اتفاق مكة.. إختبار القدرة وصناعة التوازن من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة أمنية

خاص “المدارنت”
كنت قد تناولتُ في مقال سابق اتفاق مكة من زاوية دلالته في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وخلصتُ يومها إلى أن أهم ما فيه ليس كونه حلفًا في مواجهة طرف بعينه، بل كونه محاولة للانتقال من البحث عن مظلة أمنية إلى امتلاك أدوات أكبر لصناعة الردع.
أما المعطيات التي ظهرت لاحقًا حول آليات تنفيذ الاتفاق، فتفتح سؤالًا مختلفًا وأكثر أهمية:
هل بدأ هذا التفاهم يتحول فعلًا من إعلان سياسي إلى قدرة استراتيجية قابلة للبناء؟
فالفرق كبير بين أن تتفق ثلاث دول على التعاون في مجال الدفاع، وبين أن تنشأ بينها منظومة تستطيع أن تعمل عندما تقع الأزمة.
وهنا تحديدًا تبدأ المرحلة الأكثر أهمية في تجربة اتفاق مكة.
ما بعد التوقيع
تاريخ الاتفاقات الدفاعية يقول إن لحظة التوقيع ليست بالضرورة اللحظة الحاسمة. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تنتقل الالتزامات من النصوص إلى المؤسسات، ومن المؤسسات إلى التدريب والتنسيق، ومن التنسيق إلى القدرة على التصرف المشترك.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: ماذا أرادت السعودية وتركيا وباكستان من الاتفاق؟
بل: ماذا تستطيع هذه الدول أن تفعل به؟
إذا بقي الاتفاق في حدود التفاهم السياسي، فستكون قيمته الأساسية رمزية ورسالية.
أما إذا تحوّل إلى آليات دائمة للتنسيق، وتبادل المعلومات، والتدريب، والتعاون الدفاعي والصناعي والتكنولوجي، فإنه يمكن أن يصبح نواة لترتيب أمني جديد يتجاوز حدود العلاقة الثنائية أو الثلاثية التقليدية.
وهنا ينبغي النظر إلى الاتفاق باعتباره عملية بناء تدريجية، لا حلفًا مكتمل الأركان منذ لحظة توقيعه.
من الالتزام إلى القدرة
القوة الدفاعية لا تنتجها البيانات السياسية.
هي تحتاج إلى هياكل تنسيق، وإلى معرفة متبادلة بقدرات الأطراف، وإلى تدريبات مشتركة، وإلى آليات لاتخاذ القرار، وإلى قدرة على تبادل المعلومات في الوقت المناسب.
ومن هنا تكتسب البنود المتعلقة بالتعاون العسكري والأمني أهمية خاصة.
فالتدريب المشترك، مثلًا، لا يهدف فقط إلى رفع الجاهزية العسكرية، بل إلى اختبار قدرة الجيوش المختلفة على العمل معًا، وفهم العقيدة العسكرية لكل طرف، ومعرفة حدود التعاون وإمكاناته.
وتبادل المعلومات أكثر حساسية؛ لأن الردع في الحروب الحديثة يبدأ قبل إطلاق النار. القدرة على اكتشاف الخطر مبكرًا، وتحليل المعلومات، وتبادلها بسرعة، قد تكون في بعض الحالات أهم من امتلاك سلاح إضافي.
ثم يأتي التعاون الصناعي والتكنولوجي، وهو ربما الجانب الأكثر قابلية لأن يمنح الاتفاق بعدًا استراتيجيًا طويل الأمد.
فإذا تحولت العلاقة بين الدول الثلاث إلى إنتاج مشترك، ونقل للخبرات، وتطوير للتقنيات الدفاعية، وتعاون في مجالات الفضاء والاستطلاع والحرب الإلكترونية والأنظمة غير المأهولة، فإننا لا نكون أمام تعاون عسكري عابر، بل أمام محاولة لبناء قاعدة قوة مشتركة.
وهذا هو الفارق بين اتفاق يُستخدم في لحظة سياسية، واتفاق يستطيع أن يصنع واقعًا جديدًا.
لماذا التكنولوجيا هي الحلقة الأهم؟
لأن طبيعة الحرب نفسها تغيرت.
لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الدبابات أو حجم القوات. أصبحت القدرة على جمع المعلومات وتحليلها، وحماية شبكات الاتصال، والتعامل مع الهجمات الإلكترونية، واستخدام التقنيات الحديثة في الاستطلاع والمراقبة، عناصر أساسية في تحديد قدرة الدولة على الردع.
ومن هنا يمكن أن تكون الشراكة التركية ـ السعودية ـ الباكستانية أكثر أهمية إذا نجحت في بناء تكامل بين القدرات المختلفة بدل الاكتفاء بشراء السلاح.
تركيا تملك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة وخبرة متنامية في تطوير التكنولوجيا العسكرية.
السعودية تملك الموارد المالية والاستثمارية والقدرة على تمويل مشاريع طويلة الأمد، إضافة إلى موقعها وأهميتها في أمن الطاقة والممرات التجارية.
أما باكستان فتملك خبرة عسكرية واستراتيجية متراكمة، وقاعدة بشرية وعسكرية مهمة، وموقعًا جغرافيًا يمنحها قيمة إضافية في أي تصور أوسع للأمن الإقليمي.
لكن جمع هذه العناصر لا يحدث تلقائيًا.
القوة لا تنتقل من دولة إلى أخرى بمجرد توقيع اتفاق.
إنها تحتاج إلى مؤسسات تستطيع تحويل عناصر القوة المنفصلة إلى قدرة مشتركة.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي.
من المناورات إلى التكامل
قد تكون المناورات المشتركة هي الخطوة الأسهل.
لكن الأهم هو ما يأتي بعدها.
هل يمكن أن تتحول التدريبات إلى آليات دائمة للتنسيق؟
هل يمكن أن يصبح تبادل المعلومات عملية مستمرة وليست ظرفية؟
هل يمكن أن تتطور الصناعات الدفاعية من صفقات شراء إلى مشاريع إنتاج مشترك؟
وهل يمكن للدول الثلاث أن تحدد المجالات التي تستطيع فيها بناء قدرات متكاملة، بدل أن يعمل كل طرف منفردًا؟
هذه الأسئلة تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة سياسية واستراتيجية.
فكلما ارتفع مستوى التكامل، ارتفعت في المقابل درجة الالتزام المتبادل.
وعندما تصبح دولة ما جزءًا من منظومة صناعية أو استخباراتية أو دفاعية مشتركة، فإن قرارها بشأن مستقبل هذه العلاقة يصبح أكثر ارتباطًا بمصالحها المباشرة.
وهنا تبدأ الشراكة في اكتساب صفة الاستدامة.
هل نحن أمام حلف عسكري كامل؟
ليس بالضرورة.
ومن الخطأ أن نقيس اتفاق مكة منذ الآن على نماذج التحالفات العسكرية المكتملة.
الأرجح أن الطريق، إذا نجح، سيكون تدريجيًا.
تبدأ العلاقة بتنسيق سياسي وأمني، ثم تتوسع إلى التدريب وتبادل المعلومات، ثم إلى التعاون الصناعي والتكنولوجي، وقد تصل لاحقًا إلى مستويات أعلى من التكامل بحسب ما تسمح به مصالح الدول الثلاث.
وهذا ربما يكون أكثر واقعية من محاولة إنشاء قيادة عسكرية مشتركة أو منظومة دفاع موحدة منذ البداية.
فالتحالفات التي تستمر ليست تلك التي تبدأ بأكبر قدر من الالتزامات، وإنما تلك التي تستطيع بناء الثقة والمؤسسات خطوة بعد أخرى.
ولهذا فإن نجاح اتفاق مكة قد يكون في تحوله التدريجي إلى شبكة قدرات، لا في إعلانه نفسه كحلف مكتمل.
المسار البحري: طبقة أخرى من الأمن
وتزداد أهمية هذا التحول إذا وضعنا اتفاق مكة في سياق التحركات السعودية الأوسع في المجال الأمني.
فأمن المملكة لا يتعلق فقط بحدودها البرية أو بمنشآتها الحيوية، بل يرتبط أيضًا بالممرات البحرية التي تمر عبرها التجارة والطاقة.
البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن ليست مجرد مساحات جغرافية؛ إنها جزء من منظومة الأمن الاقتصادي للمملكة وللمنطقة بأسرها.
ومن هنا يمكن فهم التحرك السعودي في اتجاه تعزيز التعاون البحري وحماية الملاحة بوصفه طبقة أخرى من طبقات الأمن.
وعندما نضع هذا المسار إلى جانب الشراكة الدفاعية مع تركيا وباكستان، تظهر صورة أوسع:
الأمن السعودي يتحول تدريجيًا من الاعتماد على ترتيب واحد إلى بناء شبكة متعددة المستويات.
|وهذا لا يعني التخلي عن الشراكة مع الولايات المتحدة، بل يعني تقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد على مسار واحد.
واشنطن أمام معادلة جديدة
وهنا تصبح قراءة الولايات المتحدة للتحول مهمة.
فالدول الثلاث ليست في مواجهة مع واشنطن.
السعودية شريك استراتيجي للولايات المتحدة، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان تمتلك تاريخًا طويلًا من التعاون الأمني مع الولايات المتحدة.
لذلك لا يبدو منطقيًا تفسير الاتفاق باعتباره خطوة للانفصال عن النظام الأمني الذي كانت واشنطن جزءًا أساسيًا منه.
لكن الأمر قد يكون أكثر تعقيدًا من ذلك.
فإذا كان الاتجاه الأميركي منذ سنوات يدفع الحلفاء إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، فإن بناء قوى إقليمية لقدراتها الذاتية يمكن أن ينسجم، من حيث المبدأ، مع هذا التوجه.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه القدرات مستقلة إلى درجة تنتج معها منظومة أمنية إقليمية قادرة على اتخاذ قراراتها بعيدًا عن واشنطن.
هنا لا يعود السؤال: هل خرجت الولايات المتحدة من المنطقة؟
بل يصبح: هل تتحول المنطقة من نظام أمني تديره قوة خارجية إلى نظام تتقاسم فيه القوى الإقليمية مسؤولية إنتاج الأمن؟
وهذا تحول أكثر عمقًا من مجرد تغير في التحالفات.
وماذا عن إيران وإسرائيل؟
قد تنظر إيران إلى أي زيادة في القدرات العسكرية للسعودية وشركائها باعتبارها تطورًا يستوجب المتابعة.
وقد ترى إسرائيل في أي ترتيبات أمنية إقليمية جديدة عاملًا يؤثر في حساباتها.
لكن أهمية اتفاق مكة لا تتوقف على رد فعل أي منهما.
فإذا كان الهدف بناء قدرة ردع، فإن نجاح الاتفاق لا يقاس بمن يواجهه، بل بقدرته على تغيير حسابات استخدام القوة في المنطقة.
وهنا يعود مفهوم الردع إلى معناه الأساسي:
أن تجعل تكلفة فرض الإرادة على الآخرين أعلى من المكاسب المتوقعة.
إذا استطاعت الدول الثلاث الوصول إلى هذه النتيجة، ولو تدريجيًا، فإن الاتفاق يكون قد بدأ يؤدي وظيفته الاستراتيجية.
الاختبار الأصعب: ماذا يحدث عند الأزمة؟
هنا نصل إلى النقطة التي لا تستطيع البيانات الإجابة عنها.
ماذا يحدث إذا تعرضت إحدى الدول الثلاث لهجوم؟
من يقرر طبيعة الرد؟
هل يكون الرد عسكريًا؟
أم سياسيًا واستخباراتيًا ولوجستيًا؟
وما حدود التزام كل دولة؟
هذه ليست أسئلة شكلية، لأنها تحدد مستوى الردع الذي يستطيع الاتفاق إنتاجه.
فالاتفاق الدفاعي لا يكتسب مصداقيته من لغة الالتزام وحدها، بل من وضوح ما يستطيع الأطراف فعله عندما يصبح الالتزام مكلفًا.
ولهذا قد تكون المرحلة المقبلة مليئة بالاختبارات غير المباشرة.
مناورات، تدريبات، تبادل معلومات، مشاريع صناعية، تنسيق في الأزمات.
كل واحدة من هذه الخطوات ستكشف مقدار الثقة التي تستطيع الدول الثلاث بناءها.
الهند… الاختبار الأكثر حساسية
وهنا تظهر إحدى أكثر المسائل تعقيدًا.
باكستان ليست دولة تعيش في بيئة استراتيجية مستقرة، وعلاقتها مع الهند تحمل تاريخًا طويلًا من الصراعات والتوتر.
فماذا يحدث إذا وقعت أزمة عسكرية جديدة بين الهند وباكستان؟
هل تصبح السعودية وتركيا جزءًا من المواجهة؟
أم يبقى الاتفاق محصورًا في الدفاع عن الدولة التي تتعرض لاعتداء خارجي ضمن تعريف محدد؟
هذه المسألة تكشف أهمية التمييز بين الشراكة الدفاعية والتحالف العسكري التلقائي.
فليس كل تعاون دفاعي يعني أن الأطراف الثلاثة ستدخل الحرب نفسها في كل ظرف.
بل إن نجاح الاتفاق قد يتطلب منذ البداية وضع حدود واضحة للالتزامات، حتى لا يتحول الغموض إلى مصدر توتر بين الحلفاء أنفسهم.
النجاح الجزئي قد يكون هو النجاح الحقيقي
ولهذا لا أعتقد أن علينا انتظار قيام حلف عسكري متكامل للحكم على الاتفاق.
قد يكون النجاح الحقيقي أكثر تواضعًا وأكثر أهمية في الوقت نفسه.
أن تبدأ الدول الثلاث ببناء شبكة من التعاون الدفاعي والصناعي والتكنولوجي والاستخباراتي، ثم تتوسع هذه الشبكة تدريجيًا كلما ازدادت الثقة وتداخلت المصالح.
في هذه الحالة، لا يكون اتفاق مكة نقطة وصول، بل نقطة بداية.
وهذا النوع من التدرج هو الذي يمنح الاتفاق فرصة أكبر للاستمرار.
فالعلاقات الاستراتيجية لا تُبنى بقرار واحد.
إنها تتراكم عبر المصالح والمؤسسات والخبرات المشتركة.
ماذا يعني ذلك للخليج؟
سيكون من الخطأ النظر إلى التحرك السعودي باعتباره مسارًا منفصلًا عن أمن الخليج.
لكن سيكون من الخطأ أيضًا افتراض أن كل شراكة سعودية جديدة تعني تراجع منظومة مجلس التعاون.
الأمر يتوقف على كيفية توظيف هذه الشراكات.
إذا أصبحت اتفاقات من هذا النوع بديلًا عن العمل الخليجي، فقد تؤدي إلى مزيد من التشتت.
أما إذا أصبحت رافدًا لقدرات خليجية أوسع، فقد تساهم في تعزيز أمن المنطقة.
وهنا تبرز فرصة مهمة:
أن تتحول الشراكات الإقليمية إلى مصادر قوة للمنظومة الخليجية بدل أن تتحول إلى بدائل عنها.
وهذا يحتاج إلى رؤية خليجية أكثر وضوحًا لمفهوم الأمن الجماعي.
ومصر؟
في المقال السابق، توقفتُ عند غياب مصر بوصفه سؤالًا من أسئلة المشهد الإقليمي.
أما اليوم، وبعد ظهور تفاصيل أكثر حول الاتجاه الذي يمكن أن يسلكه الاتفاق، فإن السؤال يبدو أوسع.
ليس: لماذا لم تكن مصر طرفًا في اتفاق مكة؟
بل: كيف يمكن أن تتقاطع مثل هذه الترتيبات مع الوزن المصري والعربي بحيث لا تتحول الشراكات الإقليمية إلى بديل عن الأمن العربي؟
مصر تملك ثقلًا لا يمكن تجاوزه في أي تصور جدي للأمن العربي.
لكن المرحلة المقبلة قد لا تسمح لأي دولة عربية، مهما كان حجمها، بأن تبني وحدها منظومة أمنية قادرة على التعامل مع جميع مصادر الخطر.
وهنا يصبح التكامل بين القوى العربية، والشراكات مع القوى الإقليمية، مسألة تحتاج إلى رؤية تتجاوز الحسابات الثنائية.
من اتفاق ثلاثي إلى هندسة إقليمية؟
إذا نجح اتفاق مكة في بناء قدرات فعلية، فقد تكون أهم نتائجه غير المباشرة أنه سيشجع دولًا أخرى على إعادة التفكير في مفهوم الأمن.
فالمنطقة تتجه تدريجيًا نحو تعدد مراكز القوة.
لم تعد القوة موزعة بالطريقة التي كانت عليها قبل عقود.
هناك قوى تمتلك المال، وأخرى الصناعة، وأخرى الموقع، وأخرى الخبرة العسكرية، وأخرى التكنولوجيا.
والسؤال الاستراتيجي في المرحلة المقبلة لن يكون من الأقوى منفردًا، بل:
من يستطيع أن يجمع عناصر القوة المختلفة في شبكة مصالح وقدرات متماسكة؟
من هنا تكتسب تجربة السعودية وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز الدول الثلاث.
فهي تقدم نموذجًا محتملًا لشراكة تقوم على تكامل عناصر القوة بدل التطابق بينها.
لكن النموذج لن ينجح تلقائيًا.
قد تفشل السياسة حيث تنجح المصالح، وقد تتغلب الحسابات الوطنية على الرؤية المشتركة، وقد يبقى التعاون في حدود الصفقات والمناورات.
ولهذا فإن الحكم على الاتفاق يحتاج إلى وقت.
الدرس العربي
وهنا أعود إلى الفكرة التي كانت حاضرة في مقالي السابق، ولكن من زاوية مختلفة.
المشكلة العربية ليست في أن تبحث دولة عربية عن شراكات تحمي أمنها.
هذا حق طبيعي، بل ربما أصبح ضرورة في بيئة إقليمية متغيرة.
المشكلة هي أن تبقى هذه الشراكات منفصلة عن أي تصور عربي أوسع.
فإذا كانت السعودية تستطيع أن تبني شراكة مع تركيا وباكستان، وإذا كانت دول عربية أخرى تستطيع بناء علاقات دفاعية واقتصادية وتكنولوجية مع قوى مختلفة، فإن السؤال الأكبر يجب أن يكون:
متى تتحول هذه القدرات المتفرقة إلى جزء من رؤية عربية للأمن والقوة؟
المطلوب ليس حلفًا عربيًا مغلقًا، ولا مواجهة مع تركيا أو إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة.
المطلوب أن يمتلك العرب القدرة على تحديد مصالحهم، وبناء عناصر قوتهم، واختيار شركائهم من موقع المصلحة، لا من موقع الحاجة.
عندها يمكن أن تكون تركيا وباكستان شريكين في منظومة أوسع، لا بديلين عن غيابها.
ما بعد مكة
اتفاق مكة دخل الآن مرحلة مختلفة.
مرحلة لا يكفي فيها أن نقرأ نصوصه، أو أن نفسر دوافع الدول التي وقّعته.
المهم هو مراقبة ما سيحدث بعد ذلك:
هل تتأسس آليات دائمة للتنسيق؟
هل تتوسع التدريبات المشتركة؟
هل يبدأ تعاون دفاعي وصناعي وتكنولوجي حقيقي؟
هل تتطور قنوات تبادل المعلومات؟
هل تستطيع الدول الثلاث تنسيق مواقفها عندما تقع الأزمات؟
وهل تنجح في بناء مستوى من الثقة يجعل الالتزام السياسي قابلًا للتحول إلى قدرة فعلية؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد مستقبل الاتفاق.
فإذا بقي في حدود الإعلان السياسي، فسوف يبقى تأثيره محدودًا.
أما إذا نجح في بناء مؤسسات ومصالح وقدرات مشتركة، فقد يكون قد بدأ بالفعل في إنتاج واقع أمني جديد.
وهنا ربما تكمن أهمية اتفاق مكة الحقيقية.
ليس في أنه أنشأ تحالفًا جديدًا، بل في أنه يختبر ما إذا كانت المنطقة قادرة على الانتقال من استيراد الأمن إلى المشاركة في إنتاجه.
وهذا الاختبار لا يخص السعودية وتركيا وباكستان وحدها.
إنه اختبار للمنطقة كلها، وللعرب بصورة خاصة.
فالتوازنات لا تُصنع بالبيانات، ولا تُحفظ بالتمنيات.
إنها تُبنى بالقدرة، وتستمر بالمؤسسات، وتصبح مؤثرة عندما تعرف الأطراف الأخرى أن وراء المواقف السياسية قدرة حقيقية على الفعل.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة هي الأهم.
اتفاق مكة لم يعد السؤال فيه: ماذا أعلنّا؟
بل: ماذا نستطيع أن نفعل؟
وهذه، في النهاية، هي المسافة الفاصلة بين اتفاق سياسي ومنظومة أمنية قادرة على صناعة التوازن.



