مقالات

إيران بين صراع الأجنحة وثبات البديل المنظم!

نظام مير محمدي/ إيران

خاص “المدارنت”
لم تعد أزمة النظام الإيراني تكمن فقط في الفجوة الواسعة التي تفصله عن المجتمع – وهي حقيقة باتت من البديهيات السياسية – وإنما بدأت تتجلى بصورة أكثر خطورة في مكان آخر: داخل منظومة الحكم ذاتها. فحين تتوالى التقارير عن خلافات حادة بين أجنحة السلطة، وتتناقض تصريحات المسؤولين وتبادل الاتهامات، فإن ذلك يكشف عن تآكل الثقة في قمة الهرم السياسي.

تكتسب تصريحات حسن روحاني في هذا السياق أهمية خاصة؛ فهو ليس معارضاً، بل أحد أبرز من شغلوا مواقع متقدمة في النظام. تحذيراته المسبقة من أن فقدان ثقة الناس بالقضاء سيمتد إلى بقية المؤسسات كانت إشارة مبكرة إلى أن الثقة هي مقوّم البقاء الأول. غير أن المفارقة اليوم تكمن في أن الأزمة لم تعد محصورة في علاقة السلطة بالمجتمع، بل انتقلت إلى داخل أجنحة الحكم؛ فالحكومة ترى في التفاوض مخرجاً لتخفيف العقوبات، بينما ترى القوى المتشددة فيه تنازلاً يهدد وجود النظام.

في الأنظمة الديمقراطية، يُعد الخلاف جزءاً من تداول السلطة؛ أما في نظام شمول لا يسمح بالتداول، فإن تصاعد الصراع بين الأجنحة تحت ضغط الأزمات الاقتصادية وتراجع صادرات النفط يفاقم التناقضات بدل أن ينوّعها. وهكذا يقع النظام في مأزق بنيوي: يحتاج التفاوض لتخفيف الضغط لكنه يخشى إظهار الضعف، ويحتاج إظهار القوة لكن المواجهة تضاعف كلفة الانهيار.

وفي مقابل هذا الانسداد والتآكل الداخلي الذي يعاني منه نظام طهران، يبرز مشهد مناقض تماماً على ضفة المقاومة والبديل المنظم، يتجلى في التماسك المؤسسي وقدرة التشكيلات المناهضة على تجديد دماء قيادتها وإدارة استحقاقاتها الديمقراطية بنجاح.

فعشية الذكرى الثانية والستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، تم انتخاب الأمينة العامة الجديدة للمنظمة في ثلاث جولات متتالية بأصوات أعضاء المنظمة الموجودين في سبع دول. وقد أُنتخبت السيدة مهناز ميمنت لهذا الموقع؛ وهي من مواليد عام 1959 في طهران، تعرفت على مبادئ المنظمة خلال دراستها الجامعية وشاركت في التظاهرات ضد دكتاتورية الشاه، وانضمت إليها بعد الثورة، وواصلت نشاطها في كلية الزراعة بجامعة طهران حتى إغلاق الجامعات فيما سمّاه خميني بـ”الثورة الثقافية”.

وعقب الانتخاب، وجهت السيدة مريم رجوي رسالة أشادت فيها بالخدمات لا تُنسى للأمينة العامة السابقة السيدة زهراء مريخي، ووصفت السيدة مهناز ميمنت بأنها من النساء النبيلات اللاتي جمعن بين الديناميكية والروح الثورية مع التزام ومسؤولية مضاعفة من أجل حرية الشعب والوطن. وبهذا الاختيار، أعرب المجاهدون عن عزمهم الراسخ على إسقاط النظام الحاكم في إيران باسم الدين.

إن هذا التباين الحاد بين تخبط السلطة وثبات البديل يعيد صياغة المشهد السياسي برمتها؛ فالنظام الذي لم يعد يثق بشعبه ويلجأ إلى القمع، بدأ يفقد الثقة بين مكوناته ذاتها. وعندما يتحول كل جناح إلى التشكيك في نوايا الجناح الآخر، تصبح مؤسسات الدولة ساحات صراع، وتفقد السلطة قدرتها على اتخاذ القرارات الاستراتيجية.

إن أخطر ما تواجهه طهران اليوم ليس فقط قوة خصومها الخارجيين، بل تآكل الثقة على مستويين متزامنين: ثقة الشارع بالنظام، وثقة أجنحة السلطة بعضها ببعض. فالأنظمة القمعية قد تصمد أمام الأزمات، لكن الخطر الفعلي يبدأ عندما يعجز النظام عن الحفاظ على وحدة قراره.

حين يصل نظام إلى مرحلة يصبح فيها الشعب غير واثق به، وأجنحته متصارعة، وحلفاؤه يتحركون وفق مصالحهم، بينما تضيق الخيارات الاقتصادية، فإن السؤال لا يعود: كيف سيواجه الأزمة؟ بل يصبح: هل ما زال قادراً على الاتفاق داخلياً على كيفية مواجهتها؟

إن ما يجري في إيران اليوم ليس مجرد تعدد في الآراء، بل إشارة جليّة إلى منظومة تفقد تدريجياً شرط بقائها الأساسي: الثقة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى