البطريرك الراعي: البابا يحمل قضيتنا ولا يملك الحلول.. تسليم السلاح ضرورة لأنه يشكل والاحتلال “الاسرائيلي” عائقًا أمام العهد والانطلاق بالإصلاح

“المدارنت”
في بكركي، وبين جدران الصرح البطريركي التي تجمع بين قداسة المكان وعبق التاريخ، استقبلنا البطريرك الماروني بشارة الراعي بابتسامة الأب لأبنائه، فكان اللقاء معه وديا، تناول الشؤون والشجون والهموم اللبنانية والاوضاع الصعبة المتجذرة في النفوس والذاكرة والضمير، كتجذر هذا الصرح في تاريخ لبنان؛ الذي انطلقت من أروقته النداءات الأولى للاستقلال، وفي باحاته دُوّنت كلماتٌ صنعت التحوّلات الكبرى. فكان ذاكرة أمةٍ وصوت ضميرٍ نطق بالحق حين صمت الكثيرون. ومن أعطي له مجد لبنان، تحدث بحكمة وحنكة، وبصراحة عبّر عن مواقفه الثابتة، وبصلابة هادئة شدد على أهمية تنقية الذاكرة، والاعتراف بالخطأ لعدم تكراره، وطي الصفحة والعمل على بناء لبنان جديد.
عشية زيارة البابا لاوون الذي أراد أن يتوجه الى بلد الارز في أول رحلة رسولية خارج الفاتيكان، خصّنا البطريرك الراعي بحديث، أوضح فيه ان “زيارة البابا لاوون الى لبنان تأتي في إطار تحقيق السلام”.
وقال الراعي: “البابا، أراد أن يكون لبنان أولى محطاته الرسولية، لأنه يشكل رسالة في هذا الشرق، لكن البابا لا يملك الحلول، وعلى اللبنانيين تحمّل مسؤولياتهم لبناء دولة فعلية، أما في ما يتعلق بمعضلة السلاح”، مؤكدا أن “الحل يكمن في تسليم هذا السلاح، لأن من يدافع عن البلد وشعبه هي الدولة”، مضيفا “نسأل حزب الله: ما الجدوى من الاحتفاظ بالسلاح؟”,
وعن أولئك الذين يقولون انه خاب أملهم من العهد الجديد الذي يُنتظر منه الكثير، لفت الراعي الى أن “الامل لا يزال موجودا عند رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة (جوزف عون ود. نواف سلام)، والكل يعمل لاخراج لبنان من أزمته، لكن مسألة تسليم السلاح والاحتلال الاسرائيلي يشكلان عائقا امام العهد، ويستنفدان رصيده، ويؤديان الى تأخير الانطلاق في قطار الاصلاح”.
وبالنسبة الى قانون الانتخابات النيابية الذي يشكل خلافا عميقا بين طرفين أساسيين في البلد، أكد الراعي انه “من حق المغتربين الدستوري أن ينتخبوا 128 نائبًا، سواء من دول الانتشار أو في حال أتوا الى لبنان، الموضوع سهل. فلنطبّق الدستور الذي ينص على المساواة في الحقوق والواجبات بين اللبنانيين”، مشددا على ان “لبنان يمكن أن يصبح دولة فعلية حين يتموضع في الموقع الحيادي بعيدا عن التدخلات الخارجية”، ومن يعارضون الحياد الايجابي الناشط لم يفهموا ما المقصود منه”.

البابا يزور لبنان في أولى محطاته الرسولية
لأنه يشكل رسالة في هذا الشرق
البداية مع زيارة البابا لاوون الى لبنان، حيث أكد الراعي ان “رسالة البابا منذ أول يوم انتخابه، تمحورت حول السلام، وزيارته الى لبنان تأتي في إطار تحقيق السلام، سيأتي كرجل سلام، وسيتحدث عن السلام، وهذا رجاء الى كل اللبنانيين، البابا أراد أن يكون لبنان أولى محطاته الرسولية، لأنه يشكل رسالة في هذا الشرق، هو يختلف عن كل الدول في المنطقة، على سبيل المثال: لبنان دولة بلا دين رسمي بعكس الدول المحيطة، كما ان لبنان يتمتع بالحريات العامة، وهو وقّع على شرعة حقوق الانسان، ولبنان يتميز بالتعددية الثقافية والدينية (تنوع الاحزاب والافكار والآراء) بعكس الكثير من الدول في المنطقة، كل تلك الامور تدل على العيش المشترك الاسلامي المسيحي المنظم في الدستور، والذي يشكل مثالا يُحتذى به في الشرق الاوسط، البابا يريد الحديث بهذه اللغة، لغة المحافظة على لبنان، رغم كل شيء، لأن قيمة البلدان ليست فقط في الثروات انما بالانسان، لبنان لديه هذه القيمة، رغم مشكلاتنا الداخلية وسلبياتنا، يبقى لبنان بتكوينه، بلد العيش المشترك المنصوص عنه في الدستور، وفي الميثاق الوطني عام 1943، وفي اتفاق الطائف، لكل هذه الاسباب، اختار البابا لبنان في أولى زياراته الخارجية، بعد زيارة تركيا التي تهدف الى احياء 1700 عام، على المجمع المسكوني الاول في نيقيا.
ولفت الراعي الى أن “البابا، لا يملك الحلول على أرض الواقع انما يأتي لبث الامل واعطاء المعنويات للشعب اللبناني، لكن ان كان اللبنانيون يريدون بناء دولة فعلية، فهذا من مسؤوليتهم من دون أن نتّكل على هذه الجهة أو تلك، علينا الاتكال على أنفسنا، البابا يأتي ليعطي قيمة لمعنى وجودنا وحضورنا المسيحي في لبنان والمنطقة، لكن أيضا يطلب منا أن نعيش دورنا، ونقوم بواجباتنا، وهذا ما يقوله كل الموفدين الذين يأتون الى لبنان، يطلبون أن يساعد اللبنانيون أنفسهم كي تساعدنا الدول الصديقة والشقيقة، لا يجوز أن نجلس جانبا، ونطلب من البابا أو غيره حلّ مشكلاتنا، البابا يسند، ويحمل قضيتنا على طريقته، لكن على اللبنانيين ان يعملوا لصالح بلدهم أولا لتحقيق السيادة، لا يمكن للبنان أن يعيش الا في الموقع الحيادي”.لبنان لن يعيش إلّا في الموقع الحيادي
وأشار الراعي الى ان “المؤتمر الدولي الذي لطالما طالب به لانقاذ لبنان، يُعقد بالقطع أي مؤتمر في هذه الدولة، وآخر في دولة ثانية، ومؤتمر ثالث في دولة ثالثة، هذه المؤتمرات تجري بالقطعة، ولا تتخذ صفة المؤتمرات الدولية، والكل مهتم بلبنان، ولم يتركونا لوحدنا، أما الحياد، فبات اليوم حديث الجميع، في حين لم يتم التداول به سابقا، ولم يكن مطروحا، رئيس الجمهورية تحدث عن الحياد في خطاب القسم، لا يمكن للبنان أن يعيش الا في الموقع الحيادي، لا يمكن أن يرتاح الا بالحيادية التي تحتاج الى اعتراف الامم المتحدة، ويعلم القاصي والداني ان لبنان دولة حيادية إيجابية، وهذا لا يعني التقوقع أو الانزواء انما على العكس، سيعمل لبنان على تحقيق السلام، وحل النزاعات بين الدول عبر اعتماد الحياد الايجابي الناشط، ومن يعارضون الحياد الايجابي، لم يفهموا ما المقصود منه، الحياد ليس هو الحل، انما المدخل الى الحل، الحياد هو دولة واحدة ذات سيادة واحدة، وذات جيش واحد ورأي واحد وتوجيه واحد، من لا يؤيدون مبادىء الحياد يعملون ضده، وما يحصل اليوم ضد طبيعة لبنان، حلّ معضلة السلاح يكمن في تسليمه”.

لماذا يحتفط حزب الله” بالسلاح
وشدد الراعي على أن “الحل لمعضلة السلاح، يكمن في تسليمه، لأن من يدافع عن البلد وشعبه هي الدولة، والدولة ليس فقط الجيش، انما كل الشعب اللبناني الذي يقف الى جانب الجيش عند الحاجة، واليوم، نسأل حزب الله: لماذا الاحتفاظ بالسلاح؟ هل يريد الدفاع عن لبنان؟ الدولة هي التي تقوم بهذا الدور، الدستور اللبناني ينص على الجهة التي تقرر السلم والحرب، هل يجوز لطرف واحد أن يقرر الحرب أو السلم لوحده؟، المؤسسات الرسمية في الدولة كما معظم المسؤولين يقولون انهم لا يريدون الحرب، وبالتالي، لا يجوز الاستمرار في ظل دولتين وجيشين وسلاحين، لا بد أن يسلم حزب الله سلاحه، شيئا فشيئا، كما من الضروري أن تتوقف اسرائيل عن الاعتداء على لبنان، وتنسحب من النقاط التي تحتلها في الجنوب، لأن استمرار وجودها كأنها تقول للحزب، يجب أن تحتفظ بسلاحك، لا يجوز ان تستمر الامور على ما هي عليه اليوم، على اسرائيل الانسحاب، وتنفيذ القرار 1701″، متسائلا “لماذا هذا الانتهاك اليومي للبنان؟ هناك أمر غير مفهوم. لماذا هذه اللعبة؟ الحل يتطلب ديبلوماسية وعقلانية بعيدا عن الهمجية والقوة، مصاعب تستنفد رصيد العهد الجديد”.
وأكد الراعي ان “الامل لا يزال موجودا عند رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والكل يعمل لاخراج لبنان من أزمته، لكن نحن اليوم أمام معضلة تسليم السلاح، حيث ان الحزب يقول انه لن يتخلّى عن السلاح قبل الانسحاب الاسرائيلي، فيما اسرائيل تقول انها لن تنسحب قبل تسليم السلاح، هذه المعضلة تشكل عائقا امام العهد للانطلاق بالاصلاح، وتستنفد رصيده، ما العمل في ظل هذا الواقع؟ هل يمكن للسلطة أن تلجأ الى القوة؟ القوة ليست الحل، لا يجوز فقدان الامل من العهد الذي يحاول، لكن هناك مصاعب”، مشددا على انه “يمكن أن يصبح لبنان دولة فعلية حين يصبح حياديا، بعيدا عن التدخلات الخارجية”.
ولفت الراعي الى أن “من حق المغتربين الدستوري أن ينتخبوا لـ128 نائبا، سواء من دول الانتشار أو في حال أتوا الى لبنان، لماذا كل هذه الخلافات التي ليست في مكانها، الموضوع سهل. تطبيق الدستور الذي ينص على المساواة في الحقوق والواجبات بين اللبنانيين، وبالتالي، يحق للمغترب الانتخاب كما المواطن المقيم في بلده”، مضيفا “المهم اجراء الانتخابات بغض النظر عن النتيجة، الناس يختارون من يمثلهم في البرلمان في صناديق الاقتراع، وهذا حقهم الدستوري”.
وأوضح الراعي ان “تنقية الذاكرة، هي فعل توبة، اذ على كل من أخطأ أن يعترف أقله بينه وبين نفسه بالخطأ الذي ارتكبه، والجميع أخطأ رغم تفاوت الاخطاء، لا بد من هذا الاعتراف، كي لا نعود الى الخطأ مرة أخرى، ولنطوي الصفحة، ونعمل للبنان جديد، لا يجوز الاستمرار في توريث الازمات للأجيال، في البلد الديموقراطي حيث يجب على الاحزاب ان تسعى الى الالتقاء حول نقطة أو هدف، وهو الخير للبنان واللبنانيين، رغم اختلاف الوسائل، واذا لم نقلب الصفحة، ونقر بأخطائنا لتنقية الذاكرة التي تكون بمثابة توبة شخصية، سنستمر في الدوامة على مدى سنوات وسنوات”، متسائلًا “لماذا “تُحطّبون” الشعب اللبناني (كالحطب)، الفريق الحاكم هو نفسه مَن تسبّب بالحرب، لا يزال في السلطة. هل يمكنه تحقيق السلام من دون تنقية الذاكرة وطي الصفحة، ثم العمل لبناء لبنان جديد؟”.
المصدر: هيام طوق/ “وردنا”




