مقالات

التشريع الوضعي يفكك الروابط ويحلل القيم..!

أديب الحاج عمر/ لبنان
خاص “المدارنت”..
اليوم، وما نعيشه، نجد المجتمعات البشرية، تئن الماً تحت وطأة المعاناة، وتحت ضغط الحرمان، على المستوى المعيشي، عموما، وعلى المستوى الصحي، خصوصا، تلك المجتمعات، تحيا حال من الاحراج والفوضى، حيث يتحكم بها الفقر والجوع والعوز، إلى جانب الخوف من كل ما هو آت، إضافة للنزاعات الفردية والجماعية على السواء، والحال هذه، تعم مجتمعات، ما يسمى بالدول المتحضرة المتقدمة، اي (تلك الدول العظمى، المسيطرة والناهبة لخيرات ما دونها من دول)، اي ما يسمى بالدول النامية، سياسيا واقتصاديا.
ومن منظار المراقب المحلل، نجد أن تلك الدول المتطورة، تسيطر عليها البطالة، وتضيع فيها القيم، وتنتشر فيها المخدرات، وتهدد استقرارها الجريمة المنظمة، والجريمة العفوية، فضلا عن شيوع الأمراض النفسية والاجتماعية، المتنوعة، مما يعكس على تفكك الروابط الأسرية، وتتحلل القيم والاخلاق الإنسانية. كل ذلك، دليل برهان على فشل التشريع الوضعي، وكل ما ينتجه من نظم واتجاهات على كافة المستويات الحياتية، في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والصحة، والتربية … الخ، مما عكس سلبا وتخريبا وتراجعا على جوهر وأصول التعامل والتفاعل بين العناصر البشرية، من قيم وأخلاق، في السلوك والتصرفات. فكيف بك والحال داخل مجتمعات ما تسمى بالدول النامية؟ وما هي سبل البناء والتكوين؟
الدول العظمى، تقونن وتشرٍع، لما هو يوافق ويطابق مصالحها الذاتية والعالمية، فتتحكم برقاب البشر، داخليا وخارجيا، فتوفر الأمن والطعام (من قلة الموت)، إضافة الى القليل من الاستقرار والطمأنينة، بخاصة لدى الشعوب النامية، بعد نثر بذور السم القاتل وتثبيته على رأس السلطات، من تشريعية وتنفيذية وقضاءية، وهذه السلطة المحلية، تستنبت بدورها أدوات الاغتصاب والجريمة، فتقتل وتنهب وتعتدي، على كل فضيلة، وكل كرامة، بالمختصر، على كل إنسان… ويتم ذلك باسم الدستور، باسم السيادة، باسم الوطن والمواطنة، ضاربة بعرض الحائط، كل إصلاح وتزكية نفوس، في العدل والمساواة، في الحق والحرية، كل همها المراوغة واللعب على الحروف والكلمات، بأقوال معسولة عن ضرورة توفير الحاجات الإنسانية الكريمة،إضافة الخداع في تقرير مجتمع الأمن والكفاية.
هذه العقلية المعلبة المتحكمة، قادتنا كبشر، وجعلتنا كلابا تلهث خلف صبيانها الزعماء، وتنهش لحم بعضها بعضا:

أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ، الحجرات/12. اضف الى أكل اموال بعضهم زورا وبهتانا: “ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل … وانتم تعلمون”.

أنه واقع ما أنتجته تلك العقول المتحجرة، وتلك النفوس العفنة، وتلك المتربعة على رأس الإدارة السياسية العامة في دولنا النامية، لقد نحرت الروابط الإنسانية الفاعلة، وقتلت العلاقات البشرية الطيبة، وزرعت روح الطائفية البغيضة، وبذرت سموم المذهبية القاتلة، ففرخت: كراهية، حقدا، حسدا، انانية وبغضاء…
وللبيان، نجد أن الإدارة السياسية العامة، من لبنان و”جرّ”، تعمل عكس واجباتها المخلصة كأساس، في تأصيل العمل لتحسين الإنتاجية الاخلاقية، كمهمة اولية، ولكن ما العمل أن كانت تلك الإدارة تفتقر لذلك وتتعرى من كل فضيلة انسانية، ورغم ذلك، تبقى هي المسؤولة، تخطيطا وتنفيذا، للجميع بين الموارد البشرية، وبين الموارد المادية، وتتابع جاهدة لتحقيق التكافؤ والتكافل بين القدرات والاحتياجات.
يعتبر التفاعل بين أفراد العمل السياسي، كادارة، ومفكرين، وفلاسفة وعلماء…. من أشد الأمور تعقيدا واتصالا، وخاصة فيما يتعلق بذات الفرد، كمدير، كقائد، كمسؤول…. إذ أن مثل هذا الموقع يفرض ويوجب صاحبه التميز بقدرة ابداعية على المعرفة، والإحاطة بكيفية السيطرة على سبل التغيير، وإدراك نتائج اتجاهاته، إلى جانب مهاراته في تطوير أساليب القيادة الفعالة، اضف الى ضرورة تحسين علاقاته الشخصية، مع نفسه ومع الاخرين. كلها جميعا تساعد على حل مشكلات الجماعة، ثم اتخاذ القرارات بعد التخطيط إلى طرق تنفيذها، إلى غير ذلك ،من أوجه أنشطة الإدارة السياسية العامة، وصهر جهودها في بناء منظومة وطنية شاملة.
لذلك، وجب التأكيد على ضرورة التخصص، والتدريب على اكتساب مهارة الممارسة العملية للروابط الإنسانية وعلاقاتها الطيبة، من خلال امتلاك قدرات فعالة، وابداعات عطاء تتسم بالمران والخبرة. مما يضمن أداء عمل عالي الجودة، مع تطبيق تصرف سليم، والأخذ بسلوك لاءق من قيم واخلاق، كي يحفظ انسانية الإنسان وكرامته.
تهتم الروابط الإنسانية الفاعلة بدراسة أحوال الناس وصلاتهم ببعضهم البعض، إضافة الى انجازاتهم العملية، مع بيان ظروف حياتهم اليومية، وظروف بيئتهم العملية، إلى جانب الجهود المشتركة، أفرادا وجماعة، لتحقيق أهداف معينة محددة. فكان لزوما واجب التوجه مع ابراز، تلك الروابط والعلاقات الانسانية، جراء حال أولئك القيمين على الإدارة السياسية العامة، وتعزيزها ثم النهوض بها إلى أعلى مستويات العطاء والتضحية من أجل تحقيق الأداء الجيد الفعال، الذي سياخذنا حتما، إلى رفع الكفاية الإنتاجية، وإشباع الحاجات على مستوى الوطن والامة.
وللواقعية المنطقية نقارن ونمايز، فنذهب الى الرسالات السماوية، ونخص الإسلام كدين انسانية جمعاء، دين التكامل والشمول، وهو الاسبق في تطبيق مبادىء واسس الروابط والعلاقات الانسانية. :”يا أيها الذين آمنوا أدخلوا في السلم كافة….”البقرة/208 يعني الاستسلام لله الواحد، والخالق القادر، اي ضرورة التوجه الى القوة الحقة، والالتزام بشرعها، الضامن الأكيد، لتحقيق العدل والمساواة،والكفيل لقيام الرعاية الحقة، والأمن والأمان، وهو الحارس الجلل من كل ظلم وقهر وطغيان.

وهكذا، فالادارة السياسية العامة والأخذة بمبادىء وأصول الإسلام، كما هو وارد في النص، هي الإدارة التي تكفل لكل فرد إنساني قادر، عملا ورزقا، وايضا، تحفظ كرامته، وتصون حقوقه، لأنها قادرة بممارساتها، العملية والتطبيقية، على تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية، في الشورى والتوجيه والإرشاد والنصح… إضافة لمبدأ المساواة في العمل والتعامل الحق كما أمر، فالحق منوط بحكم، شريعة ومنهاج، الإسلام، وليس بإدارة حاكم جاهل متعجرف، ولا برئيس متكبر متسلط، فالفارق أن الإدارة السياسية العامة الاسلامية، لا تخضع إلى تشريع بشري وضعي، انما تخضع لشريعة ثابتة مثلى، حيث الإنسانية بذاتها ولذاتها، بنفسها ولنفسها، فإنها تعمل لتحقيق انسانية الإنسان، وترتقي بها عن حضيض الحيوانية، التي حولت العالم الإنساني، اليوم، إلى قوى طاغية باغية، وإلى أداة تسلط ودمار:

“أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ/ إبراهيم 28.

لقد نصبتم الحمقى في مواقع الإدارة السياسية العامة، وتتساءلون عن سبب الانحطاط والانهيار؟!
=======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى