الشخصية العربية المتماهية

//خاص المدارنت//.. التماهي أو التقَمُّص أو التوحد أو التعيين، كلها مفاهيم لمقصود واحد، لعل مفهوم التماهي هو الإستخدام الأغلب والأكثر شيوعا. هذا المفهوم طرحه سيغموند فرويد في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد.
بالنسبة لمعجم مصطلحات التحليل النفسي لابلانش وبونتاليس، يشار اليه بمصطلح تماهي، ويعرف على انه “عملية نفسية يتمثل الشخص بواسطتها احد مظاهر او خصائص او صفات شخص اخر، ويتحول كليا او جزئيا تبعا لنموذجه، وتتكون الشخصية وتتمايز من خلال سلسلة من التماهيات.”
أما د. مصطفى حجازي في كتابه “التخلف الاجتماعي ـ مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” فيقول: “التماهي عملية لاواعية تتم خارج إطار الإنتباه والإراده في معظم الأحيان، وتتلخص بتمثل وجود الآخر حتى يصبح الشخص هو الآخر أو يعيش ذاته كذلك، إنه هو عينه، أو هو هو، ومن هنا يتخذ لنفسه نفس ماهية الشخص الأخر وهويته، وقد يكون التماهي كليا أو جزئيا.”
وقد تطور إستخدام هذا المفهوم واتسع، بحيث لم يعد محصورا على الاستخدام الخاص بين شخصين فقط، بل أصبح يأخذ معنى اجتماعيا وسياسيا، حكاما ومحكومين… إلخ.
إن “ظاهرة التماهي”، ووفقا لما يريده الفرد في مصلحته هو، والتي تخدمه هو فقط، تعتبر ظاهرة متجذرة ومتأصلة في الشخصية العربية، وسمة وصفة وخاصية من سماتها وصفاتها وخصائصها.
فتلك الظاهرة نجدها ليس فقط عند الحكام أو الحاكمين، بل نجدها عند الكثير من أفراد المجتمع، فمنهم من تماهى ويتماهى مع الذات الإلهية، عبر الإحلال والحلول والتوحد والإتحاد والذوبان، وهذا ما نجده عند المتصوفة.
ومنهم من يتماهى وتماهى مع أفراد أخرين، مثل التماهي مع الزعيم الملهم والقائد الجسور، والفنان والمطرب المشهور… إلخ.
ومنهم من يتماهى وتماهى مع الولي الديني لإحدى الطرق، ومنهم من تماهى ويتماهى مع ايديولوجية معينة وفكرة معينة، ومنهم من يتماهى مع الماضي ويعيش به وفيه وفي جلبابه، ومنهم من يتماهى مع الغرب القوي بكل ماهو فيه وعليه، وبما يحتويه ويرمز له.
والأخطر من ذلك كله، إننا نجد من تماهى ويتماهى مع أولئك الحكام المتسلطين، ومع من كان سببا رئيسيا في قهرهم وهدرهم واذلالهم واستعبادهم وسلبهم حريتهم وكرامتهم وإنسانيتهم… إلخ، ابتداء من رب الأسرة البسيطة حتى الحاكم عموديا، ومع غيرهم من الأفراد أفقيا… إلخ.
إن من أخطر النتائج المترتبة على سيطرة الأنظمة الاستبدادية التسلطية الشمولية على المجتمعات المتخلفة لفترات طويلة من الزمن على الفرد، خصوصا، أن ذلك الفرد يصاب بإنفصام بالشخصية في سلوكياته وأفعاله وأقواله، بين ما يريد هو أن يكون عليه وبين ما تريد له تلك الأنظمة أن يكون عليه، وذلك في بداية سيطرة تلك الأنظمة عليه، ومع مرور الوقت واستمرارية تلك الأنظمة، مع ما يرافق ذلك من قهر وقمع وبطش على ذلك الفرد، وسلبه حريته وإنسانيته وآدميته وشعوره بإحتقار ذاته، تتحول غالبية أولئك الأفراد إلى أن تصبح حياتهم وعيا وسلوكا قولاً وعملاً، وفقا لما يراد لهم بأن يكونوا عليه من قبل تلك الأنظمة، وهذا ما يسمى بظاهرة التماهي بالمتسلط.
ويقول د. حجازي في كتابه الآنف الذكر حول ذلك: “.. ويمكن أن نستعرض ظاهرة التماهي بالمتسلط من خلال ثلاثة أشكال رئيسية :
الشكل الأول : التماهي بأحكام المتسلط
الشكل الثاني: التماهي بعدوانه
الشكل الثالث: التماهي بأسلوبه الحياتي ومثله العليا وقيمه.
من الواضح أن الشكلين الأولين، يقومان على خشية المتسلط ورهبة جانبه، وبالتالي، يهدفان إلى درء خطره أو التنكر لما يثيره هذا الخطر من قلق ذاتي.
أما الشكل الأخير، فيقوم على الإعجاب والرغبة في التقرب من نمطه الوجودي، مع ما يتضمنه ذلك من تنكر للجماعة الأصلية وقيمها ومعاييرها.”
وعندما تنهار تلك الأنظمة، بفعل عوامل داخلية أو خارجية أو كليهما معا، من دون أن يكون ذلك الانهيار نتيجة لتطور وعي الفرد الإيجابي، وشعوره بالحاجة الماسة لعملية التغيير تلك، ومن ثم إمتلاكه الإرادة والعزيمة الصلبة لإحداث ذلك التغيير. وعندما لا يكون ذلك هو العامل الأساسي والرئيسي لإنهيار تلك الأنظمة، عندئذ فإن ذلك التماهي أو التوحد أو التعيين، يستمر ملازما وعيا وسلوكا للشخص المصاب به، تجاه ذلك المتسلط حتى في حالة السقوط الجزئي لذلك المتسلط، ولذلك لا غرابة مما نشاهده ونراه ونلمسه من ظاهرة التماهي مع الأنظمة الاستبدادية التسلطية الشمولية، ممثلة برموز التسلط فيها، وتكون معالجة ظاهرة التماهي تلك أمرا صعبا وليس مستحيلا، وتحتاج تلك المعالجة إلى وقت طويل، حتى يشعر أولئك المصابون بهذا الداء، داء التماهي بالمتسلط، بأن لهم كيانهم الذاتي الخاص بهم، وحتى يشعروا ويستشعروا بإنسانيتهم، وذلك عبر سلسلة طويلة من المعالجات النظرية والتطبيقية العملية.
عندئذ، تكون الكارثة الحقيقية على الفرد خصوصا والمجتمع عموما، حيث يصبح ويصير ذلك الفرد تابعا وضحية لمتسلط جديد يتماهى معه وبه، ذلك وببساطة شديدة، لأن ظاهرة التماهي بالمتسلط من قبل ذلك الفرد، ما تزال هي التي تتحكم فيه وعيا وسلوكا، قولاً وعملاً، ومن ثم وجب عليه البحث عن متسلط جديد يتماهى به.
طبعا، لهذة الظاهرة الواضحة للعيان، والمتجذرة في الشخصية العربية بصفة خاصة، أسباب وعوامل عديدة وكثيرة ومتنوعة، لعل أهمها وأخطرها أيضا، بل أكثرها إيلاما وحسرة، هي أن الشخصية المتماهية تعتبر شخصية هزيلة وفاقدة لنفسها، وغير معتدّة بذاتها، تعيش مرحلة الشعور بالنقص والدونية المنحطة تجاه كل مظاهر الطبيعة القوية، مادية وبشرية، وهي هنا ومن خلال عملية التماهي تلك، تقوم بعملية تعويض ذلك النقص وتلك الدونية… إلخ.
وعليه: لا يمكن معالجة ذلك الفرد من هذه الظاهرة المرضية، ظاهرة التماهي بالمتسلط، إلا بإحداث ثورة أخلاقية، ثقافية، فكرية، تربوية وتعليمية، في إطار إعادة بناء الإنسان المتماهي المقهور والمهدور، وفقا لقواعد وأسس الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة والإخاء، في ظل دولة قائمة على أسس مدنية حديثة وتحديثية، تلبي آمال وتطلعات واحتياجات أفراد المجتمع كافة من دون تمييز، وتعيد له الشعور بإنسانيته وآدميته.
الخلاصة: إن أيّ عملية تغييرية نحو الأفضل في المجتمعات المتخلفة والجاهلة والغير متجانسة، لا يمكن لها النجاح، ما لم تكون انعكاسا حقيقيا لشعور تلك المجتمعات، ممثلة بأفرادها ومكوناتها المختلفة، بالحاجة الماسة الى تلك العملية، تخطط لها وتقوم بها نخبة، مستوعبة أسس وقواعد نجاح أيّ عملية تغييرية، ما لم يكن ذلك، فإن تلك العملية التغييرية لن تفضي ولن تؤدي إلّا إلى استبدال نظام استبدادي تسلّطي قمعي، بنظام آخر مساوياً له أو أشدّ.



