التغيير في إيران ما بعد جدلية البديل واستراتيجية المرحلة الانتقالية!

خاص “المدارنت”
في الوقت الذي تزداد فيه حدة التوترات الإقليمية المرتبطة بالملف الإيراني، تبرز إلى الواجهة نقاشات استراتيجية حول “مستقبل الحكم” في طهران. لم يعد النقاش يدور فقط حول فرضيات سقوط النظام، بل انتقل إلى حيز البحث في “آليات الانتقال” و”هوية البديل” القادر على إدارة هيكلية معقدة لدولة بحجم إيران. وفي هذا السياق، تكتسب الفعاليات السياسية الدولية التي تحشد أطيافاً واسعة من النخب، دلالات تتجاوز كونها تجمعات احتجاجية، لتتحول إلى منصات لتأطير “مشروع سياسي” بديل.
جدلية التفاوض والشرعية السياسية
تُجمع مراكز الرصد الدولية على أن أربعة عقود من السياسات القائمة على الاحتواء أو المفاوضات المشروطة مع طهران لم تؤدِ إلى تغيير جوهري في سلوك النظام الإقليمي أو الداخلي. ويشير المراقبون إلى أن إشكالية النظام الحالية لا تكمن في ضعف أدواته، بل في طبيعته التكوينية التي تجعل من “التغيير من الداخل” خياراً متعذراً.
وفي هذا الإطار، يجادل المحللون السياسيون بأن الخطاب الدولي الذي تتبناه شخصيات سياسية دولية – مثل العمدة رودي جولياني– يركز على ضرورة الانتقال من مرحلة “التنديد” إلى مرحلة “الاستحقاق البديل”. فالنقد الموجه هنا لا يستهدف فقط السياسات الأمنية للنظام، بل يشكك في جدوى الاستمرار في مسارات تفاوضية أثبتت التجربة التاريخية أنها تمنح النظام أطواق نجاة على حساب الاستقرار الإقليمي.
هيكلية البديل ومعضلة الفراغ السياسي
تعد الإشكالية الأكبر في أي عملية تغيير سياسي هي تجنب “السيناريو الليبي” أو “الفراغ الأمني”. ولتجاوز هذه العقبات، تطرح قوى المعارضة، وعلى رأسها منظمة مجاهدي خلق، نموذجاً انتقالياً يعتمد على برنامج النقاط العشر. هذا البرنامج ليس مجرد أطروحة سياسية، بل هو محاولة لتقديم إجابة عملية على سؤال: “ماذا بعد؟”.
ويرى الخبراء الاستراتيجيون أن قوة أي حركة معارضة لا تكمن فقط في قدرتها على التعبئة الجماهيرية، بل في امتلاكها بنية تنظيمية ميدانية جاهزة لإدارة مرافق الدولة الحيوية فور حدوث أي انهيار هيكلي. إن التركيز على السيدة مريم رجوي كقائدة لهذا المسار الانتقالي يهدف إلى تأكيد استمرارية القيادة، وهو عنصر حيوي لاستمالة المؤسسات الدولية وضمان عدم انزلاق البلاد نحو الفوضى.
تفكيك بدائل “الحنين إلى الماضي”
من زاوية التحليل الجيوسياسي، تحاول القوى الدافعة للتغيير قطع الطريق على أي محاولات لإعادة إنتاج دكتاتورية سابقة. ثمة قناعة متزايدة بين المراقبين بأن “العودة إلى الخلف” أو الرهان على شخصيات تفتقر إلى النضال الميداني والتنظيم المؤسسي هو ضرب من الوهم السياسي. إن المقاربة الاستراتيجية هنا تشدد على أن البديل يجب أن يكون “منبثقاً من داخل نسيج النضال المستمر”، وليس “مستورداً” من الخارج أو محصوراً في شرعية رمزية قديمة. فإيران، وفقاً لهذه الرؤية، تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يرتكز على الحرية والمواطنة، وهو ما يفسر رفض التجمعات السياسية لأي محاولة لإعادة إنتاج تجربة “الشاه” التي يراها البعض “تكراراً للتاريخ” لا يحظى بقاعدة تنظيمية قادرة على إدارة التحديات الراهنة.
الاستقرار الإقليمي والرهان على التغيير
إن ربط استقرار الشرق الأوسط بالتغيير السياسي في إيران بات حقيقة تفرض نفسها على طاولات صنع القرار. تشير التقارير الميدانية المستقلة إلى أن النظام الإيراني يواجه أزمة شرعية عميقة، تتجلى في اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية. ومن منظور التحليل الاستراتيجي، فإن المسألة لم تعد تتعلق بما إذا كان النظام سيستمر أم لا، بل تتعلق بمدى جاهزية “القوى البديلة” لاستلام زمام المبادرة.
إن نجاح أي عملية انتقال يتطلب تضافر ثلاثة عوامل: التنظيم الميداني، والقيادة الواضحة، والبرنامج السياسي المسبق. وتُعد حركة المعارضة المنظمة، وفقاً للعديد من الأكاديميين المتابعين للملف الإيراني، الجهة الوحيدة التي استوفت هذه الشروط عبر سنوات من العمل السري والعلني.
ختاماً، إن التغير التاريخي لا يصنعه التمني، بل تصنعه القدرة على تقديم نموذج أكثر عدلاً ومؤسسية. وبينما يترقب العالم تحولات قد تشهدها المنطقة، يبقى الرهان على قدرة القوى الإيرانية الفاعلة في صياغة “مشهد ما بعد النظام”، مع ضمان الانتقال السلس نحو جمهورية ديمقراطية تضع حداً لسياسات الرعب وتفتح آفاقاً جديدة للتنمية والاستقرار.



