ألشجاعة التي تفقد زمام الحكمة!

خاص “المدارنت”..
بدأت العملية العسكرية لحركة “حماس”، تتّخذ منحى “مأساويّا” على الصعيد الانسانيّ؛ فقد انطلقت في نخبة من المقاتلين المدرّبين الشجعان، مخترقة دفاعات العدوّ، محرّرة بعض الأراضي الفلسطينية من مغتصبيها المستوطنين، مكبّدة العدوّ خسائر فادحة في الأرواح، محتجزة العديد الكبير من الأسرى، وكانت في ذلك كلّه مستفيدة من عنصر المفاجأة الذي أوقع “الإسرائيليّ” (الصهيوني) في إرباك كبير، جعله أحيانًا يسدّد ضرباته نحو جنوده.
كان في ذهن القيادة أنّ عمليتها العسكرية، ستحقّق أهدافها من دون شكّ لما في حوزتها من عوامل تساعد على الإنتصار. ومن هذه العوامل:
أولًا: عقيدة راسخة بأنّ الله ناصرهم لا محالة، وهم يدافعون عن أرضهم ومقدّساتهم، ومستعدّون للاستشهاد في سبيلها (1).
ثانيًا: نخبة من المقاتلين الأشدّاء، تدرّبوا طويلًا لهذه الغاية، وكمّ وفير من الصواريخ والمسيّرات والأسلحة الأخرى جاهز لهذه المهمّة.
ثالثًا: تصوّرات مسبقة منها:
1 – أنّ “إسرائيل” (الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين)/ غير قادرة على تحمّل أعداد كبيرة من القتلى والأسرى في صفوفها؛ لذلك، فإنّ مقتل الكثيرين منها سيكلّفها غاليًا، ممّا يجعلها أكثر استعدادًا للتسليم بالأمر الواقع.
من هنا، كان سعي الحركة منذ البداية لتحقيق هذا الغرض؛ وقد شهدنا كيف استغلّت ذلك، وعمدت إلى تأليب الرأي الدولي ضدّهم، بعد أن نعتت أهل غزة بـ”الحيوانات البشرية والداعشيين”.
2 – إنّ القيام بهذه الهجمة المباغتة من شأنه أن يلقى دعمًا مباشرًا، عربيًا وإقليميًا، ويوفّر قدرة أكبر لهم على المواجهة والصمود، كما سيفتح ساحات أخرى للمواجهة، ممّا يشتّت طاقات العدوّ، ويبدّد قدرته على الردّ.
مثل هذه التصوّرات، وغيرها، كانت تشجّع الحركة على ركوب هذا المركب الخشن، والقيام بهذه المغامرة الخطيرة.
لكنّ ما كان خارج حساباتهم على ما يبدو، يتمثّل في الآتي:
1 – إنّ دافع إعادة الهيبة والانتقام، سيجعل من عدوّهم المزوّد بأفتك الأسلحة الحديثة، وأشدّها بطشًا وتدميرًا، والمطبوع على غطرسة القوّة والجريمة، سيجعل منه وحشًا قاتلًا، لا يتورّع عن ارتكاب أبشع جرائم الحرب ضدّ الإنسانية من أجل تحقيق ما يريد.
2 – ما لم يكن في حسبانه أيضًا، أنّ قوّة الدعم والمساندة العربية أو الاقليميّة المأمولة، لن تزيد كثيرًا عن إبداء التعاطف اللفظيّ، وتحرير البيانات الحماسيّة التي تفتقر الى المضمون العمليّ الفاعل.
3 – وما لم يكن في الحسبان كذلك، هو أنّ العدوّ “الإسرائيليّ” (الصهيوني)، بما يملكه من سلاح متطوّر فتّاك، وما هي عليه قياداته من طبيعة إجراميّة سافرة، يمكن أن يشنّ حرب إبادة جماعية، لا تقيم وزنًا للأعراف والمواثيق الدوليّة. وهذا ما نراه يفعله في الأيّام الأخيرة بدافع من غريزة الإنتقام.
ولعلّ ما يبدو ساطعًا أمام الأعين من حصار مشدّد على مليونيّ فلسطينيّ في رقعة جغرافيّة بمساحة 360 كلم، ومنعه الماء والكهرباء والمواد الغذائية والطبية عنها، لأبرز دليل على الوحشيّة المتأصلة لدى القيادات العسكريّة “الإسرائيلية”.
لا أدري ما إذا كانت القيادة في “غزة”، وضعت في حسابها مثل هذا وأعدّت له عدّته.
في تقديرنا أنّ مثل هذه الحسابات، لم تُعَر العناية اللازمة، ممّا قد يُلحِق بالقضيّة الفلسطينية العادلة عواقب وخيمة.
نحن نعلم جيّدًا، أنّ قيادة “حماس”، ذات حسّ وطنيّ وإسلاميّ عال، وأنّ همّها الأوّل هو انتصار قضيّتها الوطنيّة والإسلامية، وأنّ أوضاع غزّة بلغت مبلغًا لا يطاق على الصعد المختلفة، وأنّ مقاتليها في الميدان، قد أبلوا بلاءً عظيمًا، وكانوا يسترشدون بعقيدتهم، ويؤمنون بما قُدِر لهم من غلبة وانتصار؛ ولكنّ الشجاعة التي تفقد زمام الحكمة تغدو مخاطرة، قد تصل بصاحبها الى إلى مستوى الكارثة.
وإذا كان الوضع مرشّحًا لبلوغ هذا الحدّ، فواجب الأمة أن تنحرّك على المستويات كافّة لنصرة أولئك المحاصرين من أبطال غزّة، وجماهيرها الصامدة الصابرة.
===========
(2) من الآيات القرآنية التي تدفعهم في هذا المجال:
“أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ”.. (الحج، آية 39).
“الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ… وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”.. (الحج، آية (40).
… ” وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ”.. (الصافات/ آية 173).
لا. يجوز النظر الى هذه الايات، التي تحث على القتال بمعزل عن الآية الكريمة من سورة “الأنفال”.
“… وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ…”، التي تدعو المؤمنين إلى أن يعدّوا كل أنواع الاعداد قبل الانطلاق الى معركة مصيرية.



