مقالات
“أللبنانيّون”.. وَأوهامُ الانتخابات..!

خاص “المدارنت”..
تمايَزَ لبنان، منذ استقلالِه، بنظامهِ الفريد من نوعه في الديموقراطيّة القائمة على الطائفيّة والمذهبيّة، التي تبدو في ظاهرها، عملِيّة حُرّةً لتداول السلطة، وللتعبير عن الرأي، وإعطاء الفُرَص للمواطنين في مجالات الحياة من دون قيود.
لكنّ حقيقة الأمر، في العمق، بانت على أرض الواقع في أبشع صُوَر الاستغلال الذي مارسَهُ “اللبنانيّون”، على اختلاف مذاهبِهِم وأحزابِهم وجماعاتِهم وأفرادهم؛ إذ لم يكن ذلك النظام المُرَكّب، الّا طُرُقًا ومجالاتٍ مُلتَوِيَةً لكلّ أفراد “الشعوب اللبنانيّة”، من أجل ممارسة الفساد السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والأمنيّ، على اوسع نطاقٍ تبلُغُهُ مُخَيّلةُ اللبنانيّ، الغنِيّةُ بالتُراثِ التجاريّ المُبدِعِ والخلّاق!
لم يفهم “اللبنانيّ”، من الديموقراطيّة، التي هي في الأصل منهج حياة متكامل، الّا خوض الانتخابات بأوسخ وأحقر الطرق والاساليب، التي يعتقد انها تؤمِّن له مصالحَهُ الخاصّة، والتهجُّم على الآخرين، والتجريح بهم، بحجّة حرِّيَّة الرأي…
لم يفهم أنّ الديموقراطيّة، تعني فيما تعنيه، أن يُتقِنَ الإنسان عملَهُ، ولا يعتدي على حقوق الآخرين ويحترم خصوصيّاتِهِم، وانّ مؤسّسات الدولة هي للخدمة العامّة، وليست للسرقة والنهب والهدر، وأنّ السلطة هي الأدوات الفعّالة لإدارة شؤون الناس، بالعدل والتخطيط لحاضرهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، وليست للتسلُّط على رقابهم وقمعهم واذلالهم.
على أيّ حال، كان لسكّان لبنان الخيار في انتخاب من سيدير شؤون بلادهم من رئيس الجمهوريّة، حتّى أعضاء الهيئات البلديّة والاختياريّة، وجميع المؤسّسات التي يسري عليها قانون البلاد في هذا الأمر. لذلك، لا يمكن لهم القاء اللوم على أيّ قوّة خارجيّة، عدُوَّةٍ او صديقة، في ما تؤول اليه أحوالهم بسبب اختيارهم لمُمَثِّليهِم في كلِّ مراكز ومواقع الدولة ومؤسّساتها؛ باعتبار انّ مَن يعيِّن المسؤولين في كلّ الادارات، هم المُنتخَبون إلى المواقع المؤثِّرة والفاعلة والحاكمة في البلاد.
على مدى عشرات السنين كان “اللبنانيّون”، بشكل عام، الّا مَن رَحِمَ ربّي، ينتخبون مَن يؤمِّن لهم مصلحةً خاصة، او يدفع لهم ثمن “اصواتهم”، او من تؤيِّدُه عائلاتهم واحزابهم والنافذون من اقاربهم واصدقائهم.
لم تُسَجِّل الوقائع حالة واحدة، اقبلَ فيها “اللبنانيّون”، على انتخاب مَن هو الأصلح والأفضل والاقدر، على إدارة شؤون الموقع، او المنصب الذي سيتبوّأه المُرَشَّح في أيّ انتخابات؛ سواء كانت رئاسيّة او تشريعيّة او بلديّة أو اختياريّة او نقابيّة.
إذن، نظام الانتخابات “الحُرّة”، ليس جديدًا في لبنان، وانّما يقارب المئة سنة من العمر، فلا يحقّ لسكّان البلد، أن يرفعوا الصوت، الّا في وجوهِ أنفسِهِم ووجوه مَن انتخبوهم – هذا ان كان يحقّ لهم ذلك، بعد هذا المسار “الديموقراطيّ” الطويل!
لذلك، من يطالب بانتخابات مبكرة، أو من يعتقد انّ الانتخابات ستغيِّر من واقع الحال التمثيليّ شيئًا، فهو واهِم، لأنّ “الشعوب اللبنانيّة”، ستعتمد نفس المبدأ الذي اعتمدته في الاختيار طيلة عشرات السنين من محطّاتها الانتخابيّة؛ فمعظم الناس، يعتبرون الانتخابات موسِمًا للربح المادِّيّ، وتحقيق المصالح الخاصّة، وتمكين المواقع الاجتماعيّة والوظيفيّة وتنشيط الأدوار، التي عادة يقومون بها.
أمّا الواقع، فيقول: لا انتخابات طالما الوضع القائم، المؤشِّر الى خراب تامّ، يتحكّم بالناس وبمصائرهم جماعات وأفرادا. امّا اذا بقي “لبنان”، وحصلت الانتخابات، فلن يكون تغيير ذو شأنٍ يُذكَر في مجلس النوّاب، وستكون بعض التغييرات في الانتخابات البلديّة والتشريعيّة، التي تعتمد بشكل كبير، على مصالح الأحزاب والعائلات والأموال التي ينتظرُها كثيرون بفارغ الصبر..



