مقالات

إيران ومقصلة الاستبداد الديني..

نظام مير محمدي/ إيران

خاص “المدارنت”
تمر الديكتاتورية الدينية الحاكمة في إيران اليوم بواحدة من أعقد وأخطر مراحل تاريخها؛ إذ يواجه نظام الملالي مأزقاً وجودياً مزدوجاً يتأرجح بين رعب الانفجار الشعبي في الداخل بعد انتفاضة يناير 2026، وتخبط أجنحة السلطة في مرحلة ما بعد مقتل علي خامنئي وتنصيب نجله مجتبى. وفي محاولة مستميتة لعكس صورة وهمية عن التماسك، لجأ النظام إلى تفعيل آلة القتل والترهيب بشكل غير مسبوق، مستغلاً الأجواء الإقليمية والدولية لشن هجوم وحشي شامل على كافة الأصعدة.

إن القراءة الدقيقة للمشهد الإيراني، ولا سيما عبر المعطيات القانونية والسياسية الدامغة التي طرحتها السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية، خلال لقاءاتها الأخيرة في روما، تكشف أن هذا النظام بات يرى في دماء الإيرانيين وسياط القمع شريان الحياة الوحيد لتأجيل سقوطه المحتوم.

أولاً: جلسة استماع مجلس الشيوخ الإيطالي..
في شهادتها القانونية والسياسية أمام لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشيوخ الإيطالي، رسمت السيدة مريم رجوي صورة قاتمة لكنها دقيقة لواقع حقوق الإنسان في إيران، مؤكدة أن الهجوم الوحشي للنظام تشدّد بشكل مرعب خلال العام الأخير؛ إذ سُجل إعدام نحو 2400 شخص، من بينهم نحو 1000 حالة إعدام منذ مطلع عام 2026 وحده. وتكشف هذه الأرقام المفزعة أن الإعدامات في إيران ليست إجراءات قضائية، بل هي “قرارات سياسية بحتة” تهدف بصورة ممنهجة إلى خلق مناخ من الرعب العام لمنع تجدد الانتفاضة الشعبية.

ومن منظور القانون الدولي، تشير الوقائع إلى أن النظام الإيراني يرتكب هذه الجرائم وفق نمط ثابت يمثل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية؛ وحسب التحليل القانوني الصادر عن معهد المحامين الدوليين (IBA)، فإن الهيمنة الأمنية على نقابة المحامين والقوانين المقيدة للملاحقات السياسية قد أفرغت حق الدفاع والعدالة القضائية من مضمونهما تماماً في إيران. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل تصفيات سياسية طالت أعضاء من منظمة مجاهدي خلق الإيرانية وشباب الانتفاضة، مع حرمان عائلاتهم حتى من معرفة مقابرهم، وصولاً إلى قمع الأقليات الدينية كمصادرة ممتلكات الكنيسة الإنجيلية وملاحقة المسيحيين.

إن هذا السلوك الإجرامي الممتد هو امتداد لسياسة الإفلات من العقاب التي حظي بها النظام لقرون، والتي بلغت ذروتها في مجزرة عام 1988 التي راح ضحيتها 30 ألف سجناء سياسيين، والتي وصفها المقرّر الأممي الخاص السابق جاويد رحمان بأنها “أسوأ وأفظع الانتهاكات في التاريخ المعاصر” وترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. لكن هذا القمع المنظم، ورغم قسوته، يفشل في إخماد جذوة الرفض؛ ولعل كلمات المهندس الأسير پويا قبادي قبل إعدامه: إذا كانت حرية هذا الشعب لا تتحقق إلا بدمي، فإني أقدمه برحابة صدر، تعكس عمق المقاومة التي تقودها “وحدات المقاومة” في كافة المدن الإيرانية كقوة تغيير حاسمة لا يمكن تصفيتها.

ثانياً: منبر البرلمان الإيطالي..
وإذا كان القمع هو الوجه الأول للنظام، فإن وجهه الآخر يتجلى في المأزق الاستراتيجي الخانق الذي شرحته السيدة رجوي أمام البرلمان الإيطالي. فبعد توقيع مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، ظهر الشرخ عميقاً في أعلى هرم السلطة؛ إذ سارع المرشد الجديد (مجتبى خامنئي) لإبداء معارضته الصريحة للمذكرة، مما يعكس حقيقة بنيوية صاغها قائد المقاومة مسعود رجوي بقسمه: هذا النظام لا مستقبل له ولا فرصة لبقائه دون حرب؛ فالتراجع عن القمع وتصدير الإرهاب وبناء القنبلة النووية يعادل فوراً سقوط النظام، و”السلام هو بمثابة حبل المشنقة حول عنق الاستبداد الديني”.

علاوة على ذلك، يواجه مجتبى خامنئي معضلة شرعية وسياسية معقدة؛ فهو لا يمتلك كاريزما أو نفوذ والده لكبح الخلافات المتصاعدة بين أجنحة السلطة، مما يجعل النظام يترنح يوماً بعد يوم على وقع سقوط حر للاقتصاد، وتفاقم الفقر، والبطالة، وأزمات البيئة والجفاف. وإن الوهم الذي يحاول النظام ترويجه بأن عدم سقوطه جراء الحرب يجعله أقوى، هو وهم دحضته انتفاضة يناير 2026 التي أثبتت أن المجتمع يقف على برميل بارود، وأن جيلاً شاباً ومنظماً بات يمتلك الجرأة على مواجهة الحرس الثوري وبقية الأجهزة القمعية.

الخلاصة والآفاق
إن الخطوة الأخيرة التي اتخذتها بريطانيا بإدراج الحرس الإيراني على قائمة الإرهاب تمثل بداية صحيحة، ويتعين على الاتحاد الأوروبي وإيطاليا بصفة خاصة سلوك هذا النهج عبر مشروطية العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع طهران بالوقف الفوري للإعدامات، وتفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة الجناة والمسؤولين عن المجازر، وصولاً إلى الاعتراف الرسمي بحق الشعب الإيراني ووحدات المقاومة في إسقاط الاستبداد وإقامة جمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، لتدشين عهد جديد يضمن الحرية والعدالة وإرساء إيران غير نووية تعيش بسلام وحسن جوار مع محيطها الإقليمي والدولي.

إن البيان التاريخي الصادر عن أغلبية مجلسي النواب والشيوخ الإيطاليين لدعم البديل الديمقراطي والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يمثل النموذج الأمثل والبوصلة السياسية الصحيحة التي يجب على الحكومات الغربية اتخاذها لإنهاء حقبة الديكتاتورية والدخول في عصر حرية الشعب الإيراني.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى