إعلان إنهاء الحرب شرط أساسي لنجاح مفاوضات الدوحة!
“المدارنت”
المفاوضات التي تجري في الدوحة بين الوسطاء، وكل من إسرائيل وحماس لا تأخذ في اعتبارها حقيقة أن جيش الاحتلال يقتل يوميا عشرات الأبرياء بالرصاص والتجويع، وكل يوم يمر من دون توقف الحرب يعني، أن هذه المذبحة اليومية التي يتلذذ بها جنود الاحتلال ستظل مستمرة. عشرات الأطفال والنساء والشباب الأبرياء يسقطون يوميا ضحايا أمام مصائد توزيع المساعدات الغذائية التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، و كذلك يسقطون في المستشفيات والخيام، وبين ركام البنايات المدمرة. وإذا كان هناك مطلب يجب تحقيقه فورا، ومن دون انتظار فهو، تحرير المساعدات الإنسانية من سيطرة الجيش الإسرائيلي، ووقف هجماته، وإنهاء دور ما يسمى مؤسسة غزة الإنسانية GHF، وإعادة مسؤولية توزيع المساعدات بأكملها إلى منظمات الأمم المتحدة، بمشاركة المنظمات المدنية الدولية المتعاونة معها مثل، الصليب الأحمر الدولي وأطباء بلا حدود.
لقد تحولت نقاط توزيع الغذاء التي تديرها مؤسسة غزة «اللاإنسانية»، إلى مصيدة لقتل الفلسطينيين، وإذلال كل من يقترب منها ويعود على قدميه. هذه المؤسسة الوحشية اللاإنسانية يجب أن ينتهي دورها فورا، لأنها وصمة عار على جبين البشرية، توجب إخضاع الصهيونية النازية للقانون الدولي، ومحاسبتها على جرائم حرب الإبادة الجماعية، التي ترتكبها بكل الطرق ضد الفلسطينيين. وإذا كانت حكومة تل أبيب تتلاعب بالوقت في مفاوضات الدوحة، من أجل إكمال جريمتها فيجب عدم السماح لها بذلك، ما قد يتطلب الدعوة الى تشكيل تحالف دولي من أجل وقف الحرب، وإتاحة المساعدات الغذائية والإنسانية لأكثر من مليونين من الجوعى والجرحى والمرضى من الأطفال والنساء والرجال في غزة، خصوصا مع امتداد الهجمات التدميرية إلى دير البلح.
ولا طريق لبناء الثقة في المستقبل، والمساعدة على نجاح المفاوضات، طالما استمرت حرب الإبادة بالقتل والتجويع والترحيل. ولن تستطيع إسرائيل الاستمرار في تضليل العالم، لأن الحقيقة العارية هي إنها تطلب أكثر من الاحتلال، تطلب إبادة غزة عن بكرة أبيها، وتدميرها تدميرا تاما، وتحويلها إلى أطلال، فتتم إزالتها وإقامة مستوطنات إسرائيلية محلها. ومع تدمير ما تبقى قائما في دير البلح، فإن أكثر من مليونين من سكان غزة سوف يصبحون نازحين في العراء، داخل منطقة لا تتجاوز مساحتها 30 كم مربعا، يحاصرها الجيش الإسرائيلي من كل جانب، ويمنع عنها كل الإمدادات الإنسانية.
لا طريق غير إنهاء الحرب
إن مدخل الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط هو، إصدار إعلان بإنهاء حرب الإبادة في غزة، ولا مدخل غير ذلك. ومهما كان تقارب المواقف بشأن تبادل الأسرى، أو خرائط الانسحاب، فإن ذلك قد يفتح طريقا لهدنة مؤقتة، ينفجر بعدها بركان الحرب من جديد. وطبقا لواحد من أهم السياسيين الأمريكيين العارفين بالصراع العربي – الإسرائيلي، وهو السفير دينيس روس، فإنه «حتى لو نجحت المحادثات الحالية بشأن وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما، فلن يتغير شيء، ما لم تنته الحرب في غزة، وإطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين، وانسحاب الجيش الإسرائيلي». وطبقا لروس فإن ترتيبات إنهاء الحرب يجب أن تتضمن إنشاء «إدارة انتقالية بقيادة الإمارات ومصر والمغرب والسعودية، بمشاركة السلطة الفلسطينية». (روس، بلومبرغ، إسرائيل لديها أفضل فرصة للسلام منذ 25 عاما، 17 يوليو الحالي). وفي السياق نفسه حذّر واحد من كبار الأكاديميين السياسيين في إسرائيل هو البروفيسور عازار غات (معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، 6 يوليو الحالي) من أن استمرار الحرب لن يكتب نهاية الصراع، وقال «إن ما لم نحققه عسكريا في غزة بعد عام ونصف العام، ربما لا يمكن تحقيقه»، داعيا إلى إعادة النظر في الأهداف التي وضعها نتنياهو واليمين الديني الإسرائيلي المتطرف للمفاوضات.
ولا يبدو أن الوسطاء وأطراف المفاوضات قد اتفقوا على صيغة إطار سياسي لإعلان وقف الحرب، ما يعني أن المفاوضات يمكن أن تتحول إلى مجرد وسيلة لتبرير استمرار حرب الإبادة. ومما لا شك فيه أن التفاصيل مهمة، ويجب التدقيق في كل جزء منها، لكن الأهم من ذلك هو أن يتفق الوسطاء والطرفين أولا على صيغة إعلان سياسي يحدد الغاية من المفاوضات، في نص واضح يقبل دمج مصالح الطرفين، إسرائيل والفلسطينيين. ويجب أن نعترف بأن هدف إسرائيل الأول الذي لا خلاف عليه هو استعادة المحتجزين الأحياء، وجثث الأموات. هذا هو ما يهم إسرائيل أولا، وما تريد تحقيقه بأقل تكلفة ممكنة، مع ضمانات وآليات لإقامة سلام دائم، ولو كان نتنياهو قد استطاع تحرير الأسرى، لما سعى للحفاظ على قنوات الاتصال غير المباشرة مع حماس مفتوحة، وأظن أنه لا يزال يراوده حلم أن تقع المقاومة في خطأ واحد يكشف طريقا للوصول إلى الأسرى واستعادتهم أحياء، لكن ليست لديه القدرة على ذلك، وسوف يتعين عليه المضي قدما في طريق يكرهه، لإرضاء أهالي المحتجزين، ألا وهو طريق الحل التفاوضي.
وإذا تسلم نتنياهو المحتجزين الأحياء وجثث الأموات، من دون إصدار بيان متفق عليه ومضمون دوليا، فإنه سيطلق العنان لجيشه لاستكمال حرب الإبادة، مهما كانت الضغوط. وسيعتبر أنه انتصر على حماس، ويحق له أن يستمر في حكم إسرائيل بموجب تفويض جديد من ناخبيه. وللحيلولة دون وقوع المفاوضات في منزلق يحقق لنتنياهو ما لم يتمكن من تحقيقه بالحرب، فإن المفاوضين والوسطاء يجب أن تكون لديهم خريطة واضحة عن غزة في اليوم التالي للحرب.
وضع العربة وراء الحصان
تجري إدارة المفاوضات الحالية في الدوحة بطريقة «وضع العربة أمام الحصان» بضغط من إسرائيل، وهي بذلك تحقق أهداف نتنياهو، لأنها تتسبب في إرهاق جميع الأطراف والوسطاء، بما في ذلك الأبرياء، الذين يقتلون كل يوم، وأهالي المحتجزين الإسرائيليين الذين ينتظرون عودة أبنائهم. ومن الضروري وضع العربة وراء الحصان، لإفساح الطريق للمفاوضات بالتقدم في الاتجاه الصحيح. ويتطلب ذلك أولا وقبل أي شيء النص في إعلان سياسي مضمون دوليا، يقضي بإنهاء الحرب، على أن الهدف النهائي للمفاوضات هو تحقيق السلام والتعايش الآمن بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، وإنهاء كل الإجراءات الاستثنائية، التي تحول دون تحقيق ذلك. وفي هذا السياق يتفق الطرفان من حيث المبدأ على إنهاء الحرب، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، وإنهاء حصار غزة تماما، وتبادل الأسرى والمحتجزين لدى كل من الطرفين، وإعادة مسؤولية توزيع المساعدات الإنسانية إلى الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، وإنشاء لجان شعبية لإدارة المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، على أن تكون هذه الإدارة مدعومة من الأمم المتحدة، بتفويض صريح من المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وإخلاء المناطق المحررة من المسلحين، باستثناء قوة أمنية نظامية، يتم تشكيلها بضمانات دولية، ويتم سحب الأسلحة غير النظامية من أيدي المسلحين تحت إشراف دولي، وفتح جميع المعابر لمرور الأفراد والبضائع تحت إشراف دولي، وإنهاء كل القيود المتعلقة بحرية التجارة، وتنقل الأفراد بين الأرض الفلسطينية المحتلة والعالم الخارجي. وفي هذا السياق يجب تأكيد حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، واختيار شكل العلاقة السلمية بينهم وبين إسرائيل، كما يتم إنهاء الحديث تماما عن خطة ترحيل الشعب الفلسطيني عن وطنه.
عودة السلطة الفلسطينية
تتبنى الدول العربية فكرة نقل مسؤولية الحكم في غزة بعد وقف الحرب إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، التي تتخذ من رام الله مقرا لها. مثل هذا الحل يعود بغزة إلى ما قبل انتخابات 2006، وكأن شيئا لم يكن خلال الأعوام العشرين الأخيرة! وأعتقد أن هذه الفكرة تحمل بصمات وصفة سياسية بائسة لإطلاق حرب أهلية مدمرة في الأرض الفلسطينية المحتلة بأكملها، وليس في قطاع غزة فقط. كما أنها تتعارض مع فكرة الإصلاح الضروري للسلطة نفسها، وهي فكرة تتفق عليها جميع الأطراف. ولحل التناقض الذي تنطوي عليه الفكرة، وتجنب إثارة حرب أهلية في قطاع غزة، يمكن نقل إدارة الأرض الفلسطينية المحتلة، حسب تعريف قرارات مجلس الأمن الدولي، إلى مفوضية فلسطينية – عربية – دولية مشتركة، تكون بمثابة سلطة انتداب مؤقتة، لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، يتم خلالها إطلاق عملية سياسية جديدة في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، تستهدف إعادة بناء المؤسسات السياسية والتشريعية والتنفيذية والقضائية، على أسس الديمقراطية والسلام والتعايش وإنهاء تشوهات فترة الاحتلال، وإعلان دستور جديد تتعهد بالعمل وفقا له، وبمساعدة المجتمع الدولي، مؤسسات الحكم الفلسطينية الجديدة، ويتم الاتفاق على آلية إنشاء هذه المؤسسات. إن الكفاح الوطني الفلسطيني من أجل حق تقرير المصير، والعيش في سلام، والسعي إلى مستقبل خال من الخوف وخطر الموت، يستحق تخليص نفسه من كل قيود الماضي وإخفاقاته.



