مقالات

25 عامًا على وفاة أندرياس باباندريو..

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”..

فى 23 يونيو 1996، رحل الزعيم الاشتراكي اليوناني أندرياس باباندريو، بعد حياة حافلة وثرية فى مجالي العلوم والسياسة، قضى منها باكورة شبابه دارسا وباحثا فى المؤسسات العلمية الأميركية، ثم أستاذا ومحاضرا في أعرق الجامعات العالمية، إكتسب خلالها زخيرة وافرة من العلم و المعرفة والتجربة والخبرة، أهلته في أن يكون أحد أبرز علماء الإقتصاد فى العالم، وترجمها لاحقا بفكر سياسي مُنير خط به مسيرته السياسية، جعلته من أميَز مفكري الإشتراكية الديموقراطية،  ووضع بصمته الواضحة في حاضرها ومستقبلها لا سيما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وثبتتها على أرضية صلبة، خلقت منها نظاما حيا قَوِيما مكتمل الأركان، قويّ البنيان، وفق منهج وتنظيم محكمين وعلى قيم ومبادئ واضحة وجلية.

منذ مرحلة الصبا، ظهرت ميوله الإشتراكية، وإرتباطه الوجداني مع الطبقات الفقيرة  والوسطى من عمال ومزارعين، وعبر عنها فى كتاباته المبكرة في صحف المدارس والنشرات الدورية.
درس الإقتصاد و الفلسفة فى “جامعة أثينا”، ثم فى “جامعة هارفارد”، وعندما برز نجمه كأحد أهم الإقتصاديين فى العالم ، طلب منه الحضور إلى اليونان،  وأوكل إليه تأسيس مركز البحث والبرمجة الإقتصادية عام 1961.
تولى فى عام 1964، منصب وزير شؤون الرئاسة، ثم الوزير المناوب للإقتصاد فى حكومة والده جورج باباندريو، رئيس حزب إتحاد الوسط. وعند وقوع إنقلاب العسكر عام 1967، أعتقل ثم نفي خارج البلاد.
خلال فترة سنوات الديكتاتورية السبع، ظل في حركة دائمة بين العواصم الأوروبية وأميركا، عمل على تكوين فرق المقاومة الشعبية بين المهاجرين اليونانيين، وربطها مع المقاومة السرية الداخلية، وخلق شبكة إتصالات وتواصل مع معظم حركات التحرر والإنعتاق في العالم.
فى عام 1974، وقعت محاولة إنقلاب فاشلة في قبرص، كانت تقف وراءها الحكومة العسكرية فى أثينا، مما أدى إلى تدخل تركي، ومن ثم إحتلال شمال قبرص، وفصلها عن جنوبها، وإقامة ما سُمي فيما بعد بجمهورية شمال قبرص.
فى نوفمبر، من نفس العام ، قامت هبّة شعبية عارمة قادتها الحركة الطلابية، أسقطت النظام العسكري في أثينا، وتكونت حكومة إنتقالية مهدت لإنتخابات برلمانية.
ذهبت الطغمة العسكرية، وتركت البلاد منقسمة يتجاذبها طرفي نقيض، اليمين الشعبوي المتطرف، والحركة اليسارية الماركسية، المُحاصرة والمُطاردة، والمُنهكة طوال سنوات الحرب الأهلية، وما بعدها ، بينما كان اليمين مسيطرا على مفاصل الدولة من النواحي الإقتصادية والإعلامية والعسكرية والأمنية والشرطية.
كانت البلاد، تعيش تحت وقع نظم وقوانين مكنت النخب الطفيلية، والوصولية في أن تسود وجعلت السواد الأعظم من الشعب فى الهامش.
وحينها كانت الحرب الباردة على أشدها بين المعسكرين الشرقي والغربي، واليونان خاضعة للمعسكر الغربي، وبصورة أكثر دقة في قبضة الولايات المتحدة الأميركية، والتى كانت لها ثلاث قواعد عسكرية أساسية ومهمة على أرض اليونان تدير منها البلاد من خلف الكواليس، وثبت ذلك يقينا، بعد إنكشاف دورها المباشر فى الإنقلاب العسكري على السلطة الديموقراطية.
وعقب سقوط النظام الديكتاتوري، عاد باباندريو  إلى البلاد، وأبدت كوادر وقيادات “حزب إتحاد الوسط”، الرغبة الصادقة في توليه قيادة الحزب، خلفا لوالده، الذى توفي إبان فترة الحكم العسكري، ولكنه رفض، مفضلًا تكوين حزبًا سياسيًا جديدًا، وفقا لرؤاه الفكرية والسياسية.
فى 3 سبتمبر 1974، أعلن عن تكوين “الحركة الإشتراكية لعموم اليونان”،  (.P.A.S.O.K)  على ثلاثة مرتكزات:
1 : الإستقلال الوطني
2 : السلطة للشعب
3 :  الحرية الإجتماعية
كانت قراءته للواقع المحلي وللمتغيرات الدولية عميقة وصحيحة، فجاء المنفستو للحزب الوليد ملبيا طموحات ورغبات الشعب فى التغيير الجذري في السياسة وفى المجتمع، وواضعا أسس العبور إلى واقع مختلف بجرأة وشجاعة وصدق وشفافية، وهي الصفات التي طبعت وميزت شخصيته طوال حياته.
 فعبر عن حاجة الطبقات الشعبية الفقيرة والوسطى للعدالة الإجتماعية، في لعب دور مركزي في العمل السياسي، وتبنى خطابا أيديلوجيا، راديكاليا، خاطب طموحات اليسار ويسار الوسط بموضوعية وعقلانية، منتقدا سلوك الحركة الشيوعية في الرقص على أكثر من حلقة وتناقض قولها مع فعلها، وفي خلطها للأوراق فى اللحظات النضالية الفاصلة، وفي محاولتها النمطية لإحتكار العمل النضالي وإقصاء غيرها.
وكذلك، كان يوجه إنتقادا حادا لليمين وتحميله وزر معظم المآسي والنكبات، بداية من الحرب الأهلية ومآلاتها المدمرة بخنق النظام الديموقراطي بقوانين مقيدة للحريات وخلق فوارق فى الحقوق بين المواطنين على الهوية والإنتماء وصولآ لضياع الجزء الشمالي من جزيرة  قبرص.
كانت أطروحاته، تجد آذانًا  صاغية، وبخاصة في أوساط اليسار والوسط ويسار الوسط، وجذبت قطاعات واسعة للحركة الجديدة، وخلال فترة وجيزة إنتشرت وأرست قواعدها في المدن والقرى والأرياف، وشرعت في تنظيم القاعدة الناشئة بإنتخابات حرة ومباشرة، تصعيدية حتى القمة ، قدمت قيادات ذات  مصداقية وتأثير فى المجتمع  ملتزمة بقيم ثابتة ومبادئ واضحة لا تقبل القسمة.
ولأول مرة في تاريخ العمل السياسي الحزبي، تولد قيادات من رحم القوى الفاعلة، عوضا عن القيادات الفوقية المصنوعة والمعزولة جماهيريا كما كان الحال في الماضي.
وهكذا خرج المواطن العادي من الهامش واستطاع الوصول إلى مراكز صنع القرار والمشاركة الفعلية.
كان باباندريو، يتحرك بعفوية وأريحية بين الجماهير فى تلاصق وتلاحم مذهلين، يمشي بينهم ويأكل معهم ويرقص وسطهم طربا مع الأهازيج والرقصات الشعبية ويخاطبهم بلغتهم البسيطة وبإسلوبه الساحر المؤثر، يعيش جوهم وواقعهم في ملحمة  معهم.
جدد خطابه السياسي، طارحا شعار  (اليونان لليونانيين)، فى مقابل شعار اليمين، (اليونان تنتمي إلى الغرب).
وأعلن معارضته دخول اليونان السوق الأوروبية المشتركة، بحسبانها أداة للنظام الرأسمالي الجشع، ووعد بإخراج اليونان من حلف شمال الأطلسي، لدوره في بطش وقهر الشعوب الساعية الى الإستقلال والتحرر.
كانت الدلائل والمعطيات، تشير إلى أنه قادم إلى السلطة بقوة، حيث كانت خطاباته الإنتخابية يشهدها حوالى مليون شخص في المدن الكبرى وأصبح شعاري، (التغيير) و (حانت ساعة التغيير)،  طاغيان ومسيطران على الوجدان الشعبي. فجاءت إنتخابات عام 1981، بفوز ساحق، بنسبة 48%، وبأغلبية مطلقة بعدد 175 نائبا من أصل 300 نائبا فى البرلمان. ولعلها المرة الأولى في التاريخ، يحدث مثل هذا الإنجاز لحركة ناشئة في خلال سبعة أعوام  من عمرها.
منذ الأيام الأولى لتوليه السلطة، ظهرت آثار الجراحات العميقة السابقة على كل المستويات، وكانت أولى قراراته الإعتراف بالمقاومة الشعبية الوطنية اليسارية، فأعاد لها الإعتبار وأعطاها حقوقها السياسية والإجتماعية، مما مهد الطريق للكثير من المناضلين الذين فروا إلى الخارج بالعودة إلى البلاد، والمشاركة في العمل السياسي، وبذلك أنهى حالة الإستقطاب الحاد التى سادت فى المجتمع بعد إنتهاء الحرب الأهلية، وأغلق الملفات السرية، وأوقف أساليب المطاردة والتعذيب والإقصاء.
 وفى خطوة غير مسبوقة، تولى بنفسه وزارة الدفاع، وأحدث تغييرا جذريا فيها بخصوص النظم والطرق المتبعة في إختيار الضباط، والتى كانت حكرا لليمين وللطبقات المتحالفة معه، وفتح الباب على مصراعيه لعامة أبناء الشعب.
ولتعزيز  الأمن الإجتماعي، ألغى صلاحيات كثيرة من الشرطة العسكرية، والتى كانت يدها مطلقة في الترهيب والإعتقال التعسفي لإنسان الريف، وأحال كل السلطات إلى الشرطة الوطنية على مسلك يحفظ الحقوق ويراعى الكرامة.
ولحماية الإقتصاد الوطني، وتحريره من القيود والتبعية، جعل الدولة تسيطر على معظم المؤسسات الحيوية والاستراتيجية والإنتاجية، وأخضع القطاع الخاص للمراقبة والمتابعة والمحاسبة.
وقام بتطوير القطاع الزراعي والحيواني والسياحي، بتقديم الدعم التقني والمادي بسخاء شديد، فأحدث طفرة إنمائية غيرت واقع الريف اليوناني المزري إلى حالة من الرفاهية والإستقرار. وربط التعليم بالإنتاج وبالرؤية المستقبلية لتطوير الإقتصاد.
 أفتتح عدد من الجامعات والمعاهد ومراكز التدريب المهني والتأهيلي ومراكز للأبحاث العلمية، وتم تعديل مناهج التعليم لتواكب تطورات ومتغيرات العصر والتنمية.
رفع القيود عن النقابات العمالية والمهنية، وجعلها تبنى على ممارسة ديموقراطية مباشرة أهلتها بأن تكون ممثلة صادقة لقاعدتها، وحارسة وحريصة على مصالحها من دون ضغوط أو تأثيرات سلبية خارجية.
إهتم بصورة خاصة بمؤسسات الرعاية الإجتماعية للدولة، فأمن حق العمل والتأمين الصحي ورواتب  للمتقاعدين من  المواطنين  العاديين،  ولذوي  الحاجات الخاصة ولكبار السن. وأصدر قانون المساواة بين الرجل والمرأة في كل المجالات، وقوانين لرعاية الطفولة والأمومة وقانون الزواج المدني الذى أعطاه شرعية الزواج الديني.
وأهم ما ميّز فترة باباندريو، هو تأسيس نظام صحي عام ، أنهى حالة الازدواجية بين العام والخاص،  وفصل بينهما فصلًا تامًا. وبنيت عشرات المستشفيات الحكومية والجامعية، والمئات من المراكز الصحية فى القرى، وفي المناطق الريفية النائية المعزولة.
أعاد تقسيم الأقاليم والمحافظات والمحليات، بطريقة راعت التعداد السكاني، والعملية الإنتاجية بنظام حكم محلي جديد، ألغى بموجبه التعيين الحكومي لحكام الأقاليم والولايات، وحوّله الى الشعب، من أجل إختيار حكامه بالإنتخاب الحرّ المباشر.
وأصدر نظاما خاصا بالخدمة المدنية، يتم بموجبه ملء المناصب وفقا للمؤهلات العلمية المطلوبة بشفافية مطلقة، وأنهى بذلك حقبة من المحسوبية، وإنعدام المراقبة والفساد الإداري.
فى عام 1985، عدل الدستور، وحول اليونان إلى جمهورية برلمانية كاملة الدسم، وحدّ من صلاحيات رئيس الجمهورية، وجرّده من أيّ سلطات تنفيذية، وأصبح  مجرد رمزًا سياديًا شرفيًا.
وعلى وقع تهديده بالخروج من السوق الأوروبية المشتركة، ومن حلف الناتو، دخل في مفاوضات مع الطرفين، حصل فيها على كلّ ما يريده من إمتيازات إقتصادية تفضيلية، أدت فى نهاية المطاف إلى خروج القواعد الأميركية الرئيسية من اليونان.
وعلى الرغم من وجود اليونان، فى المنظمتين، إلا أنه إنتهج سياسة خارجية مستقلة تمامًا، حيث كانت مواقفه داعمه بوضوح لحركات التحرر الوطني العالمية، وخلق معها علاقات وتحالفات، أثارت حفيظة القوى الإمبريالية، وقادت إلى الجدل والنقاش والتساؤل حول مستقبل تلك المنظمتين.
طرح مبادرة الـ(الستة)، مع كلّ من أولف بالميه رئيس وزراء السويد وأنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند وراؤول الفونسين رئيس الأرجنتين وجوليوس نايريري رئيس تنزانيا ومنغل ديلامادريت رئيس المكسيك، بشأن التعاون القاري في الإقتصاد والسياسة.
أندرياس باباندريو وعقيلته
أندرياس باباندريو والعالم العربي 
كان داعما للقضية الفلسطينية، وصديقا شخصيا للزعيم الراحل ياسر عرفات، واستقبله مع قادة المقاومة عام 1982، عند خروجهم من بيروت، ووفر لهم ملاذًا آمنا إلى حين مغادرتهم إلى تونس.
كان أيضا صديقًا للزعيم الليبي معمر القذافي، حيث زار ليبيا عام 1977، ودان عملية الكوماندوس الصهيوني في مطار عنتبي، ودعمه في قضية لوكربي، وجمعه مع الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، في جزيرة كريت عام 1985، لإحتواء خلافهما حول تشاد.
كانت علاقته مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مميزة، وكذلك، تنظيميا مع “حزب البعث العراقي”.
كان داعما للشعب السوداني، في نضاله ضد ديكتاتورية جعفر نميري، وكانت للحركة الإشتراكية علاقة وثيقة مع الحزب الإتحادى الديموقراطي السوداني، وبرعاية ودعم وحماية حكومة باباندريو أقام مؤتمره التاريخي فى مدينة خالكيذا اليونانية فى يناير 1982.
وفى أوج سطوة اليمين، بعد سقوط الحكم العسكري، إنضممت إلى التنظيم الطلابي للحركة الإشتراكية (P. A.S.P)  عام 1975، حين تكوينها، (عندما كنت طالبا في كلية الطب جامعة أثينا)، وربما كنت أول أجنبي يدخلها، وتدرجت في عضوية الحركة، حتى وصلت إلى أعلى مستوياتها، عضوًا فى اللجنة المركزية، وأمينًا عامًا فى جزيرة كريت، وعضوا مختارًا فى لجنة (الأثني عشر) لعموم اليونان، ومرشحا مرتين للبرلمان اليوناني، وأيضًا، كأول شخص من أصل أجنبي، يصل إلى هذه المواقع السياسية.
إلتقيت بالزعيم باباندريو، لأول مرة في أغسطس 1976، وعشت عصره الثريّ والغنيّ بالمواقف والتغيرات والمتغيرات، بالطول والعرض، وأعطتني تلك التجربة المهمة رصيدًا قيما فى التنظيم والحركة، والمقدرة على الرصد والتقييم بموضوعية، وفي التأني وإتخاذ القرار فى حالة الهدوء والتروي، وأعطتني أيضا دروسا مفيدة، أهمها الثبات على القيم والمبادئ والأهداف، والجرأة والشجاعة في الجهر بالحق فى أصعب المواقف.
وفي الختام، أقول أن أندرياس باباندريو، كان رجلًا أصيلًا  وصادقًا،  له موهبة وكاريزما جعلتا منه ظاهرة سياسية فريدة، أرسى قواعد ديموقراطية شعبية حقيقية، وحقق الإستقلال الوطني، وبسط الحرية والعدالة الاجتماعية، جعلته أكثر السياسيين اليونانيين، تأثيرًا في العصر الحديث، إضافة الى ما قدّمه من فكر وتجربة عملية، أهّلته لأن يكون من أعظم الزعماء المفكرين، والمؤسّسين للإشتراكية الديموقراطية في العالم.
========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى