مقالات
28 أيـلـــول وحـصـــادُ الـسِـنـيــــن..

خاص “المدارنت”..
رُحِّلَ جمال عبد الناصر، تاركًا لدى مصر والعرب كلِّهِم، ارثا هائلًا من السَعي الى النهوض والوحدة والتحرُّر، وشَبَكاتٍ مُتنامِيةً من العلاقات الاقليميّة والدوليّة، ومدًّا جماهيريًّا لم يشهد له التاريخ مثيلًا، ولا سجّلت حركة الحياة السياسيّة له ندًّا أو شبيها..
كانت جنازة الرَجُل، اختصارًا لقصّة كفاح عملاقة، لم تَخلُ منها زاوية من زوايا الأرض كلِّها؛ حيث رسمها بطلُها بخطوطٍ من نضالٍ مستمرّ وكفاحٍ لا يعرف الكللَ والمَللَ، حتى آخر لحظة من حياته.
لم يترك عبد الناصر، وراءه حزبًا او جماعة، نظرًا لاتّساع مفهوم وقاعدة زعامته في مصر والوطن العربيّ، وانّما كان قد بدأ جهدًا نوعيًّا في تشكيل تنظيم طليعيّ، من بضعِ مئات من الكوادر الواعية، يهدف الى ترسيخ مبادئ وقِيَم التحرُّر والعدالة الاجتماعيّة والوحدة العربيّة، من اجل متابعة المسيرة النهضويّة التي أرسى دعائمَها مع نخبة من ضباط الجيش المصريّ الأحرار. هذا التنظيم، استلمه أنور السادات، عند وصوله الى رئاسة الجمهوريّة، فَفَتّتهُ وشتّتَهُ وجعلَهُ خبَرًا بعد عَين.
لقد كان التمثيل الحقيقي لظاهرة جمال عبد الناصر، في القواعد الشعبيّة الواسعة في كلّ البلاد العربيّة، وفي الوهج الزعاميّ الصافي في كل بلاد المسلمين، وعند شعوب العالم التي كانت تكافح للتحرر من الاستعمار وتنشد بناء حياة حرة كريمة..
أمّا الانظمة العربيّة “التقدُّميّة”، وياسر عرفات، فقد ورثوا وهجَ الاندفاعة التي أحدثها حضور جمال عبد الناصر الشعبيّ، وعلاقاته الاقليميّة والدوليّة وقضيّة فلسطين، وقضايا التحرر والعدالة الاجتماعيّة والوحدة والنهوض، وكلّ مصطلحات وادوات المرحلة التي أفنى حياته في متاهاتها..
ما فعلته الانظمة العربيّة معروف، وليس بحاجة الى تفصيل، وما حصل للقواعد الشعبيّة من تمزيق وتفتيت واحباط وافساد، فلا مقالة تتّسِع لسردهِ والإحاطة به..
أما ما فعلته المجموعات والتنظيمات، والاحزاب التي تصدّرت مشهديّة “حنكمِّل المشوار”، والتي أخذت على عاتقها إكمال مسيرة جمال عبدالناصر، وتحقيق أهداف الأمّة، في “الحرِّيّة والاشتراكيّة والوحدة”، فكان السير في الطريق الذي أحدث الأضرار الفادحة، لكلّ الطروحات القوميّة والوحدويّة، وقضايا التحرُّر والحرِّيّة والعدالة الاجتماعيّة، وجعلت من الاندفاعة “الناصريّة” العملاقة، مُرَبّعات سلطويّة صغيرة لا تتعدّى أطراف المئات من “مُريديها”!
لقد قزّمَت “الأحزاب الناصريّة”، “مارِديَّة” الحُلُم الناصريّ، الى خلايا تكَسُّبٍ مادِّيٍّ، والى جَريٍ وراء فتات سلطات الانظمة، بعدما كان جمال عبد الناصر، بقامته الزعاميّة التاريخيّة، يصنع الانظمة والسلطات والأحداث!
خلاصة الحكاية، أنّ هذه الشخصيّات والمجموعات والتنظيمات والأحزاب “الناصريّة”، عاشت على وهج تجربة واسم جمال عبدالناصر، تتكسّب بمعظمها، وتنَمّي ثرواتها المادِّيّة، وتبني امجادها الشخصيّة الخاصّة بها، في حين انّ القضايا الجوهريّة التي افنى الرجل حياته في العمل لها، باتت مُغَيّبَةً كلِّيًّا عن حركة الحياة، حتّى كاد ينتهي بها المطاف في هذه الأيام، الى التلاشي ولفظ الأنفاس الأخيرة..
إنّ كلَّ مَن يدّعي “الناصرِيّة”، في أيّ اطار كان، يتحمّل مسؤوليّة ما وصلت اليه هذه المسيرة التي كانت، في يوم من الايّام، تملأ الدنيا وتشغل الناس..
أمّا جمال عبد الناصر، فحاضرٌ كلَّ الحضور، بقامته النزيهة المناضلة المكافحة الصابرة الصامدة، في وجه الأعداءِ، على الرغمَ من تقاعصِ الأصدقاءِ، وانفراطِ عقد المريدين والتابعين من كلِّ أطياف العروبيّين..



