مقالات

الصومال البلد العربي المنسي!

“المدارنت”
منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن والصومال يعيش حالة من الانقسام والتشرذم والنزاعات والحروب الأهلية، فضلا عن خصومات واحترابات وصراعات إقليمية، لذلك أصبح في عداد الدول المنسية، في الوقت الذي كانت تربطه بالعالم العربي وشائج كثيرة وعلاقات طيبة ومواقف مشتركة.

لم يعد أحد يسمع ماذا يجري في الصومال، ومع من يتعامل؟ ومتى ستتوقف النزاعات والاحترابات والاستقطابات العشائرية والجهوية والمناطقية؟ فالصومال بضعف الدولة وانقسام مكوّناتها، أصبح يتألف من مقاطعات شبه مستقلة. وأتذكّر أن أحد الأصدقاء الصوماليين، كان معنا في لندن ممن نشطوا في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان في تسعينيات القرن الماضي، حين كنت أسأله عن الأوضاع، يشرح لي جغرافية العلاقات العشائرية وتضاريس القوى السياسية ووعورة الصراع وتداخلاته الإقليمية والدولية، لدرجة أنني كنت أتوه في كل مرة يحصل ذلك من شدّة التعقيدات والتعارضات والاختلافات.

لعلّ هذه الدولة الوليدة التي ظهرت إلى الملأ في عام 1960، شهدت في بدايات عهدها تطوّرا جنينيا مهما يجهله الكثير من النُخب الفكرية والسياسية في بلداننا ومنطقنا، فقد استقلّت على مرحلتين، الأولى عن بريطانيا (الجزء الشمالي في 26 يونيو 1960) والثانية عن إيطاليا (الجزء الجنوبي في 1 يوليو 1960)، وقد اتّحد الجزءان لتنشأ جمهورية الصومال، لكن خط التطوّر التدرّجي المتّجه نحو الديمقراطية انقطع في 21 أكتوبر عام 1969، حين حصل انقلاب عسكري قاده اللواء محمد سياد برّي، واضعا حدّا للتجربة المدنية الوليدة التي كانت مبشّرة بتطوّر الصومال.

لقد انطوت الصفحة التي قامت على آلية الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، وكان نموذجها الرئيس آدم عبدالله عثمان، الذي ارتضى بنتائج الانتخابات وقَبِلَها بالتخلي عن السلطة وتسليمها للفائز، وكان ذلك في عام 1967، أي قبل العديد من التجارب الديمقراطية، التي بدأت في بعض بلدان آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، خصوصا أن تلك التجربة كانت تبدو نشازا في ظل الحديث عن دور الجيش في العالم الثالث وتفريخ الانقلابات العسكرية وتمركز السلطة أحاديا بيد الحكومات الفردية العسكرية.

كان انقلاب برّي الذي جرى الترحيب به من جانب ما نطلق عليه «حركة التحرّر الوطني»، وفيما بعد من جانب الكتلة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي بمثابة وأد لتجربة استثنائية مختلفة، ليدخل الصومال بعدها مرحلة جديدة من حكم العسكر امتدت لما يزيد عن عقدين من الزمن (26 يناير 1991)، لتبدأ مرحلة الحرب الأهلية، حيث طويت فيها صفحة التعدديّة السياسية الناشئة، ثم دخلت الصومال بعد ذلك في مرحلة أكثر تعقيدا، انحسرت فيها الشرعية السياسية للدولة، بل اضمحلّت الدولة لتُختزل في سلطة، ثم في سلطات متضاربة ومتعادية ومحتربة، وانتهت بذلك دولة الاستقلال ذات النواة الديمقراطية، لتصبح دولة العسكر، التي أخذت بالتشظّي. فهل ثمة أمل اليوم، وبعد الخراب الذي حلّ بالبلاد، من استعادة الصومال وحدته واحتضان العرب له؟ وماذا يحتاج لكي يتعافى؟

اندلعت الحرب الأهلية في عام 1991 تساوقا مع انهيار الكتلة الاشتراكية وتفكّكها، حيث بدأت الصراعات القبلية التي امتدّت رقعتها إلى الجميع، واتّسعت مساحتها لتشمل عموم البلاد، الأمر الذي أدّى إلى تفتّتها وذبول وحدتها، ولم يكن بإمكان أي طرف حسم المعركة لصالحه بفعل التركيبة الاجتماعية المعقدّة، وهكذا استُنزف الجميع وبدأت النزاعات المسلحة وكأنها مصارعة على الطريقة الرومانية، فإذا قتل أحد الطرفين فإن الطرف الثاني سيموت هو الآخر من الأعياء.

لقد استمر الصراع المسلح غير العقلاني بسبب التنافس على السلطة والموارد ومراكز النفوذ، وكان ثمنه باهظا وتأثيره بالغا وهوامشه متنا، وقاد ذلك إلى تدمير الدولة، وتأكّد للجميع أن الخروج من دائرة الصراع يقتضي التخلّي عن منطق الغالب والمغلوب، ويحتاج الأمر إلى توافق سياسي ومشاركة من القوى المختلفة وشراكة في إدارة البلاد، بحيث لا تصبح بيد طرف أو مكوّن واحد.

احتضن العديد من العواصم الإقليمية والدولية مؤتمرات للمصالحة، ولعلّ أهمّها مؤتمر عرته في جيبوتي عام 2000، ويعدّه المراقبون نقطة انعطاف مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة، وهو ما يطلقون عليه «الجمهورية الصومالية الثالثة»، الأولى كانت بعد الاستقلال والثانية بعد الانقلاب العسكري والثالثة بعد التوافق السياسي، أي الجمهورية التوافقية بين المجتمع المدني والعشائر في إطار تقسيم السلطة، خصوصا لدولة لم تخرج كليّا من تأثيرات ما بعد النزاع المسلّح.

وجاء مؤتمر امبغاتي في عام 2004 في نيروبي ليضيف لبْنة جديدة على مسار المصالحة، وذلك بإقرار النظام الفيدرالي، لمنع احتكار السلطة وإشباع الأقاليم بصلاحيات واسعة لإدارة شؤونها، وقد ساهم ذلك في تنقية جزء من البيئة السياسية للدولة، لاسيّما لإعادة مؤسساتها، خصوصا لمواجهة التنظيمات الإرهابية وعمليات القرصنة، فضلا عن مواجهة تحدّيات توسيع المشاركة السياسية، علما بأن نتائج الانتخابات السابقة كانت أقرب إلى التعيين بفعل نفوذ القوى التقليدية، بما فيها انتخابات عام 2022.

ينسى كثيرون أن الصومال دولة عربية، وهي عضو في جامعة الدول العربية منذ عام 1974، وتجمعها بالأمة العربية روابط تاريخية وثقافية وسياسية وثيقة، وأن اللغة العربية هي لغة رسمية إلى جانب اللغة الصومالية، ولذلك فإن من واجب البلدان العربية، ولاسيّما بلدان اليُسر أن تمدّ يد العون والمساعدة لتنميتها، وخصوصا تعزيز أمنها وأمانها، بما سينعكس إيجابا على العرب ككل، سواء في مجالات مكافحة الإرهاب، أو وقف الهجرة غير النظامية أو التصدّي للقرصنة، ناهيك عن أن أعداء العرب يتربّصون بشتّى الوسائل لمنعها من استعادة عافيتها، مستغلّين أوضاعها الاقتصادية الصعبة وظروفها المعاشية القاسية.

فمن يتذكّر الصومال البلد الذي يعتنق 99% من سكانه الإسلام، ناهيك من كونه بلدا عربيا وافريقيا وله موقع استراتيجي مهم. ولعلّ من واجب النخب الفكرية والثقافية العربية التنبيه إلى ذلك، والعمل على توسيع دائرة العلاقات مع المثقفين الصوماليين.

عبد الحسين شعبان/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى