مقالات

الديموقراطية الغربية وكذبة التمثيل!

د. عبد الله نجم/ لبنان

خاص “المدارنت”/ الديموقراطية باليونانية حرفياً تعني حكم الشعب، وهي شكل من اشكال الحكم يشارك فيه جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة او مباشرة او من خلال ممثلين عنهم منتخبين، والديموقراطية الاثينية مباشرة تطلب مشاركة واسعة للمواطنين في السياسة، وقامت على الاستفتاء، حيث يتخذ فيه الشعب قرارات بشأن المبادرات السياسية، عبر التصويت المباشر من افراد الشعب على عكس الديموقراطية التمثيلية.
تعتبر الديموقراطية نظام حكم، تكون السلطة العليا بيد الشعب الذي يمارس سلطاته بشكل مباشر او عن طريق ممثلين عنهم، يتم انتخابهم من الشعب بانتخابات حرة، لتجعل السلطة في أيادي الشعب عبر ممثليه الذين اختارهم بالانتخابات. كيف طبقت الديموقراطية؟ وهل هي صالحة للتطبيق في كل المجتمعات؟!
طبقت الديموقراطية في مجتمعات كثيرة منذ القدم، ويعود تطبقها الى الاغريق والرومان حيث طبقت أول تجربة ديموقراطية في مدينة أثينا في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد. وتميز هذا النظام بتطبيق الديموقراطية المباشرة من خلال اجتماع افراد الشعب ومناقشتهم في مشكلات الحكم، من دون الحاجة الى ممثلين عنهم، ونجح هذا النموذج نظريا لقلة عدد السكان في أثينا، والسماح للذكور التصويت واستبعاد النساء والعبيد والأطفال والأجانب، وكان التشريع يتم من خلال مجلس الخمسمئة و”جمعية ديموس” ومجموعة المجالس المختصة بالتشريع.
وهناك تجربة ثانية لممارسة الديموقراطبة في “ماجنا كارتا” في إنجلترا عام 1215 م. ففي ذلك الوقت تم اصدار وثيقة سميت بالوثيقة العظمى، التي نصت على حماية الشعب من سوء المعاملة التي كانوا يتعرضون لها من قبل الاقطاعيين، وتعرض الملك للمساءلة القانونية. وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأت الديموقراطية بالانتشار حتى وصلت اليوم الى جميع انحاء العالم، ويوجد العديد من الأنظمة الديموقراطية ونماذج عدة لها. حيث ظهرت عدة اشكال للديموقراطية مثل:
الديموقراطية المباشرة: التصويت من قبل الشعب على أيّ من قرارات السياسية بشكل مباشر من دون الحاجة الى ممثلين عنهم واي قرار يصدر عن الحكومة يجب أن يعرض على المواطنين كي يتم التصويت عليه ويكون للمواطنين القرار الحاسم في إدارة شؤون بلادهم. مثلاً الاستفتاء العام حول قضية مصيرية، العلاقات الدولية المعاهدات الأمنية والسياسية والضرائب، وهذا الشكل ينجح في المجتمعات الصغيرة المتجانسة وتعتبر سويسرا من الدول التي طبقت هذا النظام
الديموقراطية النيابية: هي الأكثر تطبيقاً في دول العالم وفيها يتم التصويت لاختيار ممثلين عن الشعب في البرلمان.
الديموقراطية التعددية: هي عبارة عن مجموعات منظمة تشكل لمناقشة القضايا السياسية المشتركة، اذ يحدد الفرد القضايا التي تهمه وينضم للمجموعة التي تناقش هذه القضايا من اجل دعمها، وهذا الشكل يطبق في الولايات المتحدة وهذة المجموعات تؤثر بشكل مباشر في القرارات السياسية التي يتم اتخاذها
الديموقراطية البرلمانية: وفيها يتم انتخاب البرلمان واسناد السلطة اليه، ويتم اختيار رئيس للوزراء ويحق للمجلس التشريعي عزلة بحجب الثقة .
الديموقراطية الاستبدادية: يتم اختيار النخبة لادارة مصالح المجتمع.
الديموقراطية التشاركية: تعطي مجال للمواطنين للمشاركة الواسعة في السياسة واتخاذ القرارات السياسية.
الديموقراطية الاجتماعية: تنصّ على تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين مثل الصحة والتعليم والسكن والغذاء.
الديموقراطية التمثيلية: يحق فيها لاي شخص الوصول الى الرئاسة، والفوز بها ويمارس السلطة حسب قناعاته من دون أي تقييد لسلطته.
الديموقراطية التداولية: تقوم على مشاركة جميع افراد المجتمع، بوضع القرارات السياسية بعد مناقشتها بشفافية بين جميع المواطنين.
الديموقراطية النسبية: التي تعتمد على نسبة التصويت او على تصويت الأغلبية.
وهناك اشكال أخرى من الديموقراطية منها الرقمية، الدستورية، الغير دستورية، الفيدرالية، الوحدوية، الليبرالية، الرئاسية والشمولية.
الديموقراطية بمختلف اشكالها، تهدف الى مشاركة المواطنين في القرارات السياسية والمصيرية، وإعطاء الفرصة للمواطنين لاختيار ممثليهم في السلطة التشريعية وضمان المساواة والعدالة بينهم، ومنع الاستبداد في السلطة وتعزيز التغير في السلطة السياسية وتعزيز وعي الفرد لدوره وحقوقه، وتعزيز الرقابة على السلطة التنفيذية ومحاسبتها من خلال ممثلي الشعب في المجلس النيابي.
رغم الإيجابيات المذكورة لتطبيق الديموقراطية الا ان تطبيقها في جميع اشكالها لها الكثير من المساوئ ومنها:
1/ استغلال الافراد المحتاجين بتقديم الرشوة لهم لاستمالتهم للتصويت لشخص او حزب او جهة محددة مما قد يؤدي الى وصول اشخاص غير أكفاء الى السلطة.
2/ استخدام المال والنفوذ السياسي والقوة والضغط للتأثير على الناخبين لانتخاب اشخاص ممحددين
3/ المنافسة الغير متكافئة بين مرشحين يملكون امكانيات الوصول الى الناخبين من خلال وسائل الاعلام الموجهة، وطرح مشاريعهم الانتخابية وعجز مرشحين آخرين عن ذلك في البلدان الذي يغيب فيها تنفيذ القوانين.
4/ عدم المساواة في المشاركة في اختيار الممثلين بين افراد مؤهلين، يملكون القدرة على الفهم المشاريع الانتخابية وارتباطها بحلّ المشكلات الذي يعاني منها المجتمع وأفراد غير المؤهلين، لذلك لا يجوز المساواة بين غير متساوين في الفهم والقدرات
5/ التأثير السياسي والمالي الكبير للشركات الاقتصادية الكبيرة في إدارة وتوجيه الناخبين في الدول الاقتصادية المتقدمة.
6/ إمكانية تزوير نتائج الانتخابات في البلدان التي تأخذ العملية الانتخابية، كغطاء لايصال اشخاص محددين الى السلطة.
7/ تلعب العصبية الطائفية والمذهبية والعرقية في المجتمعات التي تتكون من أقليات دوراً أساسياً لاختيار الممثلين، وبالتالي، إيصال اشخاص يعززون الانقسام والصراع داخل هذه المجتمعات.
8/ غياب الحرية الاجتماعية في الدول الفقيرة يدفع الناخبين الى اختيار المرشحين الذين يقدمون خدمات اجتماعية للافراد، وهذ يعتبر احد أوجه الرشوة وايصال اشخاص غير مؤهلين للسلطة.
9/ الديموقراطية الغربية استباحت الكثير من البلدان وسيطرة على ثرواتها وقراراتها، ولعبت دوراً أساسيا في تغيير أنظمتها تحت شعار الديموقراطية، كما حصل في كوريا والفيتنام وليبيا والعراق وسوريا، وغيرها الكثير من الدول في افريقيا واميركا اللاتينية. تحت شعار الديموقراطية احتُلت دول وسُيطر على ثروات دول وقسمت دول وحوصرت دول أخرى.
10/ الديموقراطية تُشرع بالاكثرية، فتصبح قوانينها ملزمة للأمة ولو كانت مخالفة للفطرة او الدين، وتفرض العديد من القوانين تخالف طبيعة المجتمعات، وتهدد استمرارها مثل زواج المثليّين وحرية اختيار الجنس، والعمل بكل الوسائل لفرضها على المجتمعات الأخرى تحت شعار الحرية وحقوق الانسان.
النظام الديموقراطي، يصلح في البلدان المتقدمة في وعي الأفراد لها لحقوقهم وواجباتهم والقدرة على الرقابة والمحاسبة وفي المجتمعات الصغيرة والمتجانسة. ولا يمكن تطبيقها في المجتمعام التعددية والمتخلفة والمجتمعات الواسعة ذات الكثافة السكانية، وفي المجتمعات المتعددة الطائف والأعرق والقبائل والمذهب.
الأفضل للحكم الديموقرطية التمثيلية، بحيث تختار كل مجموعة أوجماعة صغيرة ممثلين عنها بالاختيار المباشر وبالمعرفة المباشرة بالممثلين وقدراتهم، وتشكيل مجلس تشريعي يضع القوانين ويختار السلطة التنفيذية التي تدير المجتمع على قاعدة الشورى.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى