إنهيار الغرب الحضاري..!

خاص “المدارنت”..
يتواصل العدوان الصهيوني على غزة، مرتكبًا ابشع مجازر الإبادة الجماعية، والتدمير الممنهج لكل مظاهر الحياة، لكل مقومات الحياة، الغالبية الساحقة إن لم يكن جميع ضحاياه من المدنيين، أطفال، إستشهد منهم حتى الآن ما يزيد على 17,000 طفل، وعشرات الآلاف من النساء والمُسنّين.
لا إحترام ولا إعتبار لأيّ قيمة إنسانية، لا إعتبار ولا إحترام لأيّ قاعدة من قواعد الحروب والنزاعات المسلحة، القتل المتعمد للإعلاميين، وللأطباء والأطقم الطبية، إقتحام وتخريب وإحراق مستشفيات، حتى المقابر لم تسلم من همجية جيش العدوان الإسرائيلي، تجويع وحصار طبي وغذائي ودوائي، تفنن في إبتكار وسائل القتل والتدمير، إستخدام كل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا، حرّمتها إتفاقيات دولية ومواثيق المنظمات العالمية، ممارسات إجرامية موثقة ومصورة ومنقولة عبر وسائل الإعلام، تصل إلى مرأى ومسمع كل العالم المتحضر والمتخلف، الغني والفقير، الكبير والصغير..
إنتهاك لكل القواعد والضوابط التي تنصّ عليها المنظمات الدولية والأممية، المنظمات التي أنشأتها دول العالم المُسمّى متحضرا على أثر الحرب العالمية (الأوروبية) الثانية، ووضع المشرعون الغربيون أنفسهم قواعد تضبط حدود التعاطي العسكري للجيوش في الحروب، تشدد على حماية المدنيين، ومعاملة الأسرى، أسرى الحرب، بالحسنى، وحماية وتحييد المستشفيات والمراكز الصحية والصحافة ووسائل الإعلام والإعلاميين، حظر إستخدام أسلحة بعينها، لما تتسبب به من تدمير واسع وشامل..
تلك المنظمات، وما أصدرته من مواثيق وقواعد وضوابط، كانت تمثل تقدما إنسانيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بإعتبارها تضع حدا لإنفلات القيود العسكرية في الحروب، وتلزم الجيوش المتقاتلة بضوابط تؤمن حدا مقبولا من حماية المدنيين، وعدم الإمتناع عن توفير مقومات الحياة لهم رغم كل ظروف القتال..
فكانت منظمة الأمم المتحدة، وما تفرع منها من منظمات في مختلف الشؤون: الصحة العالمية، اليونيسيف لحماية الطفولة ورعايتها، الغذاء العالمي، محكمة العدل الدولية، المحكمة الجنائية الدولية، الصليب الأحمر الدولي، إتفاقية جنيف، حماية البيئة وتقييد الإنبعاث الحراري والكربوني..
إن جميع مواثيق هذه المنظمات، تنصّ على تحييد وحماية المدنيين والجسم الطبي والجسم الإعلامي، وتسهيل عملهم في حماية المدنيين والبيئة والصحة وفي توفير الغذاء والدواء والرعاية الصحية..
المهم في الأمر، أن هذه المنظمات ومواثيقها وضوابط مهماتها؛ أنشأتها دول الغرب، وتعهدت بإحترامها وتسهيل أعمالها..
ها هي دولة الكيان العنصري الصهيوني، تنتهك كل تلك الإتفاقيات والمواثيق، وتدوس عليها كل يوم وكل ساعة، ولا تخفي ما ترتكبه بل تتبجح به وكأنه إنجاز تحققه، ودول الغرب الأوروبي والأميركي، ترى وتسمع وتعرف كل ما ترتكبه جيوش الإحتلال، وتسكت عنه،، بل تبرره وتسوّقه بحجج ساقطة كاذبة معروفة.
والاخطر، أن معظمها تدعم العدوان وتمده بالمزيد من القوة والمال والسلاح والرعاية، فأصبحت شريكة فعلية في العدوان، وليست مجرد راع أو شيطان أخرس يرى الحقيقة فيسكت عنها.
من الموضوعية القول، أن الولايات المتحدة هي قوة العدوان الاولى والأساسية، ولولا دعمها اللا محدود واللا مشروط للعدوان ودولته وجيشه، لما تمكن من الإستمرار وإرتكاب أشنع المجازر بأكثر أسلحة الدمار الشامل فتكا وتخريبا، ثم تدّعي لنفسها الحياد، لتتعامل كوسيط كاذب، فيما هو العدو الاكبر والشيطان الرجيم الملعون..
وعلى الرغم من أن بعض الدول الأوروبية، لا تخفي دعمها لدولة العدوان، إلا أن دولا أخرى تدعمها بالخفاء وبأشكال وأساليب متنوعة وفي كل المجالات.
ومن المحزن المخزي حقا، أن غالبية دول العالم الأخرى، الاول والثاني والثالث والعاشر، تصمت عن العدوان، وتمتنع عن إدانته، وإن كان بعضها القليل أدانه وطالب بفرض حظر على العدو والإمتناع عن التعاون معه، فكان الموقف المشرف لدولة جنوب أفريقيا بتبنيها لقضية وقف العدوان، وما صاحبه من تحرك لمحكمة العدل الدولية والجنائية الدولية..
إن الداعم الأول والرئيسي لدولة العدو، هي دول الغرب الإستعماري بركنيه الاميركي والأوروبي، وهي ذات الدول التي حملت “رسالة” حقوق الإنسان والحريات ونشر الديموقراطية في العالم في مرحلة ما بعد الحرب الثانية العالمية، وهي التي اسهمت إسهامًا اسهامًا في وضع المواثيق الضابطة للسلوك العسكري في الحروب عبر المنظمات الاممية المذكورة..
فلماذا لا تلتزم بهذه المواثيق وتجبر الكيان الصهيوني على إحترامها؟ّ
كيف تسمح هذه الدول لذاتها بمساندة إنتهاكات “إسرائيل”، لقواعد ومواثيق وقوانين المنظمات الدولية وهي التي وضعتها؟
ما هي المبررات التي تتغطى بها وتتصرف على أساسها تلك الدول؟! كيف لهذا الغرب المتقدم “المتحضر”، أن يحاصر عقول البشر ونفوسهم، بالحديث المسهب عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، فيما يدعم مجازر بني صهيون، بلا حدود وبلا ضوابط من أي نوع؟!
هذا العالم الغربي ذاته الذي يحاصرنا بالحديث المتواصل عن حقوق الإنسان! أليس هذا هو بعينه السقوط الإخلاقي والفكري والثقافي لهذا الغرب المجرم الذي يغزونا بقيمه المنحلة المنحطة بالعولمة الرأسمالية الفاسدة؟ كيف يقبل على نفسه تأييد هذه الإبادة المستمرة في غزة وفلسطين، بكل ما فيها من إجرام؟! ثم يتحدث عن القانون الدولي والديموقراطية!
كيف لهذا الغرب أن يلاحق دولة هنا وشعبا هناك بحجج إستعلائية إستعمارية فاجرة، في حين يدعم عدوان “إسرائيل” الوحشي من دون حدود، ومن دون روادع؟! ومن نصّبه شرطيا على العالم أو حاكما متحكما به؟!
ولمن يقرأ التاريخ ويعرف طبيعة سلوكيات دول الغرب، وتعاملها الإجرامي مع شعوب العالم وأممه؛ يدرك المضمون الإستعماري لها وخلفياتها العدوانية الحاقدة الطامعة المتنكرة لأي حق ولكل عدل وكل قانون أخلاقي، فمنذ أن تخلّى هذا الغرب عن الله، وأزاح إيمانه الديني وقيم الدين الأخلاقية، لم يبقَ له إلا قواعد السياسة “الميكيافيلية” الفاسدة المفسدة: “الغاية تبرر الوسيلة”..
وحينما إدعى مثقفو الراسمالية والليبرالية والعلمانية، أن القانون يضمن إحترام حقوق الإنسان والشعوب والأمم، وان الأخلاق مصدرها القانون وإلتزام الناس الطوعي بها؛ أتت كل سلوكيات وممارسات دول الغرب منذ نشأتها؛ لتثبت بطلان هذه التخيلات النظرية للعلاقة بين الأخلاق والقانون..
وعلى الرغم من واقعية تضارب المصالح بين الدول والأمم، بما يفتح ابواب المنافسات والنزاعات؛ إلا أن إنعدام أية إلتزامات إنسانية وأخلاقية في السياسة الدولية المعاصرة؛ بات تهديدا حقيقيا لمستقبل الإنسان والبشرية بمن فيها مجتمعات الغرب ذاته..
إن من حق كل دولة أن تسعى في خدمة ورعاية مصالحها، وليس من حق أيّ دولة كانئة من تكون أن تعتدي على غيرها أو تسلبها حريتها أو تنهب مواردها او تخرب مجتمعاتها، وتعرقل تقدمها او نموها أو وحدة بلادها ومجتمعها..
إن قبول هذه الدول بإنتهاك المواثيق التي وضعتها هي؛ وسط ممارسات إجرامية عدوانية مرعبة؛ بل والمشاركة العملية فيها؛ دليل على إنهيار حضاري وأخلاقي وإنحطاط في النظام العالمي السائد، والذي لن يملك مقومات البقاء والإستمرار، ولسوف يكون الإجرام الصهيوني سببا في تسريع فضحه وكشفه، ومن ثم إنهياره، إنهياره على يد أحرار شعوبه، ونخبه الواعية المدركة لطبيعة النظام الراسمالي الفاسد المدمر، المسؤول عن أغلب الكوارث والمعاناة الإنسانية في كل العالم، وقد إنطلقت مسيرة وعي شعبي إنساني عارم لهذه الحقيقة، إنطلقت وتتصاعد من إدراكها لمعاناة شعب فلسطين، وفهمها لأبعادها التحررية والإنسانية والأخلاقية، ولسوف يكون إدراك هذه الشعوب المتحررة من هيمنة العقل الصهيوني، وإبتزازه لها، وتسلّطه على عقولها، وتحالفه مع القوى المتحكمة بمصائرها ومصالحها الحقيقية؛ إدراكها للطبيعة الإجرامية المدمرة للكيان الصهيوني، سببًا رئيسًا في تحرير بلادها من هيمنته عليها، لتكون قضية فلسطين، قضية أحرار العالم، ومنطلقًا لإسقاط هيمنة الصهيونية على عقل الإنسان الغربي، ومن ثم سقوط وزوال دولة الكيان المغتصب..
فهل يكون للنخب العربية؛ شعبية وثقافية وسياسية؛ دور في مثل هذه التحديات والمتغيرات؟!



