مقالات

التماثيل المحطمة.. “قصة قصيرة”..

عبد الناصر طه/ فنزويلا
خاص “المدارنت”..
ما إن وطئت قدماه باحة المستشفى الذي يملكه، حتى وجد صديقه (عبد الرحمن) في انتظاره على جاري عادته، لتناول القهوة في مكتبه الكائن في الطابق الأرضي؛ فيدعوه الى مرافقته في زيارة صباحية مهمة إلى مقر قيادة الحزب الحاكم، في مبنى المحافظة، بعد أن تلقى اتصالا هاتفيا من أمانة السر تدعوه إلى لقاء خاص؛ فيما كانت تتقاطر عليه الدعوات ذلك اليوم من أحزاب وهيئات وشخصيات، بعد ساعات من إعلان ترشيحه للمقعد النيابي عن الدائرة الأولى في المحافظة، للتنسيق والتشاور في موضوع الإنتخابات البرلمانية.
‏قاد السيارة ببطء، ملتفتا إلى صديقه بين الحين والآخر، في حديث غلبت عليه التساؤلات، وكأنما كان يحدث نفسه: ألا ترى يا صديقي أنني جدير بالمنصب الذي أسعى إليه؟ أنا طبيب ناجح، عندي مستشفى أعالج فيه المرضى من أبناء المنطقة، ولا أتوانى عن مساعدة أي فقير أو محتاج، وشقيقي ‏الأكبر عميد في الحرس الوطني، وشقيقتي قاضية في محكمة الدولة العليا، ولهما خدمات جمّة في الولاية، وبيتنا مفتوح لكل زائر. أظن أنني أستطيع التفاهم مع الجماعة! بينما يهز ّ (عبد الرحمن) ‏رأسه صعوداً ونزولاً، مبديا إشارات الموافقة على الكلام ‏الذي يسمعه، من دون أي تعليق!
‏وما هي ‏إلاّ ساعة، حتى وجد نفسه على مدخل مركز القيادة، وفي انتظاره ضابط استقبال، واكبه إلى مكتب المسؤول الكبير، بينما أشار إلى صديقه بالتوجه إلى صالة الضيافة. ثم قال للدكتور: المعلم في انتظارك تفضل.
‏هناك قابله المسؤول الحزبي الكبير بترحيب شديد، وبعبارات مديح ضاعفت من معنوياته، وكادت تفقده صوابه، ثم ناوله ورقة مكتوبة قائلاً: إسمع يا دكتور؛ ليس عندنا وقت نضيّعه معك أو مع غيرك، سأعرض عليك مشروعنا الخاص بالمنطقة، ‏‫بيانك الانتخابي بين يديك الآن، إن ‏وافقت‏ على بنوده، أبارك لك بالمنصب من اليوم، وإن كانت لديك ملاحظات؛ فالأفضل أن تعود إلى بيتك وإلى عيادتك بكل احترام!
فأجابه بكل ثقة، وهو يكاد لا يصدق ما يسمعه: “البيان يعبرّ عن موقفي وسألتزم بكل بنوده”. وانفرجت أساريره حين رمقه المسؤول بوجه باسم، قائلاً: لم تخيب ظن القيادة المركزية أبداً، وتصرفت كما كنا نتوقع‏. ستكون في حمايتنا منذ الآن، وسيكون ضابط حمايتك واسطة الإتصال فيما بيننا.
صباح اليوم التالي، فوجيء الجيران بوجود مجموعة شبان، يرتدون زيّا موحداً، وأسلحتهم ظاهرة للعيان؛ يجولون في الحيّ، في ترتيبات استطاعوا فك شفرتها بعدما ‏تسربت لهم أخبار تبني الحزب الحاكم لترشيح الدكتور؛ هؤلاء المسلحين يحرسون المنطقة!
بعد يومين، أخبره ضابط الاتصال بوصول مساعدة نقدية بقيمة خمسمائة ألف دولار للمصاريف الإنتخابية، ثم ناوله صحيفة “الشرق”، ليريه ما كتبته عن منح حملته الانتخابية مساعدات للقرى والأحياء الفقيرة القريبة والبعيدة، من شاحنات مواد غذائية، ولوازم منزلية، وحاجيات مدرسية، وهدايا وألعاب ‏للأطفال الصغار؛ كما أعلمه بمواقيت المقابلات التلفزيونية والإذاعية التي نُظمت له، ناهيك عن رعاية نشاطات ثقافية ورياضية وفنية على أنواعها، على مستوى الولاية! في حين ملأت الشوارع والأحياء يافطات ومناشير حافلة بالإشادة والمديح؛ وهو مشدوه يقول في سرّه: “الجماعة يديرون الحملة على أفضل وجه”.
الدكتور موسى الجبيلي، قامة طويلة، هندام ‏متأنق، يرتدي ‏البدلات السوداء ذات الأجواخ الإنكليزية، ‏وربطات العنق الحمراء؛ لسانه بارع في الخطابة والحديث، وأسلوبه ساحر في التعاطي مع الناس، طبيب الفقراء والمستضعفين، كريم إلى حدّ البذخ. من رسالة الطب إلى وُحول السياسة.
بعد أيام قلائل، أفاق الناس في المحافظة على خبر انسحاب الشيخ نواف ابن الشيخ طراد من حلبة السباق إلى المجلس النيابي، في إعلان غير مباشر عن فوز الدكتور “موسى”، لعدم وجود منافس، وما إن أعلنت نتائج ‏الانتخابات، وفوز الدكتور بنسبة فاقت التسعين بالمئة من أصوات الناخبين، حتى عمّ الفرح، وأقيمت الحفلات الصاخبة بمشاركة فناني ومطربي الدرجة الأولى في المحافظة، وعلى منصة أحد الاحتفالات اقترب منه صاحبه “عبد الرحمن”، وقال له بصوت خافت: (من كان يصدّق تنازل الشيخ نواف؟).
‏تنفيذا لما تعهد به في بيانه الإنتخابي، إنضم إلى كتلة الحزب النيابية في المجلس، ثم بدأ بالاطلاع على المشاريع والخطط المستقبلية المعتمدة للمحافظة، لتدبير موافقة الحكومة عليها، ثم تسليمها إلى جماعة الحزب في المحافظة، مقابل عمولة عن كل مشروع، وكل ذلك تحت أنظار القيادات العسكرية والقضائية والإدارية عموماً. وفي الجلسة التالية للمجلس، دعم إنشاء تحالفٍ من ثلاثة أحزاب، مؤيّدٍ لإعادة انتخاب رئيس حزبه لولاية رئاسية ثانية للبلاد، فرفع ذلك من شأنه بين زملائه النواب، وزاد من تصميمه للوصول إلى مراتب أعلى، في ظل دعم لا محدود من مسؤولي النظام في المحافظة؛ رغم شعوره بنمو خط مناويء له داخل الحزب، ونشوء جماعات لا تريد له الخير، في العاصمة على وجه الخصوص.
تواصل مع فعاليات الولاية وأهلها، بالترغيب حينا وبالترهيب حينا آخر، مدعوما من القيادات الحزبية والأمنية، إلى أن تعاظم نفوذه، وصار رجاله يفرضون الخوات على أصحاب المصالح والشركات والبنوك وكبار الرأسماليين، حتى امتلأت خزائنه ‏بالمال والذهب؛ وعندها وضع الوزارة هدفاً أمام عينيه، بعدما حشد لذلك الهدف قيادة الحزب في الولاية، وجمهوراً عريضاً من المبهورين بقيادته، والمستفيدين من عطاءاته اللامحدودة، حتى تمّ له ما أراد بعد أشهر، حيث جرى تعيينه وزيراً للصحّة العامة في البلاد. آنذاك همس لصديقه “عبد الرحمن”: (قريبا إلى وزارة الداخلية، وبعدها إلى رئاسة الوزارة)، وصديقه منبهر فرح بما يسمع!
‏ بدأت “كارتيلات” الحزب في العاصمة، تتوجس شراً من سرعة الوافد الجديد الآتي لمنافستهم على احتكار المجد والنفود، فتنادى كبارهم إلى اجتماعات طارئة، أنشأوا من خلالها مجموعة عمل لدرء خطره وإعاقته، وصولاً إلى شطبه من الحياة السياسية، وكلفوا لجنة خبراء من جماعتهم لتقصّي سيرته العملية ورصد ‏سقطاته الكبرى.
‏تحرك أعضاء اللجنة بسرعة بين أقطاب الحزب المؤثرين، والقيادات الأمنية الموالية لهم، الموزعين بين العاصمة والمحافظات، لتسجيل نقاط ضده قبل دخوله إلى دهاليز وزارة الصحة، ووضع يده على مواردها وصفقاتها؛ في حين اعتراهم الخوف من إقدامه وسرعة وصوله ‏إلى المراكز، يقينًا أن ذلك الطبيب الذي عرفوه سابقًا، مطيعا، منضبطًا، مشاركًا متفاعلًا، ودودًا، صار شخصا مختلفا.
تناهى إلى سمعه ما يخطط له الخصوم، فقرر العمل بسرعة، وجهز ما يلزم من إمكانيات مادية، وقام بالاتصالات اللازمة مع ذوي النفوذ من معارفه؛ لكن خصومه كانوا أسرع خطى منه وأكثر قوة وتنظيما، وفي مقدمتهم وزير الدفاع ومدير المخابرات العامة، الذي أعطى الأمر بتقليص عديد حراسه وعناصر حماية موكبه، ثم ساهم في محاولات الوقيعة بينه وبين قيادات المحافظة.
ثم استعرت الحرب الإعلامية لتشويه صورته أمام الرأي العام، بدءا من حادثة سقوط جسر يربط بين قرى نائية في المنطقة، ذهب ضحيتها عدد من المواطنين، واتهامه بالشراكة مع ‏المقاول الذي شيد الجسر قبل أسابيع، ‏وما تبع ذلك من احتجاجات شعبية، قتل فيها أحد رؤساء بلديات القرى المتضررة من الحادثة، وصولًا إلى محاولة اغتيال القاضية التي أوكل إليها ملف سقوط الجسر وتداعياته، بعد رفضها رشوة أرسلتها لها قيادة الحزب في المحافظة.
رافق تلك الإتهامات، إعادة فتح ملفات أمنية خطيرة، أخطرها تلك المجزرة التي سقط فيها عشرات القتلى والجرحى من القرويين المتظاهرين المحتجين على سوء الخدمات قبل عام‏، واتهامه المباشر بإعطاء الأوامر إلى شرطة الولاية، وإلى بعض القوى الحزبية المحلية، بارتكاب المجزرة.
عندها، انتقل إلى حالة الدفاع عن النفس، بعد أن أحسّ حجم المواجهة، مدركا قدرة ‏خصومه ونفوذهم مقابل ضعف حلفائه وأصدقائه من قيادات المناطق والولايات، وعجزهم عن الوقوف في وجه أركان كبار في السلطة، فأعلن انسحابه من الحزب وانضم إلى (حزب الوحدة)، أحد أركان الائتلاف الحاكم، ‏وثاني أكبر أحزاب البلاد، في خطوة ظنّ أنها ستقضّ مضاجع الخصوم، حيث أن قوته الشعبية والتمثيلية والأمنية ستواكب خطوته بالانتقال إلى حزب آخر، ما سيدفعهم إلى تخفيف حدة ضغطهم عليه، ولكنهم كانوا مصممين على وقف اندفاعه مهما كان الثمن.
فجر يوم السبت،‏ قبل يومين من سفره إلى العاصمة، لحضور اجتماع المجلس الوزاري بداية الأسبوع، صدم أهل مدينته بخبر اعتقاله فجرا، بعد تطويق منزله من قبل فرقة خاصة، وسوقه مخفوراً في طائرة هليكوبتر عسكرية، جاءت خصيصاً لهذا الغرض، وخرجت التظاهرات في اليوم التالي، تعرب عن سخطها لاعتقاله مطالبة بالإفراج عنه، وسرعان ما بدأت تتلاشى أصوات المعارضين شيئا فشيئا، بعدما بدأت تسريبات الإعلام عن جملة اتهامات وزيرهم ونائبهم الدكتور موسى، في قضايا قتل وخطف، وهدر المال العام، وخيانة الأمانة الحزبية.
هناك في السجن، شاهد الضابط الذي كلف بحمايته مع مجموعة من عناصره، فحاول الاستفسار منه عما حصل؟ وكيف تخلت عنهم قيادة المحافظة بسرعة وسهولة؟ حينها بادره الضابط بالقول: آسف سيدي، لقد سمعتهم يقولون: “إن من يصنع التمثال يستطيع أن يحطمه متى يشاء”.
======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى