مقالات

العراق.. وإبتزاز “المقاومة”!


كتب صادق الحسن/ العراق
خاص “المدارنت”..
جاءت الذكرى السنوية لتأسيس “ميليشيا الحشد الشعبي” في العراق، من دون أن تثير الضجيج هذه المرة على غير العادة، بل ومرت المناسبة من دون استعراض عسكري كما في السنوات السابقة، وكانت التغطية الإعلامية والرسمية للحدث خجولة.
قد يتساءل أحدهم عن سبب اختفاء مراسيم ذكرى تأسيس “الحشد الشعبي” على المستويين الرسمي والعسكري، ففي السنوات السابقة كان يتم التحضير للحدث قبل أسابيع، وتقام مهرجانات الاحتفال والاحتفاء بالمناسبة، وتجري الاستعراضات العسكرية التي لا تخلو طبعاً من وضع العلم الأميركي والعلم “الإسرائيلي” (علم الكيان الصهيوني) على أرضية ميدان الاستعراض، لتداس لاحقاً بأقدام القوة العسكرية المستعرضة!.
ولمعرفة السبب وراء اختفاء هذه المراسيم، لا بد من تفكيك سياسية “الحشد الشعبي”، ومعرفة سبب وجوده وتأسيسه.
لا يخفى على أحد، أن “الحشد الشعبي”، جزء من محور إقليمي في المنطقة، يطلق على نفسه “محور المقاومة”، وهو عملياً بقيادة إيران، وينفذ أجندتها، وهدفه على المدى القريب، كما بقية مليشيات محور المقاومة في المنطقة/ لبنان واليمن/ مثلاً، هو إضعاف الدولة الوطنية والسيطرة على مؤسساتها. يرفع “الحشد الشعبي”، كما بقية ميليشيات محور المقاومة، شعار مقاومة الإمبريالية، وإنهاء الوجود الأميركي في المنطقة، ومحاربة “إسرائيل” (الكيان الصهيوني) وتحرير القدس.
لجأت الشعوب عبر التاريخ الى تأسيس ميليشيات لمقاومة الاحتلال الأجنبي، وإنهاء وجوده، والحصول على السيادة الوطنية والاستقلال، فلم تمتلك الشعوب وقتها جيوش نظامية تدافع عنها، وقد كانت تلك الشعوب تحارب احتلالاً استعمارياً موجوداً على أرض الواقع، لكن مليشيات محور المقاومة، تعيش في وضع لم يسبق أن مرت به أيّ من شعوب العالم عبر التاريخ، فهي تقبل بالمشاركة في النظام السياسي، وتحصل منه على امتيازات كبيرة، وفي ذات الوقت، تعمل على إضعاف الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام السياسي، كما أنها لا تحارب قوة استعمارية موجودة على الأرض، فأين الوجود الاستعماري الذي تريد أن تنهي وجوده ميليشيا “الحشد الشعبي” في العراق؟!
ما دامت هذه الميليشيات مقتنعة بالنظام السياسي، وتدخل في الانتخابات، وتحصل على مقاعد في البرلمان، ومناصب سيادة في الحكومة، لماذا لا تعمل على تقوية الجيش والشرطة وتحارب بهما الإمبريالية؟! طبعاً، الجواب معروف، فالغرض من وجود هذه الميليشيات ابتزاز الشعب والنظام السياسي، والسيطرة على الدولة ومقدراتها، وعندما يخسرون وجودهم السياسي، يرفعون سلاح مقاومة الإمبريالية، لكن الحقيقة أن هذا السلاح سيف مسلّط على رقاب الشعب.
في الحكومة العراقية السابقة، حكومة مصطفى الكاظمي، كانت صواريخ كاتيوشا المقاومة تدك بغداد أسبوعياً، بحجة استهداف السفارة الأميركية، وتطوّر الأمر في بعض المرات لاستهداف إقليم كردستان، لكن مع مجيء حكومة السوداني، الذي جاء به إلى السلطة زعماء ميليشيا “الحشد الشعبي”، اختفت الصواريخ التي تستهدف السفارة! واختفت معها شعارات محاربة الإمبريالية، حتى ذكرى تأسيس “الحشد الشعبي” مرت مرور الكرام، من دون احتفال أو استعراض، والسبب واضح طبعاً، لأن مصطفى الكاظمي، لم يكن خاضعاً لزعماء المليشيات بشكل كامل، بعكس خلفه محمد شياع السوداني، الذي يبدو مجرد دمية يحركونه كما يشاؤون، والذي ما أن وصل إلى السلطة، حتى اختفت شعارات إنهاء الوجود الأميركي في المنطقة.
إن الهدف الذي تعمل عليه المليشيات هو السيطرة على السلطة، وتستخدم شعارات المقاومة لابتزاز الدولة والشعب، فالمعادلة التي يعملون وفقها واضحة؛ عندما نكون في السلطة يكون سلاح المقاومة مُنكساً، وعندما نكون خارج السلطة يكون سلاح المقاومة مشهراً في وجه الشعب والدولة.
لذلك، يمكن أن نلخص الوضع بالقول: إن سلاح ما يُسمى المقاومة في العراق، هو مجرد سلاح ابتزاز وارتزاق، ولا علاقة له بالمقاومة التي عرفتها الشعوب من قبل، فمن أراد أن يؤسس دولة قوية ذات سيادة، عليه تأسيس جيشًا قويًا، لا محاربته واضعافه، وتأسيس مليشيات بديلة عنه.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى