مقالات

الغزو الروسي لسوريا.. الحرب على إرهاب الاطباء والمشافي (الجزء 11)..

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ سوريا

خاص “المدارنت”..

ربما يمكن للمرء الضغط على عقله لاجباره على تقبل مبررات حرب العصابة الاسدية على معارضيها المسلحين بأقوى اسلحة الابادة , ولكن ما يستحيل تبريره هو حربها على (الأطباء والمشافي وطواقم الخدمة فيها) كما لو كانوا هم مصدر الارهاب والخطر  على النظام الاجرامي .

وإذا أردنا مثالا ملموسا على معنى صرخة ستيفن اوبراين وكيل السكرتير العام للشؤون الانسانية امام مجلس الدولي يوم الاثنين الماضي لمناقشة الاوضاع الانسانية في سورية:(إن ما يجري في حلب اليوم وفي سوريا منذ خمس سنوات فضيحة لكل النسيج الأخلاقي للبشرية وفشل السياسة لنا جميعا) فإنما هو حرب الاسد وحلفاؤه على الاطباء والمشافي منذ بداية الثورة , إذ تبين للعالم منذ بداية الثورة أن حمل السلاح ضد النظام هو أهون “الجرائم”, وأن اخطرها أن تكون إعلاميا أو طبيبا أو مسعفا ينقذ الجرحى والمصابين برصاص الجيش والشرطة والشبيحة. وكم من طبيب أو مسعف اعتقل وعذب وقتل بتهمة تقديم الاسعافات للمصابين والجرحى أو نقلهم للمشافي.

منظمة (أطباء من أجل حقوق الانسان) وثقت مقتل 750 عاملا في الحقل الطبي حتى شهر أيار/ مايو الماضي. وقالت: 698 منهم قتلوا بغارات جوية سورية أو روسية. و373 هجوما وقعت على 265 مرفق طبي.

أما (منظمة الصحة العالمية) فجاء في تقريرها عن عام 2015 إن المشافي تعرضت ل 135 هجوما خلال العام.

وإذا كان هذا المثال لا يكفي دليلا على فضيحة العالم الاخلاقية بسكوته عما يجري في سوريا, فإن ما اقترفته روسيا منذ تدخلها العسكري المباشر قبل أحد عشر شهرا مثال أكبر وأوضح وأفظع, فهذه الدولة العظمى الدائمة العضوية في مجلس الامن سارت على نهج الاسد وركزت حربها على المشافي والاطباء أكثر مما فعلت ضد داعش الارهابية  التي وعمت أنها جاءت لمحاربتها.

في الشهر الماضي وبينما كانت قوات الاسد وحلفائه الروس والفرس تستعد للهجوم على حلب شنت الطيران الحربي حملة منسقة على ما بقي من مشافي ميدانية في مناطق حلب المحررة فدمرت في يوم واحد سبعة منها وبنك دم واحدا. وكان واضحا أن هذه العمليات الوحشية جزء من خطة الهجوم , حاملة معنى واحدا هو الذي يبرر ويشرح كل سياسة العصابة وحلفائها: نحن نطلق الصواريخ والبراميل لابادة الناس عشوائيا , وما يقوم به الاطباء هو انقاذ للمصابين, مما يؤدي لإحباط خططنا , ولذلك لا بد من قتلهم وتدمير مشافيهم عقابا لهم وضمانا لنجاح سياسة الابادة والمضي فيها بلا عوائق.

ستيفن اوبراين اشار في كلمته لوقوع 44 هجوما بالصواريخ على مراكز طبية خلال شهر تموز/ يوليو فقط .

منظمة (أطباء بلا حدود) التي تدير عددا من المشافي في المدن السورية اتهمت القوات السورية والروسية بتعمد استهداف مشافيها وأطبائها في حلب وادلب ودرعا كما جاء في كلمة لرئيسها في 9 شباط / فبراير الماضي حين كانت الحرب الروسية في اشد مراحلها .

 وبعد ايام من التصريح السابق قال رئيس (المنظمات غير الحكومية) في سوريا: إن الخامس عشر من الشهر نفسه يوم اسود في تاريخ مهنة الطب بسبب كثرة الهجمات الروسية على المرافق الطبية تحديدا والتي شملت كل شيء حي على أرض حلب. وكررت منظمة (اطباء عبر القارات) الموقف نفسه وطالبت المجتمع الدولي بإنقاذ ما بقي من مؤسسات صحية . ولكن هذا النداء لم يجد صدى في العالم .. وظل الصمت والسكون يسودان على جميع الاصعدة , وتكررت الاستغاثات للفت انتباه العالم الى وحشية ما يقترفه الاسد والروس والايرانيون واتباعهم من جرائم ابادة منظمة, فوجه في العاشر من الشهر الجاري خمسة عشر طبيبا في حلب المحررة رسالة الى الرئيس الاميركي نبهوه فيها الى (أن الوضع سيكون ميؤوسا منه بالنسبة للمدنيين في حال أعادت قوات النظام فرض الحصار) وناشدوه القيام بأي جهد لرفع الحصار أو حتى استخدام نفوذه لدفع الأطراف لحماية المدنيين , وأضافوا : ( لسنا في حاجة لذرف الدموع أو التعاطف أو الصلوات ، نريد أن تتحركوا . أثبتوا أنكم أصدقاء للسوريين”. ولكن أوباما لم يزعج نفسه بالرد على رسالة الاطباء وواصل اجازته السنوية باطمئنان , بينما واصل اصدقاؤه الروس حربهم المقدسة على السوريين , وعلى المشافي والاطباء بشكل خاص . ففي الأيام الاخيرة تم الاجهاز على آخر مشفى في مدينة داريا بريف دمشق , وخرج آخر مشفى في حي الوعر بحمص من الخدمة , ونفدت الادوية منذ شهور طويلة , وخرج آخر مشفى للتوليد والاطفال في حلب (مشفى القدس) , وسبقه بشهور قتل آخر طبيب أطفال متخصص وسيم معاذ في قصف جوي أيضا , ودمرت كل المشافي  في ريف حلب الشمالي , وخاصة مشفى اعزاز المتخصص بالاطفال والنساء الذي قصفه الطيران الروسي ثلاث مرات خلال ثلاثة شهور حتى دمر تماما .

على هذا النحو تطول قائمة “الانجازات” التي حققها العدوان السوري – الروسي على جبهة الاطباء والمشافي , وكلها تحمل معاني الهمجية والوحشية ومعاني اللا اخلاقية التي اشار اليها للمرة المائة ستيفن أوبراين في مجلس الامن موجها اتهامه الصريح لممثلي الدول الامبريالية الخمس الكبرى . ولكن لا هذه الكلمة ولا رسالة أطباء حلب الى اوباما ستجد أذانا صاغية أو تحرك نبضا في قلوب وضمائر مسؤولي السياسة الدولية الاجرامية , لأنهم شركاء بالفعل أو بالصمت أو بالتواطؤ في أكبر جريمة قتل منذ الحرب العالمية الثانية.

ستيفن اوبراين ليس صاحب قرار بل مجرد موظف رفيع في الامم المتحدة لا حول له ولاقوة, ربما يتميز بضمير حي نسبيا, ولكن كلمته في ميزان الواقع لا تعدو أن تكون ورقة توت تستر ما بقي من عورة الامم المتحدة التي سقطت سمعتها ومبادئها واكشف دورها في حلب واصبحت شاهدة زور في احسن الاحوال.

الحل الاخير هو في تحريك المنظمات والنقابات الطبية في العالم لتفرض كلمتها وتقوم بالتضامن مع اطباء سوريا ومشافيهم لأن ما يتعرضون له هو حرب على الحياة والانسانية كافة

روسيا على أبواب حلب
الأهداف والأبعاد الجيوسياسية

استحوذ الهجوم الروسي على شمال حلب على عناوين الصحف والقنوات الكبرى في العالم, واستأثر بالاهتمام السياسي على المستوى الدولي . وبإجماع المحللين فإنه بداية فصل أخطر من كل ما سبقه في مسار الأزمة السورية على المستويات السياسية والعسكرية والانسانية, وربما تحسم نتيجتها مصير الثورة بالكامل , بل ومصير سوريا الجغرافي أيضا .

ولم يكن غريبا أن تكتب الواشنطن بوست في افتتاحيتها يوم الجمعة الفائت (إن سقوط حلب سيكون نهاية للثورة) . أما  المحللة الانجليزية ناتالي نوغايريد (Natalie Nougayrède) فكتبت في الغارديان السبت الماضي (6 – 2) أن سقوط حلب إذا حدث سيمثل تحولا كبيرا لا في سوريا فقط, بل في الشرق الأوسط والعالم, وسيغير وجه أوروبا. ورأت  أن بوتين يخلق الفوضى في العالم وعلى أوروبا الاستعداد لاستقبال موجة مهاجرين جديدة قد تبلغ مليون سوري . ويبدو أن القوات الروسية التي لا تستثني المدنيين من هجماتها تتعمد تهجيرهم وافراغ المدن من سكانها , وتهجيرهم الى تركيا واوروبا لخلق المشاكل لها , وهذا ما نراه الآن , فتركيا والدول الاوروبية تعيش تحت كابوس الهجرة, حتى أن نتائجها الأمنية والسياسية والاجتماعية تقض مضاجعها وتهدد بانهيار الاتحاد الاوروبي, ولذلك  هددت النمسا باتخاذ اجراءات عسكرية لمنع وصول المزيد, بعد أن فشلت تدابيرها الاحترازية التي اتخذتها مع تركيا ولبنان والاردن مقابل مليارات الدولارات, بما فيها المؤتمر الذي نظمته بريطانيا لتوفير الاموال لابقاء المهاجرين في الدول المحاذية لسوريا., بعد أن لاحظت أن غالبية اللاجئين في الاردن ولبنان وتركيا يخططون للانتقال الى اوروبا!

نقطة البدء هنا أن معركة حلب الدائرة حاليا ليست كبقية المعارك في جبهات سوريا لأن للمدينة خصوصيات وسمات جيوستراتيجية تضفي هذه الاستثنائية عليها وتبررالاهتمام الدولي الواسع بها.

فما هذه المزايا ؟ وما طبيعة المدينة؟ ومن هي الأطراف المشاركة في المعركة؟ وما اهدافها للروس والاسد والحلفاء الآخرين؟

 لماذا حلب؟

حلب كبرى المدن السورية بشريا (سكانها قبل الثورة 5 – 6 ملايين نسمة), وأكبرها اقتصاديا (مركز الصناعة والزراعة والتجارة الاول ), وأهمها ثقافيا (المدينة الأقدم في العالم), وأكثرها تسييسا (قاعدة الاحزاب  المعارضة كافة القومية واليسارية والاسلامية) بدأت منها معظم الانتفاضات على السلطة الحاكمة قديما وحديثا , وآخرها انتفاضة 1979 – 1982.

لهذه الاسباب توجهت الانظار اليها في بداية انتفاضة 2011، ومع أن الحراك الشعبي بدأ فيها مبكرا كدرعا ودمشق وحمص إلا أن الاجراءات الأمنية المتخذة فيها منذ 1982 كانت مضاعفة عن سواها فأعاقت انفجارها الذي كان تحديا خطيرا للنظام . ومع ذلك لم يطل الامر, ففي منتصف 2012 زحف ثوار ريفها الشمالي لتحريرها بالسلاح, وغالبيتهم من قرى: عندان وحريتان وكفر حمرا وحيان وديرجمال وماير ومارع وصولا الى مدن  اعزاز وعفرين, وكذلك  قرى ومدن الريف الشرقي الشمالي:

الباب وجرابلس ومنبج وعين العرب. ولذلك كان وما زال حقد النظام على هذه القرى لا حدود له, خصوصا وأنها تمسك بالطريق الدولي الوحيد الواصل  الى تركيا. وتجدر الاشارة الى أن هذا الطريق يقع عليه (مطار منّغ العسكري) الذي كان قاعدة حصينة, وتقع قربه قريتا (نبل والزهراء) الشيعيتان المواليتان للنظام. وقد دارت معارك ضارية قبل سيطرة الثوار على كامل المنطقة من حلب الى حدود تركيا (45 كم) واحتاج اقتحام القاعدة الجوية معارك يومية طيلة سنة ونصف. وحين سقطت انتقلت قوات النظام فيها الى القريتين الشيعيتين فتحولتا الى قاعدتين عسكريتين مدججتين بالاسلحة والمقاتلين من ايران وحزب الله, ومع ذلك استطاع الثوار محاصرتهما لا لانهما شيعيتان كما يشاع , ولكن لأنهما قاعدتان عسكريتان تتمركز فيها قوات النظام وتقصف القرى المحيطة , ولم يكن حصار الثوار لهما كحصار النظام للبلدات المؤيدة للثورة ( الزبداني والغوطة مثلا) لأن النظام يمدهما يوميا بالمؤن بواسطة الهلوكبتر , كما أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي الموايل للنظام والمسيطر على  مدينة عفرين فتح لهما طريقا الى عفرين  لتزويدهما بالغلال الوفيرة  .

على أي حال ظلت حلب وريفها الغربي والشمالي منذ تحريرها تحت وابل القصف اليومي لطيران النظام وبراميله وصواريخه ومدفعيته حتى دمرت, ونزح أكثر سكانها. أما الريف الشرقي وجزء من الشمال الشرقي فوقع تحت سيطرة تنظيم الدولة – داعش. كما وقع ما بقي من شمالها الشرقي في قبضة قوات الحماية الكوردية.

كان كل من النظام وداعش والمقاتلون الاكراد وميليشيات متعددة الجنسيات تتنافس في تخريب ونهب المدينة الأكبر والاغنى حتى اصبحت شبه مهجورة ومستباحة  فنزح أكثر من اربعة ملايين نسمة عنها, ودمر او سرق أكثر من الف مصنع, ونقل تجارها وصناعيوها ثرواتهم واعمالهم الى مدن الساحل الآمنة نتيجة سياسة مبرمجة للنظام هدفها اجتذاب رؤوس الأموال الحلبية ومصانعها تعزيزا لموقع المدن الداخلة في مشروع الدويلة العلوية .

وفي العامين الأخيرين فقد النظام سيطرته العسكرية على حلب وريفها فاستعان بقوات من حزب الله  وايرانية وعراقية وافغانية اقتصرت مهمتها على قتل وتدميرأكثر ما يمكن من سكانها ومعالمها الحضارية . والدليل على ذلك أن المبعوث الاممي ستيفان دي ميستورا افتتح جهوده أواخر 2014 بطرح مبادرة (حلب أولا) تضمنت وقف اطلاق النار في سوريا بدءا من حلب. وعندما سئل مرارا عن سبب اختياره لها اشار في إجاباته المتكررة للنقاط التالية:

1- لأنها ذات اهمية خاصة بسبب حجمها وكثافتها السكانية.

2 – لانها مهمة لكل العالم بسبب مكانتها التاريخية, ولم يخف أن دولا ومنظمات عديدة طالبته بانقاذها, ومنها منظمة اليونسكو وفرنسا وبريطانيا وايطاليا.

3 – لانها مهددة بالدمار وخسارة تراثها ومعالمها وتهجير سكانها اذا استمرت سياسة “الانتقام” الممنهج  منها.

أي أن دي ميستورا ومن خلفه المجتمع الدولي استهدفوا بمبادرتهم انقاذ ما بقي من حلب جراء انتقام الاسد والقوى الايرانية الطائفية منها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى