مقالات

مسلمون ويهود أندلسيون في البيرو.. الجزء (1)..

عبد الناصر طه/ البيرو
خاص “المدارنت”..
نبذة تاريخية
‏لم تأخذ دولة “البيرو” حيزاً في الدراسات العربية المتعلقة بالهجرة إلى أمريكا اللاتينية عموما ،وإنما الشهرة التي اكتسبتها تعود إلى آثارها القديمة وحضارة الإنكا التي توازي في عظمتها وأسرارها أهرامات الفراعنة في مصر ؛إمبراطورية الإنكا التي كانت تضم ما يسمى حاليا: الإكوادور وتشيلي وبوليفيا والبيرو والأرجنتين، و عاصمتها مدينة ” كوسكو “Cuzco إحدى كبريات المدن البيروفية، حكمها الغزاة الإسبان بين عامي 1535 م. و 1820 م، وبعد ذلك التاريخ نالت ‏ استقلالها بعد معارك طويلة مع الأسبان.
‏عام 1532 م. توجه “فرنسيسكو بيزارو” من إسبانيا إلى البيرو لغزوها ‏باسم الله والتاج الأسباني، وكانت المنطقة قد شهدت بالفعل صعود وسقوط حضارات مختلفة؛ ومع ذلك غيّر الفتح كل شيء ، الاقتصاد والسياسة والدين واللغة، حتى أن تاريخها الحديث عبارة عن سلسلة توابع تلك الصدمة الزلزالية بين الإنكا والإسبان.
‏إعتقد الخبراء أن البشر سكنوا جبال الأنديز قبل 14 ألف سنة من ميلاد السيد المسيح ، ومع ذلك فإن أكثر الأدلة الأثرية تشير إلى وجود البشر في تلك المنطقة حوالي 8000 قبل الميلاد؛ وما بقي خالدا في التاريخ هو سيطرة شعب الإنكا على مناطق الأنديز وإقامة حضارة بشرية لفتت انتباه الباحثين ، حتى أنّ بعض مصادر البحث تفيد أن نفوذ حفيد الإمبراطور “باتشا كونياك” وصل إلى جزء من اراضي دولة كولومبيا الحاضرة.
بعد سيطرة الإسبان عبر الجنرال “بيزارو” ومعاونيه، فتكت الحروب بالسكان الأصليين وانتشرت الأمراض السارية والمعدية من الجدري والكوليرا حتى انخفض عدد السكان من 10 ملايين عند وصول الإسبان إلى ستمائة ألف شخص؛ ‏وانشأ الجنرال مركزه الاداري الجديد على ضفاف نهر “بريماك” على الساحل الأوسط، لتصبح مدينة ” ليما ” المسماة مدينة الملوك مع مرور الوقت عاصمة نائب الملك الأسباني في عموم مناطق أمريكا الجنوبية لأكثر من 200 عام.
‏حارب الإسبان بعضهم البعض حيث حكم الجنرال “بيزارو” عام 1538 م. على احد نوابه الجنرال Almagro بالإعدام شنقا بعد محاولته الاستيلاء على مدينة “كوزكو” بالقوة ‏، وما إن مرّت ثلاث سنوات على تلك الحادثة حتى استطاعت مجموعة من انصار ألماغرو اغتيال “بيزارو”؛ وتوالت القلاقل والحوادث دون أي تأثير مهم على استقرار حكمهم الذي استمر حتى بدايات القرن التاسع عشر حيث قاد الثوار القادمون من الأرجنتين حرب الاستقلال التي نشبت بينهم وبين الإمبراطورية الإسبانية بين عام 1810-1818 وانتهت هذه الثورة بإعلان استقلال الأرجنتين كدولة منفصلة عن إسبانيا وتحرير تشيلي حتى أن الثوار واصلوا زحفهم الى العاصمة ليما؛ وقاد هذه الثورة كل من “مانويل بيلغرانو” و “خوان خوسيه كاستيلي” و”خوسيه دي سان مارتين”، وكانت هذه الحرب هي الأولى من أجل الاستقلال في أميركا اللاتينية وثاني حرب للإستقلال في العالم الجديد بعد حرب الاستقلال الأمريكية.
ثم تولى بعده الثائر الفنزويلي المحرر سيمون بوليفار زمام الأمور عام 1823، وقاد الثورة من الأراضي الفنزويلية، ‏فاستطاع تحرير فنزويلا وكولومبيا والاكوادور، ‏كما هزم الإسبان مع رفيقه الملازم سوكري في معارك جونين وأياكوتشو، واتفق معهم فيما بعد على سحب قواتهم من بيرو و بوليفيا، ثم قبض على نائب الملك ووضعه في الاحتجاز في مفاوضات الاستقلال الكامل لأمريكا الجنوبية، قبل أن تتقسم و تتجزأ إلى دول متناحرة فيما بينها.
“ليما” عاصمة اميركا الجنوبية
‏قبل الخوض في الظروف التاريخية التي نتج عنها ترحيل المسلمين واليهود الأندلسيين إلى أمريكا الجنوبية ‏في بدايات القرن السادس عشر، لابد أن نتوقف مليا عند ‏أهمية البيرو آنذاك حيث كانت عاصمة الحضارة التي ما مثلتها شعوب الإنكا؛ في وقت كان الباحثون يهتمون بتاريخ البرازيل والأرجنتين وكولومبيا و فنزويلا ‏ابتداء من تجارة العبيد الأفارقة وصولا إلى مشاركة الموريسكيين في بناء الحضارة اللاتينية. علما أن البحث كان يجب أن يبدأ من البيرو مقر الحاكم بالنيابة عن الملك. وهنا تجب الإشارة إلى النقص الفادح في المكتبة العربية حول هذا الموضوع ، وتجاهل مراكز الأبحاث والدراسات الكثيرة العدد، لما تستحقه تلك الحقبة من الدراسة.
ولعلّ أقدم ما وصل إلينا من أثر تاريخي عربي هو رحلة قام بها الأب إلياس الموصلي من العراق إلى إسبانيا ثم سفره إلى أميركا الجنوبية مع الغزاة.
‏تعتبر رحلة الاب إلياس الموصلي إلى أمريكا اللاتينية جهدا فرديا يقوم على وصف أحداث رحلته الدينية المدعومة من التاج الأسباني ودليلا على وصول العرب مع رحلات الغزاة الأسبان؛ قبل قرنين من الهجرة الحديثة التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إبان الحكم العثماني في بلاد الشام حسب ما ذكر المؤرخ فيليب حتّي ومعظم الباحثين ، وهنا تبرز حقيقة أننا أمام هجرتين إلى اميركا اللاتينية، الأولى ما زالت قيد الكشف العلمي في جامعات إسبانية وأخرى لاتينية؛ والثانية هجرة مواطني بلاد الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي.
‏عام 1668 قام الخوري إلياس بن حنا الموصلي الكلداني برحلته إلى القارة الأمريكية و سجل مشاهداته اليومية، وهو أول عربي وصل إلى القارة الأمريكية في القرن السابع عشر وسجّل مشاهداته ‏في كتاب عرف حديثا باسم (الذهب و العاصفة ١٦٦٨-١٦٨٣ م)؛ وهذا الكتاب لم يأخذ حظه في الدراسة، وإنما تم نشره في بداية القرن الماضي، ثم طباعته قبل سنوات دون تحقيق علمي يُذكر.
إسبانيا و الموريسكوس
‏نال يهود الأندلس من الدولة الإسبانية اعترافاً بظلمهم وهدر حقوقهم ،بعدما قررت حكومتها ‏اعتماد برنامج مصالحة مع التاريخ، ‏وقررت قبل سنوات منح الجنسية الاسبانية ‏لكل يهودي يثبت بأوراق ومستندات تاريخية انه من سلالة سفارديم الأندلس ‏أو يتقن لغة اللادينو التي كان يتحدث بها اليهود في المملكة الايبيرية في القرن الخامس عشر ميلادي، وحمل هذا القرار في طياته هدفا اقتصاديا تمثل في تشجيع يهود أمريكا اللاتينية على العودة مع اموالهم واستثماراتهم إلى إسبانيا؛ وله بعد عنصري واضح في تمييزه بين الموريسكيين ‏على أساس الدين، حيث منح اليهود وتجاهل المسلمين، علما أن الدولة الإسبانية حاولت جاهدة طمس تلك الفترة من تاريخها، لأن ما فعلته دولة فرناندو وإيزابيل كان مأساة إنسانية تعد الأكبر في تاريخ منطقة البحر الأبيض المتوسط ، كما وصفها باحثون ؛حيث طرد ما يقارب من ثمانمائة الف مسلم، وسبعين ألف يهودي، توزعوا بين الدول العربية، ومنطقة أمريكا الجنوبية، وتتحدث المعلومات عن أعداد من النازحين ‏من المسلمين واليهود عانوا بنفس المقدار في تلك الفترة، وظلوا متضامنين قريبين من بعضهم البعض، كما ساهم كل حسب استطاعته، في بناء مدن وأحياء في البلاد التي نزحوا إليها.
وما يحضرني ذكره اليوم ،هو ما كنت اسمعه في فنزويلا حين صدر القرار الاسباني، من اهتمام عائلات كثيرة بالعرض الإسباني، والبحث الجدي في نسلها وأصلها القديم طمعا في الحصول على الجنسية الاسبانية، و ما لفت نظري آنذاك، أن بعض العرب كان يفتش عن أصول أندلسية في عائلته مع كامل علمه أن القرار الإسباني حصر العفو بالموريسكيين اليهود.
يتبع: الجزء الثاني “ألموريسكوس في البيرو”..
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى