إنهاء عهد الردّة الشباطية في سوريا!

خاص “المدارنت”..
لم تكن الصور الصادمة التي نقلتها مختلف وسائل الإعلام العالمية والعربية للمعتقلين في سجون آل الأسد، بعد تحريرهم من قِبَل الفصائل الثائرة على النظام السوري السابق، سوى عيِّنَة للآلاف المؤلفة من العرب السوريين وغيرهم من الجنسيات، الذين رماهم النظام في آتون جحيم مُعْتقلاته، على مدى سنوات حُكْمه الأربع والخمسين، فبات كل من يدخل المعتقل « مفقودٌ »، بحكم زجّه من دون محاكمةٍ أو شفقة ورحمة، وذلك من منطلق اليقين لدى النظام.
إن كراهيته لا تقتصر على ابن سوريا، دون غيرها من الأقطار، وهو الذي لم يكن ليُمَيِّز بين قيادات ومسؤولين كبار، سواء من كانوا الأقرب إلى حافظ الأسد من السوريين، الذين أولوه المسؤولية كوزير للدفاع بعد الانقلاب الشباطي، على القيادة الشرعية للحزب عام 1966، كالرئيس الأسبق نور الدين الأتاسي، ورئيس وزرائه يوسف زعيّن، فاللواء صلاح جديد وغيرهم… مرورًا بقيادات عربية من طراز ضافي جمعاني الأردني، ومحمود بيضون اللبناني، على سبيل المثال لا الحصر، وصولًا إلى مُعْتقلين بُسطاء فُقراء، أودت بهم الشُّبهات، وكتابة التقارير، وتشابه الأسماء إلى المعتقلات، من دون أن يكون لهم أي انتماءٍ حزبيٍّ أو سياسيٍّ يتذرع به النظام، سوى الظلم الذي نشره على القاصي والداني، لم يستثن منه حتى من سانده في تثبيت حكمه، بمن فيهم الشقيق الذي في رقبته دماء أكثر من أربعين ألف شهيدًا من أبناء حماه، يوم دمر المدينة عن بكرة أبيها، مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بأوامر رئاسية، وانتهى من كل هؤلاء بغية التوريث للابن الثاني، الذي أرْسى سفينة حُكْم أبيه مُقدمًا نفسه للشعب السوري كطبيب للعيون، إنساني المسلك، منفتح على الحداثة والحريات، وتمثل أول امتحان له في مواجهة من صدقوه، وذلك عندما أجهض «ربيع دمشق» في مهده من قناعة موروثة عن والده، مفادها:
• ضع كل معارضيك في السجن حتى تفنى عظامهم، ويموتون فيه…
لقد كان القائد المؤسس لـ”حزب البعث العربي الاشتراكي” الأستاذ ميشال عفلق، أول من مارس النظام حقده عليه، ولم يكتفِ بزجّه في السجن، والحكم عليه بالإعدام، لولا أن رفاقه دبّروا له عملية إخراجه السرية إلى لبنان، ليغتالوا بعدها الأستاذ صلاح البيطار، واللواء محمد عمران، وشيطنة الرموز والقيادات الشرعية الأخرى، وتخييرها بين الولاء الأعمى أو السجن الأبدي، أو الإبعاد القسري أبد الدهر عن ارض الوطن، بعد أن جرى سرقة اسم الحزب أيضًا، وجعله عُنْوانًا لحكمه وجبروته، لدرجة أن من لا يعرف ببواطن الأمور، وصل إلى حدود الكفر بـ « البعث »، والفكر القومي، طالما هو على شاكلة ما يصدر عن هذا النظام من سلوك ومواقف.
هذا النظام الذي لم يكن ليصدق الناس أجرامه، عندما كان يُنكّل بمناضلي ومناضلات البعث، فكان الإعلام الخارجي يعزو ذلك إلى الخلاف السوري العراقي، فيما كان النظام المُسْتفيد الأول من ترويج هذه المقولة، ليصنع من نفسه ندًا للحزب الشرعي الحاكم في العراق، من دون أن ننسى اغتياله لخيرة المُناضلين من أبناء الأمة، وزج المئات منهم في السجون، وتشريد الآلاف أيضا من عوائلهم في بلاد الله الواسعة، خشية التنكيل والارهاب. صحيح أنها لحظة الحقيقة التي انتظرها السوريون قبل غيرهم، ولكن من اكتوى بسياسة النظام هي الأمة بمختلف تكويناتها وأطيافها، يوم كرَّس الطائفية سبيلًا لتكريس حكمه، وأوهم الناس الغلابة أن زواله لا يعني سوى زوالهم، ولم يقتصر تسويقه لهذه الأكذوبة الخدعة، إنما أدى إلى دفع كل العصبيات الطائفية والمذهبية إلى الاستنفار، واللجوء إلى خصوصياتها الذاتية، على حساب الوطن، والمواطنة، والعرب والعروبة…
إن ما لدى المعارضة اليوم الكثير من الملفات لفتحها، ليس من منطلق المحاسبة وحسب، وإنما لفضح حقيقة من أعلن الانتماء للعروبة، ومن ثم طعنها في قلبها، وجعل الناس يكفرون بها، بعد أن كفروا به وبنظامه، ولو لم يرتكب هذا النظام أية جريمة وطلب إبراء نفسه منها، ستبقى قضية المعتقلين لوحدها وصمة العار التي لحقت بسنواته الأربع والخمسين، وإن حياة من أمضوا أعمارهم في سُجونه، وخرجوا اليوم كالتائهين فاقدي الذاكرة، الأشبه بالموتى، كفيلة بوضع المحكمة الجنائية الدولية يدها على ملفاتهم جميعًا، وإصدار قرارات دولية صارمة، سواء بالتعويض عليهم، او باقتياد رأس النظام وأعوانه إلى المحاكمات العلنية، وأمام الـرأي العـام العالمـي والعربـي والسـوري.
ولنا في قصَّة معتقل «صيدنايا» لوحدها، وما فيه من طبقات التعذيب والرعب والإجرام، فوق الأرض وتحتها، بما فيها المبنى الأحمر وغيره من مقابر الأحياء ما يكفي إلى ذلك، فالذي استطاع الحكم على الرئيس الروسي بالاعتقال، وكرَّر ذلك بالأمس مع نتنياهو وغالانت على جرائمهم بحق الشعب الفلسطيني، لهو قادر على ذلك غدًا مع نظام الأسد وحاشيته وكل من أمدَّه بعوامل الدعم والاستمرار، حتى إعلان سُقوطه في الثامن من كانون أول، ديسمبر عام 2024.
لقد أكد مدير الدفاع المدني في منظمة الخوَذ البيضاء، أن ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف معتقل ومختفٍ ومغيّب، ما زالوا حتى الآن في غياهب سجون هذا النظام، في االزنازين المكتشفة، والمشفرة الأبواب، وغير المكتشفة بعد، وهو الذي لم يوفر حتى النساء، والحوامل، والعجائز، والأطفال، والبنات العذارى، من العيش في طبقات الرُّعْب داخل سُجونه، ومن لم يسمع بعد بتلك السجينة الخارجة لتوها من معتقل صيدنايا وتصرُخ قائلةً: انسجنت وكان عمري 19 عامًا، عزباء، وخرجت عمري 32 وعندي ثلاثة أطفال، لا أعرف آباءهم…!
إن ثورة التغيير على هذا النظام في الثامن من كانون أول 2024، قد أثبتت عن موقف حضاري، بدعوتها المواطنين الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، ولم تسع إلى المُعاملة الأمنية والمُخابراتية بالمثل… وهي مُطالَبة اليوم ببذل كل الجهود التي تحض على التمسك بالوحدة الوطنية لكافة أطياف الشعب السوري، والحفاظ على السيادة على كل تراب الوطن، في مواجهة الأطماع الإقليميَّة والخارجية، من دون إغفال الاحتلال الصهيوني للجولان، الذي لم يتوقف عن عدوانيته وطمعه، في قضم المزيد من أرض الوطن.
إن تضميد جراح الشعب والوطن اليوم، لا يمكن أن تتم بين ليلة وضُحاها، ولا بد للمرحلة الانتقالية من الحكم الجديد، أن تؤكد على أن سوريا القلب النابض للعروبة، لا يخفق إلا على دقات الحريَّة، والديمقراطيَّة، ومبادئ حقوق الإنسان… وإن على مثقفي، وكتاب، وفناني سوريا، المبادرة منذ اليوم، إلى توثيق المرحلة البائدة، وفضحها، والتحذير من تكرارها في أدبياتهم وفنونهم، وهم الذين يملكون الباع الطويل في ذلك، فكانوا بالأمس مُجبَرين على تمجيد رأس النظام، وخليفته بوصفه في كل أعمالهم بـ «القائد الخالد». ولا يجب بعد اليوم أن يكون ما يعيقهم عن تكبيل أقلامهم، وكبحها في سبيل سوريا الجديدة، الحرة، الديموقراطية، الموحدة لكل أبنائها، وغير المنسوبة لأيَّة عائلةٍ، أو أيِّ فرد…



