مقالات

العقــل وقــراءة المـــوروث الـــديني!.. (مدونة الأسرة نموذجًا)

عبد الإله شفيشو/ المغرب

خاص “المدارنت”..
يقول رسول الإسلام “مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ ٱللَّهِ” في حديث له: “إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لِهذِه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها”.
في خطاب العرش يقول الملك المغربي “أمير المؤمنين محَمَّدُ السَّادِسُ”: “… ومن أهم الإصلاحات التي قمنا بها، إصدار مُدونة الأسرة، واعتماد دستور 2011، الذي يكرس المساواة بين المرأة والرجل، في الحقوق والواجبات، وينص على مبدأ المناصفة، كهدف تسعى الدولة إلى تحقيقه… وإذا كانت مُدونة الأسرة قد شكلت قفزة إلى الأمام، فإنها أصبحت غير كافية؛ لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق، تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون تحقيق أهدافها”.
إن القراءة العقلية للموروث الديني هي التي تعزز الاطمئنان الديني وترسخ الاستقرار الثقافي وتقوي الجبهة الداخلية ضد المؤثرات الفكرية والعقائدية الخارجية، وستكون لهذه الحركة التنويرية أثر محمود في نشر الثقافة الدينية المعتدلة المتسامحة المستقاة من أمهات الكتب المعتمدة في الشأن، ومنها تلك الصادرة في القرن العشرين في كل من “مصر”، “سوريا”، “لبنان”، الهادفة إلى تصحيح المعتقدات والمفاهيم ولتقويم السلوك ولتنوير العقول بحقائق بما لا يجوز جهلها من أحكام الشرع، بخاصة في مجال المعاملات، إننا نعيش اليوم مرحلة القلق الأكبر وليس من الحكمة أن يترك عقلائنا لهذا القلق أن يدمر في المجتمع روح المبادرة، والجرأة على التجديد في الموروث الديني، واتخاذ قرارات الصعبة فرياح التغيير تهب عواصفها من كل صوب، وهو الأمر الذي يستدعي منا وضع مخططات بفكر جديد وبمنهج عقلاني، فالعقلاء هم وحدهم الذين يبحثون عن مواقعهم في هذا العالم الجديد، حتى يركبونا سفينة الأمان، وإعادة الروح للقيم الإنسانية في أفق إحداث التغيير الجوهري، أي التغيير الإيجابي القائم على القراءة العقلية للثقافة الدينية، لأننا نقف اليوم، أمام الخيار الصعب بحيث تتجاذبنا تيارات فكرية كثيرة.
في ضوء ما سبق، فالتنوع في التيارات والدوافع هو ما يعبر عنه بالتنوع الثقافي الذي يوصف في الأدبيات العالمية، بأنه التنوع الخلاق الذي اعتمدته اتفاقية دولية صدرت عن منظمة اليونسكو UNESCO، فالاعتراف بالتنوع الثقافي والإقرار بالحق في الحفاظ على الخصوصيات الثقافية والحضارية، هو الخطوة الأولى نحو الاستقرار الاجتماعي فمن الخطأ التصدي للأفكار مهما تكن درجة الاختلاف معها، لمجرد أنها أفكار تتعارض أو تختلف مع ما هو سائد في المجتمع.
فالقراءة العقلية للموروث الديني السائد هو مقدمة للاعتراف الذي يعني التسليم بوجود مغاير وبحالة مختلفة، وهذا هو ما وقعت فيه الدولة المغربية – “إمارة المؤمنين” – وفشلت سياستها فيما أسمته (تدبير الشأن الديني) لتغييبها للسياق المحلي الثقافي، فالمواطنون والمواطنات يريدون إيجاد توازنهم الخاص بين الحرية والنظام، الأمر الذي أدى إلى التسبب في خلط الأوراق وفي ارتكاب جرائم من قبل تجار الدين يمكن أن تكون سببا في تأجيج نار الفتن ونشر الكراهية في المجتمع.
“تدبيـر الشــأن الدينـي”!، أعترف أنني لا أفهم جيدا مدلول هذه العبارة، ولا أجد حرجا في هذا الاعتراف، وعلى هذا الأساس يجب تضافر الجهود لنشر الثقافة الدينية في جميع الأوساط، وبين مختلف الفئات ثقافة قائمة على التسامح وحرية الاعتقاد مُبرّأة من الشطحات والانحرافات والمبالغات والتوهمات العقدية، فالقراءة العقلية للموروث الديني هي بمثابة زادا يوميا للمواطنين والمواطنات، ومصدرا للمعرفة الشعبية العامة، وليس بالشعبوية التي ستحصن الإنسان من الزيغ والانزلاق في براثين التطرف والإرهاب.
لقد مضى عصر الانغلاق “الإيديولوجي” الثقافي، ذلك العصر الذي أصبح من مخلفات التاريخ ولا ينبغي أن تعوق هذه المخلفات/ الأزمات، مَسيرة المجتمع الزاحف نحو المستقبل، فأحيانا الأزمة تعني فرصة جديدة، لأن من يتحلّون بالروح العقلانية الإيجابية سيستفيدون من تلك الأزمة في تجديد المفاهيم السائدة، وإعادة الروح للقيم الدينية – جوهر الرسالات السماوية – التي تحطمت، مما سيؤدي لا محالة إلى التغيير الجوهري لمشهد الموروث الديني “مُدونة الأسرة نموذجا”، ببلادنا بصفة عامة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

  1. نحن في حاجة إلى ثورة حقيقيّة عمادها هذه المرّة الفكر والعقل لدرء المخاطر المحدقة بالحاضر والمهدّدة للمستقبل، وأولى ثمار قراءتنا للموروث الدّينيّ التمكن من قراءة أكثر انفتاحا للدّين والهويّة والتراث، وبانتشارها يتلاشى كلّ فكر متعصّب كما تفسح للاختلاف مساحات واسعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى