه القاعدة، ثورياً كان ام إصلاحياً، لا بد أولاً، من إقامة القواعد اللازمة ثقافياً وسياسياً ودستورياً وتنظيمياً، وهي عملية شائكة في غاية التعقيد، خاصة بمجتمع لم يعرف على مدى قرون أولى أبجديات العملية الديموقراطية، وهي قبل كل شيء ثقافة وتربية وسلوك؛ مجتمعنا العربي عموماً، ولاسباب وعوامل كثيرة، لا يزال ابعد ما يكون عن هذه الثلاثية.

الديموقراطية في الممارسة لا تقتصر على تغيير او إصلاح منظومة المؤسسات والقوانين والتشريعات الدستورية، إنما ايضآ تهيئة وتأسيس البنية التحتية الفكرية والثقافية، كي تتحول الى سلوك مجتمعي عام، يضمن توفير عوامل الثبات والاستقرار لتلك القواعد، وإلا اصبحت عرضة للاهتزاز، بالتالي اصبح البناء باكمله عرضة للتداعي والانهيار؛ وهذا ما حصل في مصر، الانهيار في مرحلة إقامة القواعد قبل ان يرتفع البناء.

بدأ مسار التحول الديموقراطي، بعد تنحّي الرئيس المخلوع حسني مبارك، على أسس وقواعد النظام الليبرالي. ودخلت جماعة الاخوان المسلمين اللعبة الديموقراطية بواسطة جناحها السياسي حزب الحرية والعدالة، تحت شعارها الايديولوجي المعروف (الإسلام هو الحل)، وهو شعار سياسي له من الجاذبية بعالمنا العربي، ما يكفي لاستقطاب الاكثرية امام صناديق الانتخاب، بصرف النظر عن البرنامج السياسي لمرشح الاخوان، وهكذا باختصار وصلوا إلى السُلطة.

ما ان وصلوا إلى السُلطة، حتى وجدوا انفسهم بمواجهة مباشرة مع كل التيارات السياسية الاخرى، المؤدلجة منها وحتى الرافضة للأدلجة. وإن تعددت الاسباب والعوامل، فإن السبب الابرز والاهم هو التمسك بالحق الايديولوجي الموهوم عند كل المؤدلجين سياسياً، وهو الحق بـ(قيادة الدولة والمجتمع). إنها العصبية الفكرية السياسية كجزء من الموروث الثقافي الذي يتناقض مع ابرز استحقاقات التحوّل الديموقراطي. ضمن هذه الاجواء، لا بد من الصراع مع من يصل ديموقراطياً الى السُلطة، اياً كان انتماؤه السياسي او الايديولوجي، ولهذا بدأ الصراع مع الاخوان.

وفقاً لمنطق العصبيات السياسية الايديولوجية، فالاخوان مثل غيرهم تماماً، يعتبرون انفسهم هم اصحاب الحق بقيادة الدولة والمجتمع، بالتالي، من حقهم تنفيذ مشروعهم الايديولوجي الذي اختارته الاكثرية الشعبية عبر صندوق الانتخاب الليبرالي؛ ولتنفيذه،لا بد من العمل اولاً على “أخونة” الدولة والمجتمع، كقاعدة للانطلاق نحو المشروع، وقد عملوا بهذا الاتجاه منذ ان تسلموا مقاليد السُلطة، من دون اي إدراك لخطورة هذا النهج، في مرحلة انتقالية على قدر كبير من الاضطراب والتعقيد. إنه نهج العداء والإقصاء باسم الدين، لكل المعارضين لنهجهم، تمهيداً لإقامة البناء ايديولوجياً على قاعدة “الحزب القائد للدولة والمجتمع”، وهذا ما يتناقض بالمطلق مع ابسط قواعد البناء الديموقراطي الليبرالي، وهنا بدأت قواعد البناء بالاهتزاز قبل ان يرتفع البناء. تجاهل الاخوان او جهلوا ان الديموقراطية الليبرالية التي قبلوا بها، والتي توافقت عليها كل القوى السياسية، ترفض بالمطلق حق الحزب الفائز انتخابياً بقيادة الدولة والمجتمع، والحق الاقصى المقبول ليبرالياً للحزب الفائز، هو إدارة الدولة والمجتمع وليس قيادتهم؛ إدارة بإشراك القوى السياسية الاخرى، وليس إقصائها.

وقد عمل الاخوان على إدارة العملية السياسية، بذات العقلية والاسلوب الذي ينتهجه مكتب الإرشاد في حكم وإدارة الجماعة، اسلوب “السمع والطاعة”، وخير مثال لهذه السياسة، “الاعلان الدستوري” في 22 نوفمبر 2012؛ الذي يجمع السلطات الثلاث وكامل الصلاحيات بيد محمد مرسي من ناحية، ويضعه فوق المحاسبة والدستور من ناحية اخرى؛ ما يعني تأسيس لنظام ديكتاتوري جديد “إسلامي”، وردة سياسية الى ما قبل ثورة يناير.

مع استشعار الشارع السياسي بنهج الارتداد، وبعد فشل مرسي خلال عام كامل بإنجاز ابسط الوعود التي تعهد بإنجازها خلال المئة يوم الأولى من حكمه (حلّ مشكلة الخبز، النظافة، أزمة المرور …)، انتفض الشارع بموجته الثورية الثانية في 30 يونيو 2013، مطالباً بعزل مرسي وخروج جماعة الإخوان من الحكم.

أمام هذا الواقع، توافقت موضوعياً الرؤى والمواقف في الشارع المصري عموماً، وفي الفضاء السياسي تحديداً في مواجهة الإخوان، وحصلت توافقات شملت اكثرية مكونات الدولة والمجتمع، بما فيها ما يُسمى مؤسسات الدولة العميقة (الجيش والقضاء والشرطة وأجهزة المخابرات وغيرها)، وهي لا تزال تمسك بقوة بكل مفاصل الدولة والمجتمع. وهكذا انقلبت المعادلة في الشارعين الشعبي والسياسي، فتحولت الاقليات المبعثرة سابقآ إلى أكثرية معارضة لحكم الاخوان. وإن كانت الشرعية الدستورية (صندوق الانتخابات) داعمة دستورياً لحكم الاقلية الاخوانية، فإن الشرعية الثورية لا تزال في اوج فاعليتها، والشارع الشعبي لا يزال يعيش مرحلة الحراك الثوري بكل اشكاله واساليبه؛ لهذا، من الطبيعي ان تتمرّد قوى الاغلبية على الشرعية الدستورية، لإعادة فرض الشرعية الثورية من جديد، ومن هنا تستمد الموجة الثورية الثانية شرعيتها.

وإذا كان الحسم الثوري في 30 يونيو قد جاء عسكرياً، فذلك ان الجيش يمثل واحداً من جملة مكونات الدولة والمجتمع، وهو المؤسسة الاقوى فيهما، التي شملتها حالة التوافق ووحدة الهدف بإسقاط حكم الاخوان. كيف لا؟ ومنظومة العسكر اعتادت على مدى عقود ان تكون هي الأحق في السياسة، وبقيادة الدولة والمجتمع!

مع عودة الملايين إلى الشارع، والانقسام العمودي الخطير الذي حصل فيه، اصبح الوضع ينذر بمواجهة دموية تهدد السلم الأهلي، والجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على حسم الموقف. وجد الجيش نفسه امام خيارين، إما مواجهة الحشود المليونية المنتفضة، فيحرق البلد كما فعل غيره من الجيوش العربية، دفاعاً عما يُسمى بالشرعية الدستورية الجديدة (وهو غير مقتنع بها أساساً)، او الانحياز الى شرعية الشارع المنتفض على حكم الاخوان؛ وبدفع من الثقافة والعقيدة التي نشأ وتربى عليها، اختار الجيش الخيار الثاني، فجاء الحسم عسكرياً، تأكيداً لحقه بقيادة الدولة والمجتمع، وحفاظاً على امن وسلامة البلد، وشكل انحيازاً لشرعية الموجة الثورية الثانية. وعندما اختطف الجيش هذه الموجة لإعادة حكم العسكر، فذلك “طبيعي”، كون ان عقيدة وثقافة العسكر تمثل جانباً من الموروث الثقافي والتربوي والفكري، الذي لم يكن ناضج بما فيه الكفاية، مع أولى استحقاقات العملية الديموقراطية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى