“إسرائيل” تتوجّس من لقاء ترامب وبن سلمان!

“المدارنت”
قلة هي اللقاءات التي تنجح في جمع كل هذا القدر من التأهب حولها – في واشنطن، والرياض و”القدس” – كذاك الذي سيعقد بين ترامب وبن سلمان.
ليس لأنه اللقاء الأول، بل لأن الرجلين يصلان هذه المرة إلى اللقاء فيما تقف المنظومات الداخلية في دولتيهما متفرغة لاستثمار وزن سياسي ذي مغزى في إعادة تصميم الشرق الأوسط.
إسرائيل تراها لحظة مؤثرة على نحو خاص: فرصة استراتيجية – لكنها أيضاً مفترق قد يخلق واقعاً إقليمياً إشكالياً، إذا ما تحرك في الاتجاه غير الصحيح من ناحيتها.
من زاوية نظر إسرائيلية، هذا اللقاء ليس أقل من حاسم. ترامب، الذي هو في ذروة ولايته الثانية ومعني بتصميم إرثه السياسي، يسعى لخلق خطوة كبيرة وذات مغزى في الساحة الدولية. أما بن سلمان فيريد اتفاقاً أمنياً رسمياً، وقدرة وصول إلى تكنولوجيا أمريكية متطورة ورفع مستوى مكانته في واشنطن.
وإسرائيل؟ تريد أن تبقي على تفوقها الاستراتيجي، وتضمن أن يتم كل التطبيع في ظل الحفاظ الكامل على مصالحها الأمنية، وأساساً ألا تفقد مكانها بكونها الوسيط الهام بين واشنطن والشرق الأوسط.
التحدي المركزي لإسرائيل هو في المكان الذي تكاد تلتقي فيه المصالح الأمريكية والسعودية – لكنها لا تتطابق بعد. يرى ترامب في تعزيز التحالفات في المنطقة جزءاً من ترميم المكانة الأمريكية في الساحة الدولية. ويرى بن سلمان في اتفاق أمني مرتب مع واشنطن مدماكاً مركزياً في تثبيت استقرار حكمه وفي المضي بـ “رؤيا 2030”. غير أن الثمن – التطبيع مع إسرائيل – يأتي مع شرط سعودي حاد وواضح: تقدم حقيقي وذو مغزى نحو أفق سياسي مع الفلسطينيين.
هكذا تجد إسرائيل نفسها في قلب شرك ديبلوماسي مركب؛ من جهة هي تحتاج إلى التطبيع مع السعودية – إنجاز استراتيجي من الدرجة الأولى كفيل بإحداث انعطافة عميقة في الساحة الإقليمية حيال إيران، ويعزز تحالفات النظام المعتدل ويضع إسرائيل في موقع قوة أوسع. ومن جهة أخرى، فإن كل تقدم يعتمد على تعهد سياسي في الساحة الفلسطينية سيضع الحكومة في عين عاصفة سياسية داخلية. وهذا حتى قبل الجانب الائتلافي: فالصراع ضد إقامة دولة فلسطينية هو عصفور روح رئيس الوزراء نتنياهو (أحدهم)، العلم والرمز.
وماذا بالنسبة لابن سلمان؟ رغم صورته الحازمة، فإنه يعمل اليوم بشكل مدروس جداً. ويفهم أن التطبيع مع إسرائيل هو محرك لتحسين مكانته في واشنطن، لتعزيز اقتصاد المملكة وتثبيته كزعيم إقليمي جديد، قوي ومؤثر ومسيطر. لكنه يفهم أيضاً قيوده: العالم العربي ينتظر مقابلاً إسرائيلياً جوهرياً، بخاصة بعد الحرب في غزة.
في إطار الاتصالات بين واشنطن والرياض، توضح السعودية بأنها لا تسارع لمنح ترامب إنجازاً سريعاً. فبعد أن انتخب لولاية أخرى، لم يعد يحتاج إلى تعزيز سياسي من هذا النوع. غير أن الحديث من ناحيتها يدور عن رافعة ضغط: إذا كان الأمريكيون يريدون اتفاقاً أمنياً سابقة، فعليهم التقدم في المسار الذي تقبل به الرياض.
في المقابل، يسعى ترامب ليثبت بأن الولايات المتحدة عادت لتكون اللاعب الذي يمسك بالمفاتيح في المنطقة، وهو لهذا الغرض يحتاج إلى تعاون سعودي – إسرائيلي.

بناء على ذلك، إسرائيل مطالبة بالسير على حبل رفيع: أن تبث بأنها معنية بثورة إقليمية، لكن ليس بأي ثمن: الحفاظ على علاقات الثقة مع البيت الأبيض، لكن دون أن تبدو كمن هي مستعدة لدفع ثمن استراتيجي؛ وتحاول الفهم إذا كانت الفجوات بين واشنطن والرياض عوائق حقيقة، أم أنها جزء من تكتيك مساومة معروفة من الزعيمين اللذين لا يخشيان من مفاوضات عنيدة.
وفي النهاية، هذه لحظة تراها إسرائيل اختباراً. لقاء ترامب – بن سلمان سيحسم إذا كانت إسرائيل ستواصل تصدر الخطوات في المنطقة، أم ستصبح لاعباً أقل مركزية مما كانت في الماضي. في المدى القصير، سيخلق اللقاء اتجاهات ريح؛ وفي المدى البعيد كفيل بأن يعيد تعريف حدود القوة والنفوذ الإسرائيلية في الشرق الأوسط المتغير.



