الدولة.. المفهوم والدلالة لدى العامة والخاصة

خاص “المدارنت”..
من الدخول في جدلية التعاريف المختلفة للدولة, لغويا كان ذلك أم اصطلاحا أم فلسفيا وغيرها من التعريفات الأخرى..
وكذلك من دون الدخول في عملية نشأة الدولة وتطورها التاريخي، حتى صارت وآلت إلى ماهي في وقتنا الحاضر.. ومن دون الدخول في أنواعها وأشكالها ومهامها وركائزها.. ومن دون الدخول في ذلك كله، وأكثر منه فيما يخص الدولة ويختص ويتعلق بها, وبإختصار شديد وموجز وكروؤس أقلام وعناوين.
إن اللغة المتداولة بين الناس, قراءة وكتابة ونطقا وتفكيرا ليست حروفا وكلمات وعبارات وجمل مركبة فقط، ومجردة، ووسيلتها التواصل والتفاهم بين المتكلمين بها, إنما هي معاني ودلالات ومشاعر وأحاسيس, فكل كلمة من الكلمات تخطر على بالنا أو ننطقها أو نقرأها أو نكتبها قبل أن تكون معنا مجردا، هي في الأساس معنا نفسيا ومعنويا، لها دلالتها الخاصة وجدانيا, سواء كان ذلك سلبا أم إيجابا.
فاللغة هي أسلوب وإطار العقل الذي نفكر به، وهي الوعي الذي بواسطتها نحكم ونتعامل مع الأشياء الأخرى, سلبا كان ذلك أم إيجابا.
فكل كلمة فيها سواء كانت نطقا أو كتابة أو تفكيرا تعطي مؤشرا وتأثيرا نفسيا على الشخص الذي يقوم بذلك, سلبيا كان ذلك أو إيجابيا, وهذا بدوره يؤدي إلى أن تكون ردة الفعل تجاهها من قبل ذلك الشخص، إما سلبيا وفقا لسلبيتها في نفسيته ووعيه، أو إيجابيا وفقا لايجابيتها في نفسيته ووعيه.
فاللغة هي الوعاء الحضاري لأيّ أمة من الأمم, بواسطتها تتشكل عقليتها ووعيها ووجدانها ونفسيتها، وقبل ذلك هويتها, إنها الأداة التي نحكم بواسطتها على الآخر ونتعامل معه ومع الأشياء التي تمس حياتنا, سواء وفقا لصورة نمطية سلبية أو إيجابية, إنها ليست مفاهيم مجردة يتم التواصل بها مع الآخر والتفاهم معه.
فهناك كلمات تعطي المعني الإيجابي المطلق لها في جميع اللغات العالمية، وهناك كلمات تعطي المعني السلبي المطلق لها في جميع اللغات, لكن هناك كلمات لا تعطي معنا إيجابيا مطلقا، ولا سلبيا مطلقا, فقد تكون في الوعي الجمعي الاجتماعي لمجتمع من المجتمعات أو بلد من البلدان أو أمة من الأمم، معنا إيجابيا لها, في الوقت الذي تعطي معنا سلبيا لها في مجتمعات وبلدان وأمم أخرى، وذلك بفعل عوامل عديدة لا يتسع المجال هنا لذكرها, وقد يتحول المعني السلبي لكلمة من الكلمات في الوعي الجمعي الاجتماعي لأي مجتمع من المجتمعات، بفعل تطور وتحضر تلك المجتمعات مع مرور الزمن إلى معنى إيجابي لها, وقد يحدث العكس, ووفقا لذلك يتطور فكر الإنسان فيها وتفكيره ويتشكل وعيه، ومن ثم سلوكه وتصرفاته وأعماله وأفعاله وفقا لذلك التحول, إن سلبا فسلبا وإن إيجابا فإيجابا.
وعليه, وبناء على ماسبق ذكره، إننا في مجتمعنا إذا نظرنا وتفحسنا لمفهوم كلمة “الدولة” ودلالاتها في الوعي الجمعي الاجتماعي لمجتمعنا عموما والنخبوي منه خصوصا, طبعا مع وجود استثناءات قليلة, وكما يقال بأن الاستثناء لاحكم له, وأثرها المعنوي والحسّي والوجداني والنفسي على عقلية ووعي ومن ثم السلوكيات الناتجة عن ذلك, لوجدنا بأن مفهوم كلمة “الدولة”، ودلالاتها تحمل مفهوما ودلالة “سلبيا” في ذلك الوعي… مما ينتج ونتج عنه من سلوكيات سلبية, سواء من قبل المجتمع أو النخبة.. أو من قبل السلطات الحاكمة عبر قرون, بحيث أصبحت العلاقة بين المحكومين والحاكمين علاقة سلبية.
فكلمة “الدولة” في الوعي الجمعي الاجتماعي عموما والنخبوي منه خصوصا, هي القوة والجبروت والعنف والمالك الحقيقي والوحيد لكل مقدرات البلد وثرواته, أرضا وإنسانا, وهي الجباية, تأخذ ولا تعطي وإذا أعطت فذلك منة منها وهبة وتفضلا وتكرما واحسانا وصدقة، وجب علينا جميعا حمدها وشكرها والامتنان لها والتسبيح بحمدها جزاء ذلك, وإن هي منعت وحرمت واستأثرت بكل ذلك، فذلك من حقها ولا تلام عليه أو تطالب أو تعاتب، بل تستجدى إن هي لم تقم بذلك, حقوقها واجبة علينا ومقدسة وحقوقنا العكس.
“الدولة” تستمد شرعيتها من قوتها وسطوتها وجبروتها، وبما تملكه من الوسائل المادية والمعنوي لتحقيق ذلك، وليس من عقد اجتماعي قائم بيننا وبينها بالتراضي, ونحن نستمد شرعيتنا ووجودنا منها, مهما كان ذلك الوجود.
“الدولة” هي البوليس والمخابرات وقسم الشرطة والاعتقالات والاعدامات والتشريد والهتك والتنكيل والتعذيب، لكل من يخرج عليها أو ينتقدها حتى بوسائل سلمية..
“الدولة” هي قضائنا وقدرنا الذي يجب علينا التسليم به ووفقا لمشيئته، مهما عملت فينا.. وأمرها مطاع ومنفذ لا يجب عصيانه..
“الدولة” هي الخوف والرعب والفزع حتى ولو كنا برئيين من أي تهمة تمسها.. “الدولة” ملك لمن يحكمها ومن يدور في فلكه ويسبح بحمده ويطلب رضاه، ويكون عونا وسندا له ومنفذا لأوامره ونواهيه، باعتباره خادما وضيعا وتابعا ذليلا وعبدا مأمورا لا شريكا…
“الدولة” هي: وقبل ذلك والأخطر من كل ذلك “الدولة” هي السلطة والحكومة والبرلمان, طبعا إن وجد, وهي الحزب والقبيلة وعصبية من العصبيات الضيقة والمقيتة, وهي البلد والوطن ومن يحكمها ويتحكم بها فوق ذلك والمالك الحقيقي والوحيد لكل ذلك..
أما “الدولة” في وعي “الحاكمين”، فهي انعكاس حقيقي ونتيجة طبيعية وحتمية لوعي “المحكومين”.
الخلاصة: إن السؤال الذي يطرح نفسه أمام كل ذلك هو:
ما هي الأسباب والعوامل التي أوصلتنا جميعا, حكاما ومحكومين, لكل ذلك؟ وكيف يمكن لنا ويتسنى بأن نخرج من كل ذلك؟ وما هي الوسائل والطرق والآليات للقيام بتحويل ذلك المفهوم السلبي والدلالة السلبية لكلمة “الدولة”، إلى مفهوم إيجابي ودلالة إيجابية في وعينا جميعا “حكاما ومحكومين” معارضة قبل سلطة؟
للإجابة على ذلك، لا يمكن بأن يكون إلا من قبل علماء متخصّصين في جميع العلوم الإنسانية والاجتماعية والثقافية والدينية وغيرها…
هذا ما سمح به المجال هنا, وهو غيض من فيض كما يقال, تاركا لكم إثراء الموضوع عبر مناقشة موضوعية وجادة”.



