28 أيلول.. أسئلة للإقليميين؟!

خاص موقعيّ “المدارنت” و”ملتقى العرويّين”
… ذات يوم من شهر شباط عام 1958 م. أجاب جمال عبد الناصر على سائل: “هل تظن أنني أنا الذي خلق القومية العربية؟ أبدًا.
إن القومية العربية هي التي خلقتني، لست أنا الذي أثيرها بل هي التي تحملني، إنها قوى هائلة ولست إلا أداتها المنفذة، ولو لم أكن موجودا لوجد غيري، واحد،عشرة،ألف يحلون محلي. إنها كامنة في ملايين العرب الذين يحمل كل منهم مشعل القومية. إنها تيار لا يمكن مقاومته، ولا تستطيع أية قوة في العالم تدميره طالما احتفظ بثقته في نفسه”.
بين 28 أيلول، جريمة الإنفصال عام 1961 م. ووفاة جمال عبد الناصر في 28 أيلول 1970 م. حدثت صحوة عربية وعالمية، وصراعات دموية بين قوى الاستعمار مع الشعوب المستعمَرة المقهورة في دول العالم الثالث، في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية، منها ما أثمر استقلالًا ناجزًا، ومنها ما زاد من توغل النفوذ الأجنبي في أشكال جديدة وأساليب مستحدثة.
ولا شك أن جريمة الإنفصال التي وقعت على أيدي داخلية سورية، قد ساندتها أطراف خارجية: عربية ودولية، وتمت تصفية التجربة الوحدوية الوليدة بين مصر وسوريا؛ وهو ما كان سيحصل عاجلًا أو آجلًا، لأن ميزان القوى كان يميل إلى أعدائها، وليثبت ما حصل أن المشاعر الشعبية لا تكفي وحدها لتحقيق الأهداف الكبرى؛ ثم تجلى بعدها في فشل المباحثات والتجارب الوحدوية بين مصر وسوريا والعراق تارة، وبين مصر والسودان وليبيا تارة أخرى.
وما زلنا حتى اليوم، نجد الأبناء والأحفاد من أعداء الوحدة العربية، يهاجمون تجربة الوحدة المصرية السورية، متذرعين بأسباب وحجج ثبت بطلانها بعد مرور الزمن وظهور الحقائق؛ ورغم وجومهم وصمتهم أمام تجارب وحدوية فشلت هي بدورها (مجلس التعاون الخليجي، واتحاد دول المغرب العربي).
لذلك أتوجه بأسئلة إلى القوى الإنفصالية، وكل من دعمها وكل من والاها من مرتزقة المثقفين (إسلاميين وقوميين ويساريين أيضا)، بعد أكثر من ستين عامًا على الإنفصال، وبعد أن أجابت الأحداث الجارية منذ وفاة جمال عبد الناصر على كثير من الأسئلة.

1 – ماذا تقولون في مسألة التوريث السياسي السائدة في الدول العربية بعد وفاته؟
2 – لماذا تصمتون عن فضائح الفساد المالي والسياسي التي عمّت الوطن العربي بعد عام 1970 م.؟
3 – ما لكم خَرِسْتم أمام تحوّل الدول العربية إلى الإنخراط في مشاريع التطبيع من جهة، والذهاب باتجاه أحلاف عالمية من جهة أخرى؟
4 – ماذا حقق الإنفصال لسوريا بعد عام 1961 م. وماذا حققت جمهورية مصر العربية على يد الإقليميين أبطال كامب ديفيد؟ وكيف استبيحت أكثر الدول العربية، وتفتت مجتمعاتها على أيدي أعداء الوحدة (السودان، ليبيا، تونس، سوريا، لبنان، العراق، وغيرها)؟
5 – أليست منظومة دول (البريكس) نموذجًا حيًا مشابهًا لما أنشأه جمال عبد الناصر من نموذج دول عدم الانحياز والحياد الإيجابي؟
6 – ما هو موقف الإسلام السياسي الذي حارب الوحدة وحارب عبد الناصر بالشعارات الدينية، بعدما استهلك شبابه ونزفت دماؤه في حروب لا طائل تحتها، خدمة للانظمة التي شغّلتهم واستنزفتهم، ثمّ تخلت عنهم بعد انتفاء الحاجة؟ ثم رمَت قياداتهم في السجون، وأصبحوا تائهين بين نارين: التنظيمات التكفيرية المشبوهة، واللجوء إلى تركيا أو إيران.
وأسئلة كثيرة مصيرية لا بد لها من مراجعات، وكتابات تاريخية منصفة، نجد نفسنا أمام مفترق طرق، أمام صراع مختلف بأفكاره وأدواته، من دعوة إلى فكرة العروبة المخففة، إلى فكرة الديانة الإبراهيمية، وصولا إلى مرحلة الولايات المتحدة الإبراهيمية التي تضمّ- نظريا – الدول العربية و”اسرائيل” (الكيان الصهيوني) وتركيا وايران؛ على أنقاض الفكرة القومية العربية، وعلى أنقاض الحركات الاسلامية المنتهية صلاحيتها.
وهنا، أعود إلى ما قاله جمال عبد الناصر، في موضوع الوحدة: “إن الأمة العربية لم تعد في حاجة إلى أن تثبت حقيقة الوحدة بين شعوبها، لقد تجاوزت الوحدة هذه المرحلة، وأصبحت حقيقة الوجود العربي ذاته. يكفي ان الأمة العربية، تملك وحدة اللغة التي تصنع الفكر والعقل، ويكفي أن الأمة العربية، تملك وحدة التاريخ الذي صنع وحدة الضمير والوجدان، ويكفي أن الأمة العربية، تملك وحدة الأمل التي تصنع وحدة المستقبل والمصير”.
ويضاف الى ذلك، ما جاء في المشروع النهضوي العربي الذي صاغه “مركز دراسات الوحدة العربية”، من ضرورات اقتصادية للوحدة، وبشكل سياسي يكوّن: الولايات المتحدة العربية.



