الجيش سيادة المؤسّسة وهيبة القيادة صنوان!

خاص “المدرنت”..
في أوج الخطر الداهم على البلاد على أيدي العدو (الإرهابي) الصهيوني، والحاجة الاستراتيجية الوطنية العليا إلى تقديم كل دعم وإسناد للجيش اللبناني، يخرج على اللبنانيين أحد أقطاب السياسة الداخلية في إطلالةٍ متلفزةٍ يتناول فيها قيادة الجيش بأغلظ عبارات النقد المرفقة بالاتهام بـ«خيانة الامانة وقلة الوفاء ومخالفة القوانين»، في موقفٍ داخلي غير مسبوق، يُعتَبَر بحد ذاته خيانةً موصوفة للأمن الوطني اللبناني يستدعي من القضاء العسكري التحرك العاجل، أمام مواقف سياسية لا تهدف سوى إلى إضعاف معنويات الجيش، قبل التطاول على قائده (العماد جوزف عون) والمسّ بكرامته، وتجاوز الخطوط الحمر على سيادة المؤسسة العسكرية المُناط بها حماية المصالح الوطنية العليا للبلد، وحفظها من كل تدخل داخلي وخارجي.
يأتي ذلك في خِضّم «الهمروجة» المَلهاة التي احتلت الصدارة في يوميات الحياة السياسية اللبنانية، منذ الإعلان عن استحقاق العاشر من شهر يناير (كانون ثاني) المقبل، موعد انتهاء ولاية قائد الجيش اللبناني، والجدل الحاصل حول التمديد له، ما بين معترض وموافق ومتردد، ومن ينتظر مراقبًا، ترك كلمته للدقيقة الأخيرة، التي ستقرر المسار الذي سيكون عليه الجيش في الحادي عشر من يناير، وهو الذي أُنهِكَ على أيدي من يتجاذبونه اليوم…
منهم من رمى على المؤسسة والقائد مسؤولية الأمن والاستقرار، وشكره على دوره الوطني، قبيل وبعد انتفاضة السابع عشر من تشرين، ومنهم من يتهجّم على «القائد»، ولا يترك مناسبةً إلا ويجاهر بكل أنواع التصريح والتلميح، في محاولة لقطع طريق العودة عليه إلى رأس المؤسسة، بتأييد ومباركة رئيس الجمهورية السابق (مؤسّس التيار العوني ميشال عون)، الذي أطلق كلاماً مطابقاً لكلام الحاشية، التي لم يُرْضِها أداءُ القائد المتوازن عندما نزل اللبنانيون إلى الشارع في السابع عشر من تشرين 2019، اعتراضاً على سياسات المنظومة الفاسدة، التي أوصلت البلاد إلى حضيض العيش المغمّس بالعرق والدم، وهي، أيّ الحاشية، التي وضعت نفسها في مقدمة هذه المنظومة، عندما طالبت الجيش بقمع المتظاهرين وسحق تحركاتهم، وساءها أن لا يدخل الجيش في حمام دم مع شعبه، وصار مطلوبًا محاسبته على دوره الوطني، وعدم سماح «القائد»، إدخاله في زواريب السياسة ومستنقعاتها الآسنة، التي لا يجد سياسيو المنظومة متنفساً إلا بها وفي دواخلها.

كيف توفّق حاشية السوء هذه بين التطاول على قائد الجيش، فيما المؤسسة هي التي تحمي الحاشية، ومن يتكلم باسم الحاشية، وتوفر له كل مستلزمات الأمان، وهو يتنقل بين أكثر من منطقة وبيئة شعبية، تعتبره غير مرغوب به، ولا تجد ما تتعامل معه، سوى البيض الفاسد، ترميه على مواكبه المُدجَّجة بالمرافقين والأمنيين، الذين يعتدون بوقاحة على المتظاهرين السلميين، كما حدث في طرابلس يوم الأحد في العاشر من هذا الشهر…
إنها حقاً مفارقة عجيبة، إنما تدل على واقع الانفصام، الذي يعيشه هؤلاء عندما يُخيفهم أن يجدوا في قائد الجيش، مرشحًا مرغوبًا به لرئاسة الجمهورية، لدى أكثر من مرجعية نيابية وسياسية داخلية، مُعْتبرين أن وجوده في قصر بعبدا، سوف يسحب من تحت أرجلهم البساط الشرعي، الذي طالما احتموا به، لكي يؤمن لهم ديمومة شعبيتهم، واعتبار أن مؤسسة الجيش التي تولى «مُلهِمهم» (ميشال عون) قيادتها يومًا، يجب أن تبقى حصريًا خاضعةً لمواقفهم وأوامرهم، حتى لو تعارضت مع المصلحة الوطنية العليا، واصطدمت بالمواطنين المعارضين لسياساتهم.
إن ما يعني اللبنانيين في هذا المجال، هو الجيش اللبناني، المؤسسة الوطنية الجامعة العابرة للطوائف والمذاهب والمناطق، وحمايتها من مختلف أشكال إخضاعها للتجاذبات السياسية الداخلية، ومنع تكرار ضرب الجيش في الصميم كما حصل في حرب السنتين، وقِسْمَته بين أكثر من طرف وفصيل مسلح، توزع على جبهات القتال الداخلي العبثي. إن مؤسسة الجيش التي بقيت صامدةً حتى اليوم في وجه الشرخ السياسي الكبير، الذي يعيشه البلد، وأدى إلى الانحلال التدريجي للدولة ومؤسساتها، تبقى اليوم وغدًا، هي العمود الفقري للبلد الذي لا أمل بإخراجه من حال الشلل، والوقوف على رجليه من جديد، سوى بالجيش، المؤسسة الوطنية العادلة، التي تتعامل مع شعبها كمواطنين، عليها حمايتهم، والدفاع عن كل ما يجعل الأمن والاستقرار حالة دائمة وثابتة في يومياتهم.
لقد جاء قرار المجلس النيابي بالتمديد لقائد الجيش سنة كاملة في محله، ليحفظ للقائد والجيش ما يستحقانه من مؤازرة، وإعادة اعتبار وطنية ومعنوية جامعة، في ظل الأخطار الداهمة على أبواب البلاد، ولينزع فتيل التفجير من أيدي من لا يكترثون بإحراق البلد، في سبيل الحفاظ على مصالحهم الخاصة، حتى لو أدّى ذلك إلى إلغاء كل ما يتعلق بالوطن من مصالح..



