مقالات

السياسة الخارجية الجديدة لروسيا.. ومواجهة بوتين للـ”النيتو” مجرد بداية.. الجزء “3″

الكاتب سيرغي كاراغانوڤ برفقة بوتين
“المدارنت”..
سياسات لروسيا الغد
مع استمرار النظام العالمي القائم في الانهيار، يبدو أن المسار الأكثر حكمة لروسيا هو البقاء خارجه أطولَ فترةٍ ممكنة، “من خلال الاختباء داخل جدران حصنها الانعزالي الجديد”، والتعامل مع الأمور الداخلية، لكن التاريخ- هذه المرة- يتطلب منا أن نتحرك. إن كثيرًا من اقتراحاتي فيما يتعلق بنهج السياسة الخارجية الذي أسميته مؤقتًا “التدمير البنّاء”، ينبثق- بشكل طبيعي- من التحليل المقدم أعلاه.
ليست هناك حاجة إلى التدخل، أو محاولة التأثير في الديناميكيات الداخلية للغرب، الذي أصبحت نخبته يائسة بما يكفي، حتى إنها باتت مستعدة للدفع إلى بدء حرب باردة جديدة ضد روسيا. ما يجب أن نفعله- بدلًا من ذلك- هو استخدام أدوات السياسة الخارجية المختلفة، بما في ذلك الأدوات العسكرية، لوضع خطوط حمراء معينة. في هذه الأثناء، ومع استمرار النظام الغربي في التوجه نحو التدهور الأخلاقي والسياسي والاقتصادي، ستشهد القوى غير الغربية (مع روسيا كلاعب رئيسي) حتمًا تعزيزًا لمواقفها الجيوسياسية، والجيواقتصادية، والجيوأيديولوجية.
من المتوقع أن يحاول شركاؤنا الغربيون إسكات دعوات روسيا إلى الحصول على ضمانات أمنية، والاستفادة من العملية الدبلوماسية الجارية من أجل إطالة عمر مؤسساتهم. ليست هناك حاجة إلى التخلي عن الحوار، أو التعاون في مسائل التجارة، والسياسة، والثقافة، والتعليم، والرعاية الصحية، وما شابه، متى كان ذلك مفيدًا، لكن يجب علينا أيضًا أن نستغل الوقت المتاح لدينا لتكثيف الضغط العسكري- السياسي- النفسي، وحتى العسكري- التقني، ولكن دون أن يتوجه الضغط الأكبر نحو أوكرانيا التي تحول شعبها إلى وقود لمدافع الحرب الباردة الجديدة، ولكن نحو الغرب بشكل جماعي؛ لإجباره على تغيير رأيه، والتراجع عن السياسات التي اتبعها على مدى العقود الكثيرة الماضية. لا يوجد ما نخشاه من تصاعد المواجهة: “لقد رأينا التوترات تتصاعد حتى عندما كانت روسيا تحاول استرضاء العالم الغربي”. ما يجب أن نفعله هو الاستعداد للتصدي للسياسات الغربية بشكل أقوى، كما يجب على روسيا أيضًا أن تكون قادرة على تقديم بديل طويل الأجل للعالم عبر إطار سياسي جديد قائم على السلام والتعاون. بطبيعة الحال، من المفيد تذكير شركائنا الغربيين من وقتٍ إلى آخر، بوجود بديل مفيد لكلا الطرفين.
إذا نفذت روسيا سياسات معقولة، ولكنها حازمة (محليًا أيضًا)، فسوف تتغلب بنجاح (وبشكل سلمي نسبيًا) على أحدث موجة تتعرض لها من العداء الغربي. كما كتبت من قبل، لدينا فرصة جيدة للفوز في هذه الحرب الباردة الجديدة، وما يلهمنا إلى هذا التفاؤل أيضًا هو سجل روسيا السابق: “لقد تمكنا أكثر من مرة من ترويض الطموحات الإمبريالية للقوى الأجنبية لمصلحتنا، ولصالح الإنسانية كلها”. كانت روسيا قادرة على تحويل الإمبراطوريات المحتملة إلى جيران مُروضين وغير مؤذين نسبيًا: “السويد بعد معركة بولتاڤا (1709)، وفرنسا بعد معركة بورودينو (1812)، وألمانيا بعد معركة ستالينغراد (1943)، ومعركة برلين (1945)”.
يمكننا أن نجد شعارًا للسياسة الروسية الجديدة تجاه الغرب عبر مقطع من قصيدة ألكسندر بلوك “السكوثيون”، وهي قصيدة رائعة، تبدو ذات صلة خاصة بأحداث اليوم: “تعالوا وانضموا إلينا، ودعوا عنكم إنذارات الحرب والحرب المضادة، واستمسكوا بالسلام والصداقة؛ لا يزال هناك متسع من الوقت أيها الرفاق، مدّوا أياديكم إلينا لنتحد في أخوة حقيقية!”.
في أثناء محاولتنا معالجة علاقاتنا مع الغرب (حتى لو كان ذلك يتطلب بعض العلاج المر)، يجب أن نتذكر أنه على الرغم من قربنا ثقافيًا منه، فإن العالم الغربي يتلاشى من الوقت: “في الواقع، بدأت هذه العملية منذ عقدين من الزمن”.
يمكن القول إن العلاقات مع الغرب هدفها تقليل الضرر، والتعاون كلما كان ذلك ممكنًا. إن الآفاق والتحديات الحقيقية لحاضرنا ومستقبلنا تكمن في الشرق والجنوب. إن اتخاذ موقف أكثر تشددًا مع الدول الغربية يجب ألا يصرف انتباه روسيا عن الحفاظ على محورها في الشرق. وقد رأينا هذا المحور يتباطأ في العامين أو الثلاثة أعوام الماضية، خاصةً عندما يتعلق الأمر بتطوير مناطق خارج جبال الأورال. يجب ألا نسمح لأوكرانيا بأن تصبح تهديدًا أمنيًا لروسيا. بعد قولي هذا سيكون من غير المجدي إنفاق كثير من الموارد الإدارية والسياسية (فضلًا عن الاقتصادية) عليها. يجب أن تتعلم روسيا كيفية إدارة هذا الوضع المتقلب بفاعلية، وإبقائه ضمن حدود السيطرة.
سيكون الاستثمار في الشرق عبر الشروع في عملية تنمية سيبيريا أكثر فاعلية، وذلك من خلال خلق ظروف عمل ومعيشة مواتية. لن نجتذب فقط المواطنين الروس، ولكن أيضًا الأشخاص من الأجزاء الأخرى من الإمبراطورية الروسية السابقة، بمن في ذلك الأوكرانيون الذين أسهموا تاريخيًا، بقدر كبير، في تطوير سيبيريا.
أرجو أن يسمح لي القراء بتكرار نقطة سبق أن ذكرتها في مقالاتي الأخرى: “لقد كان اندماج سيبيريا تحت حكم إيڤان الرهيب، هو وحده ما جعل روسيا قوة عظمى، وليس انضمام أوكرانيا تحت قيادة أليكسي ميخايلوڤيتش رومانوڤ، المعروف باسم “تيشاتشي”، أي “الأكثر هدوءًا وسلمية”. لقد حان الوقت لأن نتوقف عن تكرار تأكيد ذلك البولندي المخادع زبيغنيو بريجنسكي: “بأن روسيا لا يمكن أن تكون قوة عظمى بدون أوكرانيا”. إن العكس هو الأقرب إلى الحقيقة: “لا يمكن لروسيا أن تكون قوة عظمى عندما تكون مثقلة بأعباء بلد مثل أوكرانيا”، وهي أعباء شديدة الصعوبة لإدارة هذا الكيان السياسي المصطنع الذي أنشأه لينين، والذي توسع لاحقًا غربًا في عهد ستالين.
يكمن المسار الواعد لروسيا في تنمية العلاقات مع الصين وتعزيزها: “من شأن الشراكة مع بكين أن تضاعف إمكانات كلا البلدين عدة مرات”. إذا استمر الغرب في سياساته العدائية المريرة فلن يكون من غير المعقول التفكير في تحالف دفاعي مؤقت لمدة خمس سنوات مع الصين.
بطبيعة الحال، يجب علينا أن نحرص على حماية الصين من “الشعور بالدوار من النجاح”، وذلك حتى لا تعود إلى نموذج الإمبراطورية الصينية في العصور الوسطى، التي نمت ثم حولت جيرانها إلى تابعين. يجب أن نساعد بكين حيثما أمكننا لمنعها من المعاناة حتى من هزيمة مؤقتة في الحرب الباردة الجديدة التي أطلقها الغرب ضدها، هذه الهزيمة ستضعفنا أيضًا. إضافة إلى ذلك، نحن نعلم جيدًا ما الذي يتحول إليه الغرب عندما يعتقد أنه يفوز. لقد تطلب الأمر بعض العلاجات القاسية لعلاج مخلفات أمريكا بعد نشوة النصر وسكرتها بالسلطة في التسعينيات.
من الواضح أن السياسة الموجهة نحو الشرق يجب ألا تركز فقط على الصين. يشهد كل من الشرق والجنوب تصاعدًا في السياسة، والاقتصاد، والثقافة العالمية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تقويضنا للتفوق العسكري للغرب “المصدر الأساسي لهيمنته على مدى 500 عام”.
عندما يحين الوقت لتأسيس نظام جديد للأمن الأوروبي ليحل محل النظام الحالي الذي عفا عليه الزمن بشكل خطير، يجب أن يتم ذلك في إطار مشروع أوراسيا الكبرى. لا شيء يستحق العناء يمكن أن يولّد هذا النظام الجديد من رحم النظام الأوروبي الأطلسي القديم. من البديهي أن النجاح يتطلب تطوير الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية للبلاد وتحديثها، مع جميع ركائز القوة العسكرية التي تمثل لأي دولة العمود الفقري لسيادتها وأمنها. لا يمكن أن تنجح روسيا دون تحسين نوعية الحياة لغالبية شعبها، “يشمل هذا الازدهار العام، والرعاية الصحية، والتعليم، والبيئة”.
إن تقييد الحريات السياسية، وهو أمر حتمي عند مواجهة الغرب وهو متكتل بشكل جماعي ضدنا، يجب ألا يمتد- بأي حال من الأحوال- إلى المجال الفكري، خاصةً لدى الجزء الموهوب وذي العقلية الإبداعية من السكان المستعدين لخدمة وطنهم. يجب علينا الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الحرية الفكرية. التطور العلمي من خلال “شاراشكا” على الطراز السوڤيتي (مختبرات البحث والتطوير التي تعمل ضمن نظام معسكر العمل السوڤيتي) ليس شيئًا من شأنه أن ينجح في العالم الحديث. تعزز الحرية مواهب الشعب الروسي، والابتكار يسري في دمائنا. حتى في السياسة الخارجية، فإن التحرر من القيود الأيديولوجية التي نتمتع بها يوفر لنا مزايا كبيرة مقارنة بجيراننا الأكثر انغلاقًا. يعلمنا التاريخ أن التقييد الوحشي لحرية الفكر، الذي فرضه النظام الشيوعي على شعبه، أدى إلى خراب الاتحاد السوڤيتي. الحفاظ على الحرية الشخصية شرط أساسي لتنمية أي أمة.
إذا أردنا أن ننمو كمجتمع وننتصر، فمن الأهمية بمكان أن نطور العمود الفقري الروحي لبلادنا؛ “من خلال إطلاق فكرة وطنية أيديولوجية توحد وتضيء لنا الطريق إلى الأمام”. إنها حقيقة أساسية مفادها أن الدول العظيمة لا يمكن أن تكون عظيمة حقًا بدون وجود هذه الفكرة في صميمها. هذا جزء من المأساة التي حدثت لنا في السبعينيات والثمانينيات. نأمل أن تبدأ النخب الحاكمة بعدم معارضة تقديم أيديولوجيا جديدة، والتخلي عن الخوف من الأيديولوجيا المتجذرة بسبب آلام الحقبة الشيوعية. كان خطاب ڤلاديمير پوتين، في الاجتماع السنوي في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 لنادي ڤالداي للحوار، إشارة مطمئنة في هذا الصدد. مثل العدد المتزايد باستمرار من الفلاسفة والمؤلفين الروس، طرحت رؤيتي الخاصة “لـلفكرة الروسية”، التي لا يتسع المقال لذكرها.
المصدر: “مركز الدراسات العربية الأوراسية”.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى