تقويض الحريات في قلب أوروبا!

خاص “المدارنت”
يُمثّل قرار السلطات الفرنسية بحظر التظاهرة الشعبية الحاشدة التي كانت تعتزم المقاومة الإيرانية تنظيمها في العاصمة باريس منعطفاً خطيراً في سياق التعامل الغربي مع المعارضة الإيرانية، وإن هذا الإجراء الذي جاء في لحظة سياسية فارقة لا يكتسب دلالته من كونه مجرد تقييد إجرائي للحريات العامة بل من كونه مؤشراً على تغير في العقيدة السياسية للدول الأوروبية إزاء الملف الإيراني حيث باتت الحسابات الأمنية والسياسات الاسترضائية تتفوق على قيم التضامن الديمقراطي التي لطالما كانت ركيزة للموقف الأوروبي.
معضلة الاسترضاء الجيو/ سياسي
إن التبريرات الرسمية التي ساقتها الحكومة الفرنسية والمتمثلة في دوافع أمنية أو أحوال جوية تبدو في نظر المراقبين الدوليين غير مقنعة بالمرة وتفتقر إلى المنطق القانوني الرصين.
إن سحب التصاريح الرسمية في اللحظات الأخيرة بعد أن حشدت المعارضة عشرات الآلاف من مؤيديها ليعكس حالة من الارتباك الاستراتيجي؛ إذ يرجح مراقبون أن القرار جاء استجابة لضغوط دبلوماسية غير معلنة من طهران تزامناً مع مساعي خفض التصعيد الدولي، وبذلك تحولت باريس إلى مسرح لتقييد التعبير، وهو ما وصفه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون بأنه انحناء جبان أمام سلطوية النظام الإيراني محذراً من أن هذه السياسة لا تؤدي إلا إلى تعزيز نفوذ الأنظمة التي تمارس القمع كأداة للبقاء.
شرعية المقاومة في مواجهة سياسات التهميش
في المقابل أكدت مريم رجوي الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية على حقيقة استراتيجية مفادها أن التغيير في إيران هو شأن داخلي بامتياز، وأن محاولات الحكومات الغربية للتفاوض مع النظام أو استرضائه بدلاً من دعم القوى الديمقراطية المنظمة هي استراتيجية محكومة بالفشل.
إن رفض رجوي القاطع لأي صيغ إعادة إنتاج للاستبداد سواء الديني أو البهلوي يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي؛ فإما دعم جمهورية ديمقراطية تقوم على انتخابات حرة وشفافة أو الانزلاق نحو استقرار قسري لا يخدم سوى بقاء النظام القائم، وقد أثبتت التطورات الأخيرة وجود تقاطع في المصالح بين القوى الدولية وبقاء النظام على حساب تطلعات الشعب الإيراني.
الأبعاد الدولية للارتهان الفرنسي
تتجاوز القضية حدود العلاقة الثنائية بين فرنسا والمقاومة الإيرانية لتلامس أمن القارة الأوروبية.. لقد وضع وزير الخارجية الأوكراني السابق دميترو كوليبا يده على جوهر الأزمة حين ربط بين القمع الممارس داخل إيران ودور طهران كحليف عسكري لروسيا، وإن المفارقة الاستراتيجية تكمن في أن فرنسا التي تُعد ركيزة في حلف الناتو الداعم لأوكرانيا تختار في الوقت نفسه تضييق الخناق على القوى الأكثر عداءً لهذا النظام المتورط في تزويد موسكو بالسلاح.. كما أن تصريحات رئيس المجلس الأوروبي السابق شارل ميشيل تؤكد أن النخب السياسية الأوروبية تدرك أن سياسة الاسترضاء لا تجدي نفعاً وأن المهادنة مع الأنظمة التي تتبع سياسات التوسع والتهديد الخارجي ترتد سلباً على الأمن الإقليمي والدولي.
التوقيت والنتائج
يأتي حظر المسيرة في توقيت شديد الحساسية حيث وقعت الولايات المتحدة وإيران مؤخراً وثيقة تفاهم في فرساي تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز وإدارة النزاع القائم.. وإن تزامن هذا الحظر مع تلك التفاهمات ليشي بوجود “مقايضات” جيوسياسية باتت تضحي بمبادئ حقوق الإنسان والحرية في سبيل تحقيق استقرار هش؛ كما إن إقدام الشرطة الفرنسية على تفريق المتظاهرين السلميين واستخدام القوة ضد جموع كانت تنشد تغيير النظام يمثل خطيئة سياسية قد تُضعِف من مصداقية باريس كشريك دولي يرفع شعارات الحرية.
ختاماً.. إن تغليب المصالح السياسية العابرة على القيم الديمقراطية الراسخة يمثل اختباراً وجودياً لأوروبا.. وإن منع صوت المقاومة الإيرانية من الصدح في باريس لا يمثل نصراً لطهران بقدر ما يمثل تراجعاً عن الدور الذي ينبغي أن تلعبه العواصم الغربية في دعم تطلعات الشعوب التواقة للحرية.. إن التغيير الحقيقي يتطلب شجاعة أخلاقية تتجاوز دهاليز الدبلوماسية العقيمة نحو اعتراف صريح وواضح بإرادة القوى الشعبية التي لا تقبل بالاستسلام لواقع مفروض.



