الغزو الروسي لسوريا.. أحاجي الموقف الروسي من الأسد..! الجزء (3)..

خاص “المدارنت”..
الموقف الروسي من الأزمة السورية ليس لغزا ولا أحجية, ولكنه تحول (لغزا) بسبب قصورنا وأخطائنا في فهم ألاعيبه واشاراته المتضاربة التي يرسلها لاعبو السيرك الروسي الينا بمهارة بغرض خداعنا مرة بعد أخرى.
ولا بد أن تعترف بأن الروس نجحوا في تضليلنا وخداعنا ببعض التصريحات والاشارات المضللة التي ثابروا على إطلاقها بين حين وآخر, ليشتتوا انظارنا ويفتتوا اجماعنا كعرب وكمعارضة سوريا.
هذه الحركة صارت بمثابة (رقصة) ناعمة وبارعة كرقصات البالية يؤديها ديبلوماسيو الكرملين المهرة بشكل دوري وموسمي على مسرح البولشوي كلما اشتدت عزلتهم العالمية وتكثفت الانتقادات العالمية لهم بسبب تسليحهم للأسد, أو بعد استخدامهم للفيتو في مجلس الأمن لحماية الاسد, أو كلما كانوا بحاجة لخلق أجواء مناسبة لطرح مبادرة ديبلوماسية جديدة هدفها شق صفوف المعارضة السورية أو جبهة الدول العربية الرافضة للتمدد الايراني.
الغريب أنه رغم تمترس الساسة الروس لأربع سنوات ونصف في خندق القتال دفاعا عن نظام الاسد, وعن بقائه هو في الحكم الى الأبد مثلهم كمثل أصدقائهم الايرانييين, وعداوتهم المعلنة لثورة الشعب السوري ومطالبته بإسقاط النظام.. إلخ, رغم ذلك نجحوا مرارا باشاعة الغموض المصطنع, أو إثارة شائعات توحي بتغيير موقفهم أو قرب تحولهم الى شيء من الحياد بين الشعب السوري والاسد.
آخر المرات التي شاهدنا فيها عرضا من عروض الكذب الروسي البارع كانت خلال الشهور الثمانية السابقة من العام الجاري, حيث نجح الثلاثي بوتين ولافروف وبوغدانوف ببعض حركاتهم الايقاعية المنضبطة وفقا لنفس النوتة القديمة من الايحاء للعرب والسوريين بأن انقلاب موقفهم المأمول من الاسد قد بدأ يحدث بطريقة جدية, وبشكل مختلف عن سوابقه.
ومن يرجع الى نهاية العام الفائت يجد أن الروس كانوا في حالة حرج و عزلة بسبب سلوكهم اللا مسؤول في سوريا وأوكرانيا, وكانوا بحاجة لكسر العزلة أو تخفيف الانتقادات والضغوط, فأطلقوا مبادرتهم لحل الأزمة السورية, ودعوا “المعارضة” الى موسكو لحوار مع النظام (بلا شروط مسبقة) أي دون اصرار على تنحيه!. ثم ذهبوا الى عدة عواصم عربية طالبين دعمها, ودعوا بعض المسؤولين الخليجيين اليهم ليبحثوا معهم امكانيات التعاون والعمل المشترك في أزمات المنطقة التي تلعب إيران دورا رئيسيا في خلقها, مما أوحى لقطاع من العرب أن موسكو جادة هذه المرة في الابتعاد عن خندق دمشق – طهران . ويبدو أن “أعدقاءنا” (الأميركيين) ساهموا في إنجاح الرقصة الروسية الجديدة, فقد زار جون كيري موسكو واجتمع بالرئيس بوتين وبلافروف قبل ساعات من القمة الامريكية – الخليجية في 18 مايو السابق وعاد منها الى كامب ديفيد مباشرة لنقل رسالة من الروس للعرب تؤكد أنهم لم يعودوا متمسكين بالاسد ! وبناء على ذلك قام وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان ووزير الخارجية عادل الجبير بزيارتين الى موسكو لتدشين عهد جديد من التعاون, وفي نفس الفترة بثت مواقع اعلامية قريبة من دوائر الرياض سلسلة معلومات وتقارير تبشر العرب والسوريين بأن الروس قادمون الى الخليج وانهم صاروا معنا ضد الاسد , ولن يمضي طويل وقت ليغيروا موقفهم من ايران أيضا بدليل تأييدهم لقرار ادانة الحوثيين في مجلس الامن الدولي في ابريل.
ولا يسع المراقب إلا أن يشهد للروس بنجاحهم في خداعنا جميعا, ذلك النجاح الذي بلغ ذروته في مطلع اغسطس 2015 بوصول لافروف الى الدوحة ليشارك في الاجتماع الثلاثي مع نظيريه كيري والجبير فضلا عن القطريين, إذ ظهر الوزير الروسي كمسؤول دولي يضطلع بدور ايجابي في خدمة السلام العالمي وحل مشاكل الشرق الأوسط بالتعاون مع عرب الخليج, لا من خلال دمشق وطهران فقط.
وقبلها بأيام استقبل الرئيس بوتين نظيره التركي واسمعه كلاما قابلا للتأويل يوحي بتخليه عن الأسد, وزار ثالث الجوقة بوغدانوف أنقرا واجتمع مع مسؤولي الائتلاف السوري المعارض ليدعوهم الى جولة جديدة من جهود موسكو لمعالجة الازمة السورية ويسألهم بطريقة مواربة: أين تريدون أن نرسل الاسد بعد تنحيه؟! الأمر الذي عزز الإيحاء بأن الرفاق قرروا جديا التخلي عن حليفهم المجرم !
إلا أن هذه الأكاذيب والاشارات الغامضة سرعان ما تبددت بعد أن أدت مفعولها وبلغت نهايتها الحتمية بعد يوم واحد من اجتماع الدوحة , إذ ذهب بوغدانوف الى طهران ليلتقي وليد المعلم والوزير الظريف ويعلن معهما أن موقفهم المؤيد للأسد شخصيا هو بنفس القوة السابقة وأكثر وكذبت موسكو تصريح اردوغان! ثم يعلن لافروف من موسكو بعد اجتماعه بعادل الجبير نفس الوقف القاطع مما دفع الوزير السعودي للقول علنا: على الاسد أن يرحل سلما أو حربا. وعندما ذهبت وفود المعارضة السورية الى موسكو سمعت نفس الكلام بينما كانت هذه ترسل اسرابا حديثة من طائرات الميغ السورية لتعزز آلة الفتك بشعبنا بأحدث ما تنتجه مصانعها الحربية , وبطر يقة تؤكد للمرة الألف أن روسيا مع الاسد حتى آخر سوري كالايرانيين شركائهم في ابادة شعبنا وتدمير سوريا.
ولا يسعنا الآن إلا أن نعترف بسذاجتنا أمام الروس وبأنهم نجحوا في خداعنا مرة أخرى, وأننا أعطيناهم فرصة لفك عزلتهم وقدمنا لهم بعض الصفقات في الخليج بلا مقابل مناسب.
وأملنا غير كبير أن تكون هذه آخر مرة تنطلي علينا أكاذيب بوتين ولافروف وبوغدانوف, وآخر مرة يحج فيها رجال كورس المعارضة السورية بقيادة عميليهم هيثم المناع وقدري جميل الى الكرملين أو للمشاركة في إنجاح عروض الباليه الدبلوماسية على مسرح البولشوي!
الروس كالأفعى يمكن ان يخلعوا جلودهم ولكنهم لن ينزعوا انيابهم السامة , وعلينا الكف عن انتظار (غودو) الروسي لأنه لن يأتي ابدا لأن الذين يحكمون القيصرية الروسية هم من أحفاد (راسبوتين)!



