مقالات

العرب وقوة العروبة

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”
يدفع الواقع العربي الضعيف والمتردي بالكثيرين من أبناء الوطن العربي إلى اليأس؛ وآخرين إلى الكفر بالعروبة؛ وغيرهم إلى إعتبارها غير قائمة أو أنها – أي العروبة – لم يعد لها وجود؛ هكذا مع التعميم والخلط بين الواقع الرسمي والواقع الشعبي، فإلى أي مدى يجب القبول بمثل هذه المواقف أو إنكارها؛ ثم بيان واقع الحال العربي، ومدى فاعلية العروبة في؛ العروبة كهوية حضارية تاريخية؛ تشكلت عبر التفاعل التاريخي بين أبناء المنطقة التي تشكل الوطن العربي حاليا..

كثيرة هي الأطراف والدول التي تستقوي على العرب..
وكثيرة هي المشاريع التوسعية على حساب العرب.. وكثيرة هي البرامج السياسية التي لا تأخذ العرب في الحسبان، العرب كجماعة متكاملة وأمة واحدة وشعب واحد.. وكثيرة هي الطروحات التي تنكر وجود أمة عربية؛ توحدت عبر مسار تاريخي طويل؛ فتنكر بعد ذلك وجود هوية عربية واحدة لتصل إلى الخلاصة الأخطر: لا مصير عربي واحد؛ ولا أمن عربي موحد؛ لتكون النتيجة سعي كل بلد عربي إلى حماية أمنه الذاتي؛ بإمكانياته الذاتية منفردا..

ولما كانت المشاريع الطامعة بالعرب والمتربصة بهويتهم ووجودهم ومقدرات بلادهم؛ كثيرة؛ وذات إمكانيات كبيرة؛ بل أكبر من أي قطر عربي بمفرده؛ فإن النتيجة الواقعية لذلك هي لجوء كل بلد عربي، منفردا إلى الإستعانة بقوى خارجية أجنبية لحماية أمنه الذاتي؛ وهنا تكمن إحدى مصائب الواقع العربي الراهن..

لقد إستطاعت قوى النفوذ الأجنبي المتغلغلة في الجسد العربي؛ الرسمي والشعبي؛ أن تفتعل من الأزمات المحلية وتوجهها بما يكفي؛ لتحدث شرخا في الثقة بين العرب؛ العرب أصحاب السلطان ومالكي النفوذ..

ولقد إستطاع نظام “سايكس/ بيكو” الإقليمي التجزيئي أن يُنمّي ويرعى ويطور أزمات داخل كل قطر؛ تستمد جذورها ومقوماتها من الخلافات مع الأقطار الأخرى أو الأجزاء الأخرى؛ وقد برع هذا النظام الإقليمي في تنفيذ هذه المهمة الموكلة إليه من القوى الأجنبية الإستعمارية التي أنشأته؛ وترعاه وتحميه وتوجهه..

وكان من نتائج كل هذا أن نشأت قضايا تسمى “وطنية” – زورا وبهتانا – تشغل إهتمامات وتفكير أبناء كل بلد وتضعهم في مواجهة أبناء بلد عربي مجاور لهم..
هكذا هي الحال، على سبيل المثال بين المغرب والجزائر؛ وقضية الصحراء التي أصبحت في رأس القضايا “الوطنية” لكل منهما في مواجهة الآخر..

وهكذا هي الحال بين لبنان وسوريا؛ وما بينهما من مشكلات مفتعلة؛ تحولت مع الوقت إلى قضايا مواجهة وتناقض بين البلدين؛ اللذين كانا إلى وقت قريب جزءًا أساسيًا وفاعلا من بلاد الشام التاريخية..
وكانت المعركة المترافقة والمصاحبة لكل تلك القضايا المفتعلة؛ معركة نفي العروبة؛ كهوية مشتركة واحدة لكل أبناء الأمة؛ أكانوا في بلد صغير أو كبير أو حتى خارج أرض الوطن العربي الكبير؛ البالغة ما يزيد على أربعة عشر مليون كلم مربع..

ترافقت كل تلك المعارك الموجهة أساسا إلى الوجود العربي برمته، مع غياب أي قوة عربية مواجهة ترد على تلك المعارك؛ وتفند أهدافها وتشرح مخاطرها؛ وتنشىء وعيًا عربيًا حقيقيًا مقابلا؛ وعيًا يبيّن حقيقة الوجود العربي؛ وما يتعرض له من تحديات وأخطار، ويشرح ماذا ينبغي فعله لمجابهة تلك التحديات؛ ورد أخطارها؛ وبالتالي؛ حماية الوجود العربي؛ بما يستوجبه من إدراك لحتمية وحدة المصير العربي؛ وأساسه وحدة الأمن العربي..

كان العراق؛ يمثل خط الدفاع الأخير عن الوجود والهوية والدور؛ ومنذ إحتلاله وإسقاط نظامه الوطني سنة 2003، وهذا التراجع يزداد؛ ويزداد معه التقهقر إلى حدود الإنعزال الإقليمي المحدد بالعصبيات الإنقسامية والتبعية للنفوذ الأجنبي؛ وكان الموقف الرسمي العربي المتفرج أو المشارك في غزو العراق؛ من قبل ما يُسمّى بالتحالف الدولي؛ مثالًا صارخًا على مدى فشل النظام الرسمي في إتخاذ موقف عربي؛ مبني على أساس الأمن العربي الواحد..

وقد كان من نتائج هذا الغياب المؤسس والممنهج للوعي العربي؛ المنبثق من قوة عربية؛ ذات رؤية عربية؛ ومشروع عربي؛ متكامل، واضح المعالم؛ ما يلي:
1/ إستفراد قوى النفوذ الأجنبي بكل قطر عربي على حدة، والتحكم بالتالي؛ بتوجهاته العامة ولا سيما ما يتعلق منها بالأمن والإنفاق الإستراتيجي والعلاقات مع الآخرين، وقد أرغمت دول عربية عدة على الرضوخ لتلك الحماية الأجنبية؛ بسبب غياب قوة الأمن العربي؛ وعدم توفر الإمكانيات الذاتية لتولي المهمة..

2/ صعود نفوذ المشروع الصهيوني إلى الدرجة التي صار فيها الحديث عن “السلام” مع العدو الصهيوني؛ مادة أساسية في حديث السياسة اليومي؛ وصار التبادل والتواصل معه علانية وكأنه أمر عادي أو من دواعي الفخر والإعتزاز بالنسبة للبعض.. وصارت زيارات كبار ضباط “الموساد” ومسؤولي كيان العدو لبلاد عربية؛ وكأنه أمر في غاية الإعتياد والطبيعية المألوفة..

3/ صعود مشروعين إقليميين متوازيين؛ يطمع كلاهما في التوسع والإمتداد على حساب القوة العربية؛ والوجود العربي؛ بل تطورت أطماعهما إلى الحد الذي جعلهما بديلا عن الوجود العربي ذاته أو هكذا يريدان.. هكذا صعد المشروع الإيراني؛ وصعد معه وفي مقابله مشروع تركي؛ وكل مشروع منهما يختبىء خلف شعارات تمويهية وإن كانت ذات خلفيات تاريخية..

المشروع الإيراني؛ يعمل على إستقطاب الشيعة العرب؛ ونزعهم من إنتمائهم الوطني والقومي؛ وتحويلهم إلى رعايا في “دولة ولاية الفقيه” الإسلامية الشيعية..

المشروع التركي؛ يعمل على إستقطاب السنٌة العرب، ونزعهم من إنتمائهم الوطني والقومي؛ وتحويلهم إلى رعايا في “دولة الخلافة” الإسلامية العثمانية..
كلاهما لا يعترفان بهوية عربية؛ تجمع أبناء الوطن العربي؛ وبالتالي؛ كانا سببا – أحد أسباب – تدهور الوعي بالإنتماء القومي للإنسان العربي؛ وتصعيد مشاعره الدينية وعصبياته المذهبية..

المشكلة الأخطر أن إنتفاء الهوية العربية بين المؤيدين لأي منهما، وبروز العصبية المذهبية؛ أدّيا إلى تأسيس شرخ مجتمعي بين أبناء الوطن الواحد؛ أساسه الإنقسام المذهبي القائم على العصبية المذهبية والمنبثق عنها؛ وهو الشرخ الذي راحت كل قوى النفوذ الأجنبي تستثمر فيه لمزيد من تمزيق الجسد العربي؛ وتقطيع أوصاله المقطعة أصلا؛ فضلا عن أنه شرخ صار يشكل جوهر الأستراتيجية الصهيونية؛ للتعامل مع الشعب العربي؛ كطوائف ومذاهب متناحرة؛ وهويات عرقية فرعية إنفصالية؛ الأمر الذي يهدد مستقبله؛ ويستنزف طاقاته في صراعات هامشية مدمرة..

4/ السماح لجهات خارجية إقليمية بتوظيف قضية فلسطين؛ في مشروعها التوسعي الخاص؛ ولما كانت قضية فلسطين؛ توحّد الضمير الشعبي العربي؛ المدرك لحالة العجز والتقاعس العربي الرسمي؛ كان من الطبيعي أن يحصل تجاوب شعبي عربي مع أي طرف؛ يعلن وقوفه إلى جانب فلسطين؛ ويساعد أطرافا في المقاومة التي يخوضها شعب فلسطين؛ وإن بدا للكثيرين مدى توظيف هذه المساعدة في تمرير المشروع الذاتي والأهداف الخاصة.

وفي مقابل حالة الضعف والهوان العربية الراهنة؛ وغياب أي فعالية لأسباب ومقومات القوة العربية؛ يمتلك العرب من الإمكانيات البشرية والطبيعية والعينية؛ ما يمكنهم من أن يصبحوا قوة عالمية عظمى إذا توحدوا أو تضامنوا؛ ولكنهم لا يفعلون، لماذا؟ هل هم في واقع يغنيهم عن الإتحاد أو التضامن؟ هل يستطيع أي قطر عربي بمفرده تأمين مستلزماته الحياتية والمستقبلية وفي صدارة أولوياتها الأمن؟ هل يستطيعون بواقع حالهم الراهن إيجاد حل عادل لقضية فلسطين؛ يوفر عليهم عناء استجداء الحماية الأجنبية، ومنع التفاعلات السلبية الناتجة عن إستمرار معاناة شعب فلسطين العربي؟

وإذا ما أبعدنا فكرة العروبة من لغة الخطاب والفعل والتخاطب؛ فهل ثمة روابط أخرى تجمع أشتاتهم وتجمع جهودهم؛ لتشكل قوة قادرة على حمايتهم ذاتيا، والإستغناء عن الحمايات الدولية الباهظة التكلفة والثمن المادي والمعنوي؛ وحتى النفسي؟

إن الإجابة الموضوعية على هذه التساؤلات، تبين إستحالة حماية أمن العرب فرادى؛ أي كل بمفرده.
ولعل الحرب القائمة حاليا في المنطقة، تؤكد هذه المعادلة: الأمن العربي مسؤولية جماعية عربية؛ لأنه ليس بمقدور أي بلد حماية أمنه الخاص بمفرده..
أما كل القواعد الأجنبية التي كلفت مئات المليارات، فلم تفلح في رد أي إعتداء وحماية أي منشأة حيوية؛ ليس هذا كلاما “أيديولوجيا”؛ لكنها الحقائق العملية التي تتأكد صحتها يوما بعد يوم؛ إن هذا مدعاة لموقف عربي موحد يضع إستراتيجية أمنية عربية تحمي الجميع مرة واحدة؛ فلماذا لا يتم مثل هذا؟

إن تخلي النظام الرسمي العربي عن فكرة العروبة؛ كهوية ومنطلق لتعاون وثيق بحكم ما تحتمه الهوية الواحدة من وحدة المصير، هو السبب الأساس الذي أبعده عن التزام مقتضيات وحدة المصير؛ ووضعه تحت رحمة الحمايات الأجنبية مع ما تعنيه من هدر هائل في الإمكانيات؛ من دون تحصيل النتيجة المطلوبة؛ وبحساب الربح والخسارة والتكلفة؛ فإن إستراتيجية أمنية عربية مشتركة؛ سوف تكون أقل كلفة بكثير من أي حماية أجنبية أقل كلفة على كل المستويات المادية والبشرية والعينية والنفسية، فضلا عما تتركه من إنتعاش نفسي للإنسان العربي؛ يعزز ثقته بنفسه؛ ويحمله على الإنخراط الجدّي في تحمل مسؤولياته، والمشاركة الفعلية في دفع الأخطار والتعديات على بلاده؛ أما بالحماية الأجنبية؛ فالحال معاكس تماما؛ حيث يشعر العربي بنوع من الإحباط النفسي؛ يبعده عن المشاركة الإيجابية في صنع مصير بلاده وأمته؛ فضلا عن تعزيز إحساسه بالغربة في بلده وعنه؛ مما يعزز ذلك الشعور السلبي تجاه العروبة تحت ذريعة تخلي النظام الرسمي عنها.

إن الشعور الحقيقي بالإنتماء إلى العروبة؛ كهوية جامعة؛ هو السبيل إلى العمل الجدي لتفعيل أي عمل عربي مشترك؛ من شأنه حماية الأمن العربي والمقدرات العربية، وهذا ما يفتقده النظام الرسمي؛ فلا يجد حرجًا في اللجوء إلى تبعية هنا وإرتهان هناك في ظلال حماية أجنبية باهظة الأثمان..

ليس التخلي عن العروبة؛ خيارًا فرديًا لكنه سياسة متعمدة مدروسة لتبرير الإرتهان للأجنبي؛ والخضوع لطلباته المرهقة وشروطه التعجيزية..
ليست العروبة هي المسؤولة عن حال التردي والضعف العربيّين؛ لكنه التخلي عن العروبة هو السبب؛ العكس هو الصحيح؛ لأنهم يتخلون عن العروبة؛ يقعون في براثن النفوذ الأجنبي، ويلجأون إليه طلبًا للحماية؛ وما الرضوخ أو القبول بالإلتحاق بأي مشروع أجنبي – تحت أي مبررات – إلا تعبير أكيد لنكران العروبة والتنكر لمقتضيات الإلتزام بها..

إن أولى مقتضيات هذا الإلتزام؛ هو حماية الأرض العربية والإنسان العربي والمقدرات العربية وتوظيفها؛ لتنمية وتطوير وتقدم بلادها ومعيشة أبنائها..
ينطبق هذا على النظام الرسمي؛ بقدر إنطباقه على أي تنظيم سياسي أو تشكيل حزبي أو دعوة دينية..

إن إتخاذ الولاءات المذهبية أو الدينية؛ غطاء لإنكار العروبة، ليس إلا شكلا من أشكال التبعية والإرتهان لمصالح خارجية؛ ليست كلها بريئة أو منزهة عن المصالح الفئوية والخاصة..
إن التنكر للعروبة؛ لدى أصحاب السلطان ومالكي القوة – رسميّين وأهليّين – هو أحد أهم ألأسباب في بروز وتقدم المشاريع الإقليمية التي تستهدف الدور العربي وقوته، فضلا عن كونه السبب الأكبر في تضخم المشروع الصهيوني؛ ومن خلفه كل اصحاب الأطماع الأجنبية في بلاد العرب..

إن إنكار العروبة؛ والتنكر لها هو عامل لقاء مشترك يجمع بين الطامعين بالقوة العربية؛ سواء كانوا على تنسيق واضح أو على تقاطعات مصلحية آنية، وبصرف النظر عن مدى خطورة كل منهم؛ ويبقى الكيان الصهيوني ومشروعه الإستعماري هو الرأس المدبر؛ والقوة الموظفة لكل أخطار أخرى؛ والقادر على توظيف وإستثمار أي تناقضات أو إنقسامات أو عصبيات لصالحه؛ نظرًا لما يتمتع به دعم إستعماري غربي كبير؛ متنوع المصادر..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى