مقالات
“ألاخوان المسلمون” من الحضانة التركيّة الى الحضن الايرانيّ..!

في كثير من النقاشات التي دارت بيني وبين أعضاء في تنظيمات “الاخوان المسلمون”، التي اتّخذت لنفسها أسماء مختلفة، للموافقة مع المكان والظروف المحيطة، على مواقع التواصل الاجتماعيّ وفي النقاشات المباشرة، كنت اسألهم، أثناء حماسهم اللامحدود للرئيس التركيّ رجب طيِّب أردوغان، وشتمِهِم لكلّ من ينتقد او ينتقد سياساته العربيّة، ماذا ستفعلون عندما يبيعكم أردوغان في صفقة مناسبة؟!
هذا السؤال كان يزعجهم جدًّا، ويقلقُهم الى حدِّ انّ معظمهم ألغوا صداقتي على صفحاتهم، بعد سيل من الشتائم والسِباب لي ولجمال عبد الناصر، ولكلّ القوميّين العرب احياءً وأمواتا.
لكنني لم أكن أحاول إغاظة أحد، بقدر ما كنت متأكِّدًا من أنّ اليوم الذي سيشعر فيه أردوغان بأنّ “الاخوان” عبءٌ عليه، سيتخلّى عنهم، أو عندما يأتيه الثمن المناسب لبيعهم، فانّه لن يتردّد في فعل ذلك.
كنت متأكِّدًا، مثلي مثل الكثيرين من المتابعين للحركات السياسيّة والدينوسياسيّة في الوطن العربيّ، لسببين:
ألأول: هو انّ أردوغان سياسيّ “براغماتيّ” يفتِّش عن مصلحته باستمرار، وعن مصلحة تركيا، ومجبَر على تحقيق مصلحة حلفائه الدوليّين والاقليميّين.
ألثاني: هو انّ تنظيم “الاخوان المسلمون”، تمّ تأسيسه عام 1928 ليكون أداة بيد الخارج – وهذه مسألة أصبحت معروفة ومفصّلة في العديد من الكتب، والتصريحات التي ظهرت في السنين الماضية – ولذلك، هو للاستخدام حيث تدعو الحاجة، ولا يمكن أن يكون جهة للتحالف معها بايّ شكل من الأشكال.
معضلة هذا التنظيم، او الجماعة، الاساسيّة، هي عدم قدرته على فرز قيادات قادرة على الحكم، لأنّ تركيبته تعتمد على الولاء والبراء، حيث الطاعة العمياء للمسؤول التنظيميّ من دون نقاش، وتنفيذ الأوامر باعتبارها جزءًا من الإيمان بالله ورسوله ورسالة الإسلام ومن العقيدة؛ بينما حقيقة الدين الحنيف، تختلف كلِّيًّا عن هذه الأفكار والمسارات؛ فهي تحترم الإنسان وحقّه في حرِّيّة الرأي والاختيار والنقاش – وهذا واضح كلّ الوضوح في كلّ الآيات القرآنيّة التي تقارب هذا المسائل، وفي سيرة وحياة الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، العمليّة جملةً وتفصيلا.
لقد حكموا السودان، لثلاثين سنة، فأفقروها، وقسّموها الى ان انتفض الناس ضدّهم، وتحوّلوا أخيرًا الى قبول الاعتراف بالعدوّ الصهيونيّ، واستقرّ وضعهُم في مصر أنور السادات، الذي قرّبهم من السلطة، وسمح لهم بتلقّي الأموال من المملكة العربيّة السعوديّة ودول النفط الأخرى، التي انقلبوا عليها، بعد أن أخذوا منها عشرات مليارات من الدولارات، وأصبحوا يهدِّدون انظمتها، لمساعدته في القضاء على إرث جمال عبد الناصر، إرضاءً لأميركا وحلفائها، ثمّ شاركوا في الحكم مع حسني مبارك، حتّى خروجه من السلطة بثورة شعبيّة، انضمّوا اليها في آخر أيامها – عندما أُفهِموا بأنّها ستنجح – وركبوا موجتها الى ان تمّ انتخاب رئيس منهم (محمد مرسي) في انتخابات ديموقراطيّة عام 2012 – حيث كانوا التنظيم الوحيد المسموح له بالعمل السياسيّ بخرِّيَّة تامّة، خارج حزب سلطة حسني مبارك، فاستفادوا من فراغ الساحة من الأحزاب المنظّمة القادرة على خوض انتخابات على مستوى البلاد.
لم يستطيعوا حكم مصر، بواجهة محمد مرسي، الّا لفترة وجيزة، للأسباب التي ذكرناها سابقًا، فقامت المظاهرات والاحتجاجات الشعبيّة، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر، الى ان تدخّل الجيش، أخيرًا، وأقصاهم عن السلطة، ففرّ معظم “قياداتهم” الى تركيا، حيث تلقّفهم أردوغان، ليكونوا بوّابته الواسعة الى تفاصيل المجتمعات العربيّة، وادواته في تدخُّلِه في شؤون الدول العربيّة، ووقودًا لمحاولات إحياء الامبرطوريّة العثمانيّة، وجسورًا لتحقيق اطماعه في أرض العرب.
كذلك هم يحكمون جزئيًّا، في المغرب وفي موريتانيا وتونس، وأثبتوا بشكل لا لبس فيه، أنّ شعاراتهم “الاسلاميّة” التي يرفعونها خارج السلطة، ليست الّا من “عدّة” الحملات الدعائيّة لتمكينهم من الوصول الى السلطة بأيّ ثمن – لا أكثر ولا اقلّ.
بعد سنوات من الحروب، التي كانت تنظيمات وميليشيات “الاخوان المسلمون” أدواتها، تحت العديد من التسميات، تمّ تدمير وتخريب معظم دول المشرق العربيّ، وليبيا، وحان وقت التخلّي عنهم، وبيعهم او مقايضتهم في صفقات متعدِّدة مع من يهمّهم الأمر.
إذن، الى اين سيذهبون بعدما يتخلّى عنهم أردوغان؟ برأيي، إنّ إيران هي وجهتهم التالية، لانّ فكرهم السياسيّ هو نفس فكر الذين يحكمون “الجمهوريّة الاسلاميّة” – مع اختلاف التسميات وبعض المصطلحات.
روت مجموعة من “الاسلاميّين”، كانت قد التقت الامام الخميني، وطلبت منه مساعدتها من أجل إنشاء حزب رديف له في مصر، عند نجاح الثورة “الاسلاميّة” في ايران، أنّه قد نصحهم بالانضمام الى جماعة “الاخوان المسلمون” – فرعنا في بلاد العرب – واشاد بسيِّد قطب وبجماعة “الاخوان المسلمون” ، وقد تمّ ، فعلًا ، تسمية احد الشوارع باسم سيّد قطب.
هل تكون إيران، هي المُشغِّل البديل لأردوغان، بعدما اقتنع الأخير بعدم القدرة على إحياء الأمبراطوريّة العثمانيّة لمئة سبب وسبب؟!
هل ينضم “الاخوان المسلمون” الى مشروع إحياء الأمبراطوريّة الفارسيّة، التي لها حظوظ أكثر بسبب هيمنة إيران في العراق وسوريا واليمن ولبنان – حسب تصريحات المسؤولين الايرانيّين العلنيّة والمتكرِّرة؟!
ألأشهر القليلة القادمة، إن لم نقل الاسابيع والايام، وحدها ستكشف ما كان خافيًا.
======================



