«أعداء» ترامب و«أصدقاؤه».. العالم يتحضر للمواجهة!
“المدارنت”
تحدّث الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في خطابه الأخير في منتدى دافوس عن أن القاعة، المليئة بزعماء الدول وكبار الشخصيات المؤثرة في العالم، تحتوي «الكثير من الأصدقاء والقليل من الأعداء». أثارت الجملة السخرية والقلق لأن الخطاب كان مليئا، كالعادة، بالعدوانية التي تميز آراء ترامب، والتي توضّح أن منطق الرئيس الأمريكي حول «الأصدقاء» و«الأعداء» هو نفسه، وهو منطق إخضاعهم لمصالح إدارته، ولذلك فإن خطابه لم يستثن الدولة المضيفة، سويسرا، ولا الدنمارك، التي خسرت أكبر عدد ضحايا في حرب أفغانستان، خلال انتظامها في حلف واشنطن «ضد الإرهاب»، وهي الآن الدولة التي ينازعها سيادتها على جزيرة غرينلاند، وشملت قائمة من هاجمهم النرويج والرئيس الفرنسي ثم أوروبا بمجملها التي انتقد بشدة سياساتها في قضايا الهجرة والأمن والاقتصاد، قائلا إنه بدون أمريكا «لن تتمكن معظم الدول حتى من تسيير شؤونها».
الخطابات المحقّرة والمزدرية للدول الأخرى ليست سوى الشكل «المهذّب» الذي يعبّر عنه فعليا باستخدام وسائل فرض بالقوة، وأشكال الضغوط العسكرية والاقتصادية المدمرة، كما حصل مؤخرا في فنزويلا، وما يجري حاليا في الصراع مع إيران (التي تحدث ترامب أمس الأربعاء عن تحريك أسطول حربي آخر في اتجاهها).
ويجب الاعتراف أن أسلوب ترامب، الذي يرفع شعار «أمريكا أولا»، يرتبط أيضا بسياساته الداخلية، فتقويض النظام العالمي، واحتقار القوانين الدولية، وتمكين شخصيات محسوبة عليه في تقرير مصائر العالم، يتشابه مع ما يحصل من تعيين شخصيات غير مؤهلة لقيادة مؤسسات أمريكية كبرى كوزارة الصحة والخدمات الإنسانية ومكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة الأمن الداخلي، ومفاقمته، خلال ولايته الأولى، لقضايا المهاجرين والحدود لتعزيز الانقسامات في المجتمع الأمريكي، ثم تعامله معها بقسوة مذهلة بعد نجاحه في الحصول على ولايته الثانية، وهو ما أدى لتوتّر هائل ظهرت آثاره الفظيعة في التعامل مع ولاية مينيسوتا.
كان إعلان انضمام 26 دولة لـ«مجلس السلام» الذي تخطى بقصد حيثيات قرار «مجلس الأمن» بشأن غزة إظهارا لكيان عالمي بقيادته شخصيا، والتجلّي السياسيّ الأوضح لمساعي ترامب الواضحة لتقويض سلطة منظمة الأمم المتحدة والنظام العالمي الناشئ بعد الحرب العالمية الثانية.
في الوقت الذي حظيت في كندا أيضا، الجارة ذات الحدود الأكبر مع الولايات المتحدة، بنصيبها من الهجوم في خطاب ترامب، فقد مثّل خطاب رئيس وزراء كندا مارك كارني نقطة تحوّل عالمية في مواجهة ترامب، والذي قال فيه إن زمن التسليم بالقيادة الأمريكية من دون شروط قد ولى، وأن النظام العالمي القائم على القوانين الذي تقوده أمريكا قد انتهى.
النقطة الأهم في خطاب كارني كانت إعلانه عن وجود مسار ثالث بين الهيمنة والخضوع، وهو العمل على إنشاء قوة (أو قوى) تواجه القوة الأمريكية الغاشمة.
صحيح أن بعض الدول، بما فيها دول كبرى كاليابان، أعلنت، راضية أو مضطرة، إلى الخضوع لهيمنة ترامب، والانضواء في خططه، فإن هناك تحرّكات كبرى نشهدها، كما رأينا في الاتفاقية التي عقدها الاتحاد الأوروبي مع الهند، وفي زيارة رئيس وزراء بريطانيا الحالي كير ستارمر، وهي الحليفة الأوثق لترامب، إلى الصين، وكذلك ما رأيناه ضمن دوائر إقليمية أخرى، مثل التقارب الموضوعي الحاصل بين السعودية وتركيا وباكستان، وهو ما انعكس أثره بداية في اليمن والصومال والسودان.
على عكس ما يعتقد ترامب فإن ما يقوم به لا يؤسس لأمريكا أقوى. كان العالم يقبل قيادة الولايات المتحدة لأنها كانت راعيا موثوقا للنظام الدولي، وكان يستلهم منظومتها لأنها كانت مثالا جليا على قدرات الديمقراطية والمؤسساتية والقانون، أما وقد تحوّلت إلى تقويض النظم والمؤسسات والقيم فلا خيار أمام الآخرين سوى التكيّف والمواجهة.



