مقالات

الغزو الروسي لسوريا.. الصراع الدولي على حلب مستمر.. الجزء (14).

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ السويد

 

خاص “المدارنت”..

الروس استعملوا (الهدنة) غطاءً
للاستعداد لحرب السيطرة على حلب 

يستأثر الصراع المحتدم على حلب باهتمام دولي يفوق ما عداه من معارك في جبهات سوريا كلها, لأسباب كثيرة. ويحدد مصدر عسكري هذه الميزة بقوله (إن جميع المعارك الدائرة في سوريا ذات طابع محلي وعوامل موضعية, باستثناء معركة حلب فهي معركة سوريا كلها وتتصل مباشرة بالدول الاقليمية والكبرى المعنية بالصراع, وخاصة ايران وتركيا وروسيا, كما إنها تتصل بمستقبل المنطقة والمشاريع المطروحة كمشروع الاقليم الكوردي, وتتصل بمعارك غربي العراق ومستقبل الوضع في لبنان ومصير حزب الله. يضاف الى ذلك ارتباطه بمخططات اسرائيل وموقفها مما يجري في سوريا ومستقبلها).

 ويمكن ملاحظة الاسباب التالية لاحتدام الصراع بهذه القوة حول حلب منذ بداية العام الجديد من جميع الأطراف:

1 – يستميت الأسد في محاولاته لاستعادة السيطرة على حلب , لأنها في نظره تحسم معركة السيطرة على سوريا كلها وتلحق الهزيمة بالمعارضة فيعود الى طاولة جنيف مسلحا بانتصار كبير يترك المعارضة مجموعات متناثرة في جزر صغيرة يسهل القضاء عليها تباعا, ليقول للعالم: هذا هو (الحل الوحيد) في سوريا!.

2 – رمت روسيا بثقلها العسكري خلف قوات الأسد في خياراته الجنونية لتدمير حلب وتهجير سكانها منذ بداية الحملة الجوية  خلال شباط/ فبرايرالماضي, ما يؤكد أنها لا تقل اصرارا على اغلاق الحدود في وجه تركيا.

3 – ايران أيضا رمت بثقلها العسكري في حلب, واستقدمت مؤخرا قوات نظامية اليها للمرة الأولى, اضافة لاعتمادها على مشاركة حزب الله اللبناني النوعية، والمتطوعين العراقيين والافغان.

4 – وأما تركيا فتقاتل فعليا في شمالي حلب لمنع الكورد من بسط سيطرتهم على حدودها مع سوريا أولا, وتقاتل قوات تنظيم الدولة – داعش – لنفس السبب ثانيا. وتحاول دعم حلفائها الثوار السوريين لابقاء المعابر مفتوحة معهم ثالثا .

5 – المقاتلون الكورد التابعون لحزب صالح مسلم (بي يي دي) يركزون معاركهم وانتشارهم حاليا في شمالي حلب على الحدود مع تركيا , وفي بعض احياء حلب الداخلية وضواحيها .

6 – تنظيم الدولة – داعش – يزج بقوته منذ شهور ليتوسع في ريف حلب الشرقي والشمالي والجنوبي واختراق مناطق المعارضة المحررة لربطها بمناطقه في غرب العراق عبر دير الزور والرقة .

وإذا أضفنا للتطورات الميدانية أن قوات الاسد حاولت بدعم من حليفيه الروسي والايراني وتحاول اقتحام بعض مدن الغوطة وتشديد الحصار ومنع المساعدات الانسانية للسكان يتضح أن خطة الاسد وحليفيه  ترمي لاستعادة محافظتي حلب ودمشق بالكامل وتثبيت الوضع القائم في حمص , واهمال ما بقي من مدن في الجنوب  والشرق  والشمال الشرقي الى مرحلة لاحقة .

الجنرال سليماني في حلب يجهّز جيشا لغسل العار

صراع القوى الخارجية على ارض سوريا بهذه الضراوة تسبب بإطاحة الهدنة , وخرق (اتفاق وقف الاعمال العدائية) مرة بعد مرة , رغم ادعاء الراعيين الرئيسيين الروسي والامريكي العمل على تثبيتهما , وهو ادعاء تكذبه الأفعال الروسية , والمواقف الامريكية .

 وقد اتضح أن مفهوم الروس للهدنة التي بدأ تطبيقها منذ 27 شباط/ فبراير بأنها تعني وقف إطلاق النار من جانب واحد,  إذ تكبل أيدي المعارضة بوقف القتال , بينما يحتفظ الجانبان الروسي وقوات الاسد بحق مواصلة القتال متى وحيثما أرادا بحجة محاربة الارهاب وبغاية محددة هي اجبار المفاوضين المعارضين على القبول ببقاء الاسد في الحكم . وقد تم إحراق وتدمير قسم كبير من حلب في ظل الهدنة واتفاق وقف الاعمال العدائية على مرحلتين, الأولى في فبراير والثانية في ابريل الماضيين. وقد أحصت الشبكة السورية لحقوق الانسان 559  خرقا بالبراميل المتفجرة في شهر نيسان/ ابريل الماضي وحده  . كما إن موفق نيربية نائب رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة  ذكر أن الأسد قتل 1400 شخصا في ظل الهدنة حتى أواخر ابريل الماضي !!

في ضوء ذلك توصلت أطراف عديدة من (المجموعة الدولية لدعم سوريا )الى  أن روسيا تخدع العالم ولا تلتزم بالتفاهمات الدولية وتدعم خيارات الاسد العدمية المتعارضة مع (مبدأ ومفهوم الحل السياسي) ويواصل الطرفان الحرب لتعديل موازين القوى واضعاف المعارضة , بينما لا تتخذ واشنطن أي رد فعل مناسب.

ولم يكن هذا خداع الروس الوحيد للعالم, فقد تبين أنهم استعملوا محادثات جنيف غطاء لجسر جوي لنقل السلاح الحديث للنظام أولا, واستعملت الهدنة لنقل قوات النظام وقوات ايرانية الى المواقع القريبة من محيط حلب استعدادا لتطويقها والهجوم عليها من ثلاث جهات للسيطرة عليها ثانيا . أي أن الهدنة التي ادعى الروس انها لتثبيت الامن إنما كانت في الحقيقة وسيلة لمرحلة جديدة من الحرب!

وشارك الايرانيون في العاب الخداع الروسي, فبعد أن زعمت موسكو انها أوعزت للايرانيين في نهاية العام السابق بسحب قواتهم من سوريا, تبين أن انسحاب الايرانيين هو صورة اخرى من سحب الروس لقواتهم في منتصف مارس الماضي خداع في خداع , لأن الطرفين تغاضيا عن عودة مكثفة للقوات الايرانية في نيسان/ ابريل تحت غطاء الهدنة ومحادثات جنيف!

نتيجة هذا التلاعب بقرارات الامم المتحدة والتفاهمات مع بقية الاطراف وصلت محادثات الحل السياسي الى طريق مسدود, وكان من الطبيعي أن يعلق وفد المعارضة  مشاركته فيها, مما وضع مسيرة الحل السياسي برمتها على كف عفريت.  ونظمت بعض الدول العربية – الاوروبية في (مجموعة الدعم الدولية) اجتماعا في باريس الاسبوع الماضي لصياغة رد قوي على السلوك  الروسي الذي لا يضر فقط بالشعب السوري , بل ينعكس سلبا على أمن اوروبا ايضا,  ويبلغ واشنطن احتجاجا قاسيا على طريقته في معالجة الازمة السورية بالتفاهم مع الروس وتهميش اوروبا وحلفائهم العرب . وقد بلورت هذه الاطراف موقفا موحدا يتوقع أن تظهر نتائجه في اجتماع المجموعة الدولية يوم الاربعاء (17 مايو).

وأهم ما في هذا الموقف العربي – الاوروبي أنه خلق شبكة اسناد للمعارضة السورية الرافضة للعودة الى جنيف قبل وقف كامل لاطلاق النار في سوريا , يشمل كل الفصائل باستثناء داعش . وهذا الموقف اعطى مفعولا سريعا في مجلس الامن إذ أحبط محاولة روسيا قبل ايام لادراج حركة احرار الشام وجيش الفتح في قائمة القوى الارهابية لتبرر حربها وحرب حليفها الاسد على قوى المعارضة.

أما النواة الصلبة في المحور الاوروبي – العربي فهي الثلاثي السعودية وقطر وتركيا, وقد (استوعبت ) الدول الثلاث التلاعب والخداع الروسي – الايراني بالهدنة وقررتا الرد عليهما ردا استراتيجيا تمثل برفع مستوى الدعم العسكري واللوجستي النوعي للثوار في الاسابيع الاخيرة. وهو ما اتضحت آثاره بسرعة في الاسبوع الأخير الذي سمي (اسبوع الآلام), أو (اسبوع الهزائم) لايران والاسد وحزب الله وبقية الحلفاء (بين 6 الى 13 من ايار/مايو). فماذا جرى..؟

 هزيمة خانطومان

في السادس من ايار / مايو الجاري قفزت قرية “خانطومان” فجأة الى مقدمة العناوين في القنوات والصحف  العالمية, مثلما قفزت  قبلها اسماء لم يسبق أن سمع بها أحد لقرى: حريتان وعندان ومارع والعيس .. إلخ .

 ظلت القرية الصغيرة التي تقع على بعد 10 كم جنوب مدينة حلب منسية حتى السادس من الشهر الجاري حين  اخترقت نشرات الاخبار على متن أنباء ذات صدى قوي تؤكد مقتل 13  عسكريا ايرانيا , واصابة 21 آخرين, وأسر  6 ايضا. ثم تبعه اعلان مصادر أن حزب الله اللبناني فقد الاتصال بعدد من عناصره في نفس القرية ونفس اليوم , وظهرت أنباء تالية عن خسارة قوات الاسد عددا كبيرا من جنوده . والأهم  من ذلك اتضاح ان قوات الثوار السوريين التي هاجمت القرية  امكنها تحريرها بالكامل من قوات الاسد وحلفائه الأجانب.

وتتالت المعلومات عما جرى في ذلك اليوم , وكلها تبين أن التحالف الايراني – الاسدي قد مني بهزيمة فادحة في ذلك اليوم في خانطومان . وذكرت مصادر الثوار أن خسائر التحالف تجاوزت ثمانين قتيلا ,عدا الجرحى, والأسرى, بينهم ضباط وجنود نظاميون من الجيش الايراني النظامي (الحرس الثوري, واللواء 65).

واعترفت مصادر ايرانية اعلامية مصرع العميد “جواد دوربين”، و العقيد “رحمن قابيلي”، والرائد “محمد بلباسي”.

كما نشرت وسائل الإعلام أسماء باقي القتلى “علي جمشيدي”، و”سيد حسن رجايفر” و”سيد رضا طاهر” و”علي رضا بربري”، و”حسين مشتاقي”.

وذكر موقع “عصر إيران” المقرب من الرئيس حسن روحاني ، يوم السبت السابع من ايار/ مايو أن ما بين 20 إلى 50 جنديا إيرانيا قتلوا في كمين نصبته المعارضة السورية، لوحدة عسكرية  مؤلفة من 100 جندي تابعين للحرس الثوري ، في المنطقة المذكورة، فيما أعلن الحرس الثوري في بيان له مقتل 13 عسكرياً وإصابة 21 آخرين في الاشتباكات .

ولا تشمل هذه المعلومات سوى أعداد القتلى الايرانيين, ولا تشمل قتلى المتطوعين الأفغان والعراقيين والفلسطينيين , فضلا عن قتلى حزب الله اللبناني. وكشف العقيد أحمد عثمان قائد أحد الفصائل التي شاركت في هجوم( جيش الفتح ) – وهو تحالف تأسس خصيصا للدفاع عن حلب – فقال إن لواء القدس الفلسطيني التابع لأحمد جبريل خسر 46 مقاتلا في  خانطومان . وذكر المرصد السوري لحقوق الانسان أن خسائر قوات الاسد بلغت 30 قتيلا على الاقل في نفس الموقعة.

 وتبدو المعلومات واعداد القتلى متقاربة بين ما ورد عبر المصادر الايرانية ومصادر المعارضة السورية, إذ نقل مراسل الجزيرة في المنطقة عمرو حلبي عن مصدر في (جيش الفتح) بأن عدد قتلى الطرف الآخر بلغ 150 قتيلا,  واعترفت مصادر ايرانية أن الثوار يحتفظون بجثامين اثني عشر عسكريا ايرانيا.

 وعندما أعلن عن مقتل قائد قوات حزب الله في سوريا مصطفى بدر الدين واحاط الغموض الحادث , راجت رواية عن مقتله هو أيضا في “خانطومان”.  وذكرت مصادر أخرى أن بدر الدين توجه الى المنطقة بعد الهزيمة بأربعة ايام ( الثلاثاء 10 أيار  مايو) مع الجنرال قاسم سليماني لمعاينة الموقع ورفع معنويات المقاتلين فأصيب  برصاصة قناص, ولقي حتفه, ولم يعلن عن مقتله الا بعد نقله الى دمشق ليلة الخميس – الجمعة.

ماذا جرى إذا في تلك الليلة التي صادفت ليلة الاسراء..؟

رصد الثوار أن قوات التحالف المعادي شكلوا غرفة عملياتهم التي تخطط وتقود حروبهم في جنوب حلب لحصارها في قرية خانطومان التي تمتاز بارتفاعها واطلالتها على محيطها والقرى الكثيرة التي تشرف على طريق حلب – دمشق, وتبعد مسافة قصيرة عن قريتي الفوعة وكفريا المحاصرتين ويسعى الايرانيون بالذات للوصول اليهما وفك الحصار عنهما وفيهما أكثر من الف مقاتل أجنبي. ولاحظ الثوار أيضا أن قوات كبيرة تم حشدها في خانطومان  فقرر قادة جيش الفتح مهاجمتهم في المركز الرئيسي, وشكلوا قوة مشتركة واختاروا ليلة الجمعة لمباغتة اعدائهم . وبدأ الهجوم بقيام عدد من انتحاريي (جبهة النصرة) باقتحام غرفة العمليات الايرانية التي كانت مكتظة بكبار الضباط والقادة وفجروا انفسهم فيها فسقط الجميع قتلى ودمرت الغرفة تماما, وتابع مقاتلوا جيش الفتح هجومهم المباغت على المواقع العسكرية في القرية ومحيطها, وعندما أشرقت شمس الصباح كانت القوات العسكرية قد اصيبت اصابات بليغة وسقط عشرات القادة والجنود قتلى وجرحى واسرى, ولم ينج سوى الذين اسعفهم الحظ بالفرار!.

ونقلت وسائل اعلام ايرانية رسائل استغاثة أحد جنودهم ارسلها عبر هاتفه الى أهله يصور فيها حالتهم المعنوية المأساوية, وجاء في احداها أنهم كانوا 83 شخصا في غرفة واحدة , والرصاص ينهال عليهم من جميع الجهات, وأنهم يشعرون بأنه لا أمل لهم في النجاة. وأجرى موقع ايراني آخر مقابلة مع جندي نجا وعاد جريحا الى ايران فوصف نفسه: بأنه (عائد من الموت)!

وإذا كانت العبارات والاوصاف السابقة  تصف حالة الجنود الايرانيين الذين واجهوا الهجوم في خانطومان. فإن الاوصاف العسكرية التي اطلقت على المعركة كلها أشد تراجيدية, إذ وصفت بأنها (أكبر خسارة وهزيمة للقوات الايرانية منذ نهاية الحرب العراقية – الايرانية)! ولم تتردد احدى صحف بيروت الموالية لطهران من وصفها بأنها (أم الهزائم!)  ونتيجة ذلك حاول الايرانيون تبريرها بقولهم انهم تعرضوا للخيانة من جانب الروس الذين لم يؤمنوا لهم الحماية الجوية في هذه الايام متذرعين بتجديد التفاهم على “تثبيت الهدنة).

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى