إيران بين القنبلة الذرية والمضيق.. أيهما أخطر؟
“المدارنت”
طوال سنوات، بدا البرنامج النووي الإيراني وكأنه مركز الأزمة بين طهران والغرب، والعقدة التي تتجمع عندها مخاوف إسرائيل والولايات المتحدة ودول المنطقة. دارت حوله المفاوضات، وفُرضت بسببه العقوبات، ونُفذت عدة عمليات سرية بحق إيران، وتكررت التهديدات بالحرب، ثم جاءت الحرب نفسها تحت عنوان منع إيران من بلوغ العتبة التي قد تجعل منها قوة نووية.
لكن واحدة من أكثر مفارقات هذه الحرب إثارة أن السلاح الذي استطاعت إيران بواسطته إرباك خصومها، والعالم أجمع، لم يخرج من منشآت التخصيب، ولم يحتج إلى يورانيوم عالي التخصيب أو إلى تجربة نووية ناجحة. كان موجودا منذ البداية على الخريطة: مضيق هرمز.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز المقارنة العسكرية المباشرة: أيهما أخطر في ميزان القوة الفعلية، برنامج نووي يمكن قصف منشآته، وتعطيل مساره، والتفاوض حول أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب فيها، أم ممر بحري لا يمكن نقله إلى مكان آخر، وتعبر خلاله كتلة هائلة من الطاقة التي يقوم عليها الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي؟
ما أظهرته المواجهة الأخيرة أن النفوذ الإيراني على هرمز انتقل من تهديد افتراضي تكرر لعقود إلى قدرة ملموسة على فرض كلفة دولية. فإيران ليست مضطرة، لكي تستخدم المضيق، إلى إعلان إغلاقه رسميا أو إغراق عشرات الناقلات. يكفي أن يصبح خطر العبور حقيقيا ومقنعا حتى تقوم السوق العالمية بالباقي. شركات الشحن تتردد، وشركات التأمين ترفع أسعارها، وأطقم السفن تعيد حساب المخاطر، وتتحول بضعة صواريخ أو مسيّرات منخفضة الكلفة إلى اضطراب اقتصادي يمتد إلى عواصم تبعد آلاف الكيلومترات عن الخليج.
وهذه هي النقطة التي تجعل هرمز مختلفا جذريا عن القنبلة النووية. فالسلاح النووي يستمد جانبا كبيرا من قوته من عدم استخدامه. إنه سلاح للردع أكثر مما هو سلاح للاستعمال اليومي؛ قيمته أن يعرف الخصم أنك تستطيع الذهاب إلى النهاية، فيتجنب دفعك إليها. أما هرمز فيتيح سلّما واسعا من الاستخدام: يمكن رفع مستوى التهديد وخفضه، تعطيل حركة بعض السفن، تهديد أخرى، فرض حالة من عدم اليقين، ثم العودة إلى التفاوض..
إنه، بهذا المعنى، سلاح يمكن تشغيله بدرجات. والأرقام وحدها تكفي لفهم حساسية المسألة. فالمضيق هو الطريق الرئيسي لنحو عشرين مليون برميل من النفط يوميا، إضافة إلى حصة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال. وعندما تتراجع حركة الملاحة فيه، لا تبقى النتائج محصورة في المنتجين الخليجيين أو في إيران. ترتفع أسعار الطاقة، وتزداد كلفة النقل والتأمين، ويجد المستهلك في أوروبا وآسيا نفسه جزءا من حرب لم يشارك فيها ولم يُستشر بشأنها. من هذه الزاوية، تبدو «قنبلة هرمز» شديدة الغرابة:
لا تدمر مدينة، ولا تترك سحابة نووية، لكنها تستطيع أن توزع أثر الانفجار على الاقتصاد العالمي، يظهر مفعولها في محطة الوقود، وفي فاتورة الكهرباء، وفي أسعار النقل والغذاء والسلع، وفي معدلات التضخم التي قد تصبح بدورها مشكلة سياسية داخل الحكومات البعيدة عن الشرق الأوسط.
أما البرنامج النووي الإيراني، فعلى خطورته الاستراتيجية، فقد ظل طوال سنوات يؤدي أيضا وظيفة تفاوضية، كانت طهران تتقدم في التخصيب حين تريد رفع كلفة الضغط عليها، ثم تضع أجزاء من برنامجها على مائدة المساومة مقابل العقوبات والأموال المجمدة والضمانات. وبذلك أصبح الملف جزءا من لعبة ردع طويلة ومعقدة، لا مجرد طريق مستقيم نحو القنبلة.
وهنا ربما تكمن إحدى نتائج الحرب التي لم تكن في حساب من خططوا لها. فقد يكون من الممكن تأخير البرنامج النووي الإيراني سنوات، لكن الحرب أثبتت لطهران في الوقت نفسه أن لديها أداة أخرى تستطيع بواسطتها فرض أثمان على خصوم أقوى منها عسكريا. أي أن محاولة القضاء على مصدر للردع قد تكون قد كشفت لإيران مصدر ردع آخر كان كامنا في الجغرافيا .غير أن الاستنتاج بأن مضيق هرمز «أقوى من القنبلة النووية» يحتاج إلى حذر، فهما أداتان مختلفتان وليستا نسختين من السلاح نفسه. الدولة النووية تستطيع، نظريا، أن تهدد وجود خصمها، وهذه مرتبة من الردع لا يوفرها أي ممر بحري. مضيق هرمز يستطيع رفع كلفة الحرب إلى مستويات هائلة، لكنه لا يضمن منعها، ولا يوفر لإيران حصانة عسكرية مطلقة.
لذلك قد يكون الأدق القول، إن هرمز ليس أقوى من السلاح النووي بمعناه العسكري، لكنه أكثر قابلية للاستخدام السياسي والاقتصادي، وهذه ميزة هائلة في عالم أصبحت فيه القوة لا تقاس فقط بعدد الرؤوس الحربية، وإنما بالقدرة على تعطيل حياة الآخرين من دون بلوغ النقطة التي تجعل الرد الساحق أمرا لا مفر منه. لكن هذه القوة تحمل في داخلها نقطة ضعفها أيضا، فكل سلاح يستهلك نفسه إذا أفرط صاحبه في استخدامه، وهرمز ليس استثناء، كلما ازدادت المخاطر في المضيق، ازدادت حوافز الدول لبناء طرق بديلة، وتوسيع خطوط الأنابيب، وتنويع مصادر الطاقة، واستخدام الموانئ التي تتجاوز عنق الزجاجة هذا. والأسواق، مهما كانت بطيئة في البداية، تتعلم كيف تتكيف مع المخاطر.
وهنا تواجه إيران مفارقة حقيقية: لكي يبقى هرمز ورقة شديدة القيمة، عليها ألا تستخدمه إلى درجة تدفع العالم إلى البحث الجاد عن بديل عنه. فالسلاح الذي يُستخدم كثيرا يدفع الخصم إلى بناء الحماية منه، وما يبدو اليوم مصدرا استثنائيا للقوة الإيرانية قد يصبح، مع مرور الزمن، سببا في تسريع الخطط الرامية إلى تقليل الاعتماد على المضيق نفسه.
ثم هناك سؤال أكثر أهمية بالنسبة إلينا نحن العرب، ففي النقاش الدائر حول هرمز، يبدو الخليج أحيانا كأنه مجرد مسرح لمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، مع أن الدول العربية المطلة عليه ليست متفرجا محايدا. هي التي تقع منشآتها النفطية وموانئها ومدنها وقواعدها العسكرية داخل المدى المباشر للتصعيد، وهي التي تعتمد اقتصاداتها على حرية الملاحة، وهي التي تدفع أول الأثمان إذا تحولت مياه الخليج إلى ساحة اختبار لإرادات الآخرين.
ولا يمكن النظر إلى ارتفاع أسعار النفط بوصفه مكسبا صافيا للدول المنتجة، فالفوضى الطويلة في أسواق الطاقة، وتعطل التصدير، وارتفاع كلفة التأمين، وتهديد المنشآت، وهروب رؤوس الأموال، كلها أثمان قد تتجاوز أي عائد مؤقت من صعود الأسعار.
وما هو أخطر من ذلك أن تكريس فكرة أن أمن هرمز تحدده المساومة بين واشنطن وطهران وحدهما يعني عمليا إبقاء دول الخليج رهينة ميزان قوة لا تتحكم هي بشروطه، لذلك ينبغي أن لا يكون السؤال العربي: هل تستطيع الولايات المتحدة فتح المضيق بالقوة؟ ولا: هل تستطيع إيران إغلاقه؟ السؤال الأهم هو لماذا يظل أحد أهم شرايين الاقتصاد العربي والعالمي قابلا للتحول، في كل أزمة، إلى ورقة في صراع أكبر من دول المنطقة؟
ولعل هذه هي النقطة التي ينبغي أن تخرج بها المنطقة من الحرب. الخطر ليس البرنامج النووي وحده، وليس مضيق هرمز وحده، بل استمرار بنية أمنية تجعل كل طرف يبحث عن الأداة التي يستطيع بها إيلام الطرف الآخر: إيران في الصواريخ والمسيّرات والمضيق والقدرة النووية الكامنة، والولايات المتحدة في الحصار والقواعد والتفوق العسكري، وإسرائيل في الضربات الوقائية. كل خطوة يعتبرها طرف ضمانا لأمنه، يقرأها الآخر تهديدا لأمنه، فتبدأ دورة جديدة من التصعيد.
لهذا ربما كان الخطأ الأكبر أن ينشغل العالم بما تحاول إيران صنعه فقط، وينسى ما منحته إياه الجغرافيا منذ البداية. لقد أمضى الجميع سنوات يراقبون أجهزة الطرد المركزي تحت الأرض، ثم جاءت الحرب لتذكرهم بأن أحد أهم عناصر القوة الإيرانية يقع في العراء، على الخريطة، ولا يحتاج إلى تخصيب.
وربما لهذا السبب تحديدا ينبغي ألا يكون الدرس العربي من الأزمة هو الخوف من قوة إيران أو التعويل على قوة الولايات المتحدة، بل إدراك أن أمن الممرات التي تقوم عليها اقتصادات المنطقة يجب ألا يبقى سلاحا في يد أي طرف. فالجغرافيا لا نستطيع تغييرها، لكن يمكننا أن نغير السياسة التي تحولها، مرة بعد أخرى، إلى قنبلة مؤجلة.



