مقالات

الغزو الروسي لسوريا.. توقيت الجريمة (الجزء 17)

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ السويد

خاص “المدارنت”..

مثل أي عصابة تخطط وتعد العدة لارتكاب جريمة سطو أو قتل أو خطف, قامت دول المحور الثلاثي الروسي – الايراني – الاسدي باختيار التوقيت المناسب للهجوم على حلب المحررة وابادة سكانها أو تهجيرهم , أو فرض الاستسلام عليهم , ولم يكن هذا التوقيت سرا أو خافيا عن أعين الخبراء فهؤلاء منذ عدة شهور توقعوا خطة الهجوم على حلب في الفترة بين تموز/ يوليو ونهاية السنة الجارية وذلك بناء على الحسابات التالية:

1 – في هذا الوقت من العام تنخفض فعالية الادارة السياسية في دول الغرب الى حدها الادنى بسبب الصيف والاجازات وغياب الزعماء والقادة عن مكاتبهم وعواصمهم.

2 – دخول أميركا مرحلة الاستعداد للانتخابات الرئاسية , وتقلص الاهتمام بالشؤون الخارجية, ومن غير المعتاد اتخاذ الرؤساء قرارات مهمة في أي شأن دولي بعيد عن الاهتمام الداخلي في هذه الفترات.

3 – في نهاية ايلول – سبتمبر تعود الحيوية للحركة السياسية الدولية مع نهاية الاجازات وانعقاد دورة الجمعية العامة السنوية  للامم المتحدة.

ولذلك فإن الوقت المناسب لجريمة الهجوم على حلب هو الفترة بين بداية الصيف ونهاية سبتمبر .وهذا ما حدث, وكان منتظرا .

ولا شك أن القضية السورية دخلت مرحلة الفراغ الاميركي الرئاسي , ويعرف صناع القرار في موسكو وطهران أن هذه المرحلة ستستمر الى منتصف العام القادم , حيث تنتهي مواسم الانتخابات في الخريف القادم , ثم طقوس التبديل الرئاسي في مطلع العام الجديد, ومن بعدها سيحتاج الرئيس الجديد عدة شهور حتى يطلع على الملفات الداخلية اولا ثم الخارجية , ويناقشها مع اركان ادارته ويحدد خياراته فيها , وهذه الفترة لن تقل عن ستة شهور , وحين تنتهي سيكون الصيف وموسم الاجازات السنوية قد بدأ مرة اخرى ويدخل العالم مرحلة البلادة والخمول.

وعلى ذلك فالقضية السورية ستبقى بلا حسم لمدة قادمة لا تقل عن سنة ونصف, وهي مدة تشكل مدة كافية ومناسبة للتصعيد من جانب اطراف المحور الثلاثي ومحاولة سحق المعارضة في حلب واجتياحها مهما كانت الجرائم التي سيرتكبونها في غياب شبه تام عن للمجتمع الدولي.

وتعتقد الفصائل المعارضة أن المحور الثلاثي لن يجرؤ على اقتحام المناطق الحلبية المحاصرة لأنه سيعرضهم لخسائر بشرية فادحة, والارجح أنهم سيواصلون خططهم لقضم احياء حلب اعتمادا على سيناريو غروزني الذي يجري تنفيذه في حلب أي التدمير الشامل, والتهجير أو الابادة, وتضييق الحصار حتى يستسلم المقاتلون ولو بعد شهور  بسبب الجوع والعطش ونقص الامدادات العسكرية.

حلب تختصر القضية السورية
وتكشف عورات النظام الدولي 

أسخف وأبيخ ما في تراجيديا حصار حلب التي سببها نظام الاسد وحلفاؤه الايرانيون والروس واتباعهم , واستغرق الاعداد لها أكثر من سنة هو أن أطراف التحالف المذكوراستعجلوا إقامة احتفالاتهم بالنصر الموهوم  قبل أن ينجزوه, وأنهم حفروا القبور وأقاموا مجالس العزاء للثورة والثوار, قبل أن يتمكنوا منها ومنهم, وأنهم باعوا فراء الدب قبل أن يصطادوه, – كما سبق أن قلنا في الاسبوع الماضي !.

على أي حال لم تتحقق أوهام التحالف العدواني , ولم يتح لهم الاستمتاع بالافراح والأعراس بالنصر الذي شبه لهم, وتبخر كل شيء خلال بضعة أيام , ثم انقلبت احتفالاتهم لطما وعويلا على ضحاياهم وهزيمتهم النكراء على ايدي الثوار, كما أظهرت ردود افعال أنصارهم على مواقع التواصل  الاجتماعي, كما إن العملية العسكرية كلها تحولت فضيحة عالمية من العيار الثقيل لمستوى أداء قواتهم الفني والقتالي والمعنوي , وفشلهم الفاضح في هجوم جرى الاستعداد له على مدى سنة كاملة, وارتبط باسماء بعض كبار الجنرالات الايرانيين وخاصة قاسم سليماني الذي زار جنوب حلب مرات كثيرة متخفيا بلباس البدو ورعاة الاغنام فيها, ويعتقد أنه كان موجودا فيها خلال الاسبوع الماضي, فضلا عن أن إيران حشدت لها نحو  سبعين الف مقاتل (70000) متعددي الجنسيات لا يجمعهم سوى الهوية الطائفية للأسف, وتكفي الاشارة إلى أن بشار الاسد زج في هذه المعركة المصيرية بقوات (الحرس الجمهوري) التي تعد نخبة النخبة فيما تبقى من فلول جيشه, وان شقيقه ماهر أحد كبار قادته, وأن الروس ارسلوا بعض جنرالاتهم للتخطيط والقيادة فضلا عن طائراتهم التي يتفاخرون بها امام العالم , فكان سقوط إحداها مقدمة لعرس الهزيمة في ريف حلب , ولا بد من تذكر وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي عقد مؤتمرا صحفيا مع بداية الحصار على حلب واشار فيه الى أن رئيسه بوتين هو الذي أمره بوضع (خطة انسانية) لاخراج السكان واستسلام المقاتلين!

لم ينجح الحلف الثلاثي بتحقيق شيء من حملته الكبرى التي رعاها بوتين والاسد, وأراداها عملية تحطيم لعمود الثورة الفقري ولم تحقق سوى زيادة اعداد القتلى والضحايا من المدنيين الابرياء وخاصة الأطفال, ورفع  معدلات الاجرام والتهجير والتدمير, وتقديم الشواهد على همجيتهم وقبح مخططاتهم , ووحشية سلوكهم.

أما على الجبهة الاخرى فقد تبين أن الثوار على ضعفهم وقلة امكاناتهم وفي ظل أقسى وأعقد الشروط والظروف الدولية التي تحيط بهم أثبتوا كفاءة عالية وجاهزية رفيعة, فقد أعدوا مفاجأة مثيرة لأعدائهم لم يحسبوا لها حسابا , إذ استطاعوا قلب المعادلة رأسا على عقب, وحققوا نصرا عسكريا باهرا جعل كثيرا من المراقبين يصفونه بالملحمة الكبرى, تمثلت بتحقيق حزمة انجازات عسكرية في هجومهم المضاد لكسر الحصار :

1 – كسر الحصار على حلب بعد أيام من إحكامه  .

2 – دخول المدينة من جنوبها.

3 – الاستيلاء على مدرسة المدفعية التي تعد أكبر وأهم قاعدة لقوات الاسد في محافظة حلب كلها وتوصف بأسطورة دفاعات النظام , خصوصا وأنها تحتوي على أكبر مخزون للعتاد الحربي .

4 – وصولهم الى حي (الحمدانية) الذي كان تابعا لمناطق سيطرة النظام دائما.

5 – تمكن الثوار من وضع طريق حلب – دمشق الدولي وهو شريان شديد الاهمية والحساسية لحركة قوات النظام بين جنوب وشمالي سوريا تحت سيطرتهم النارية بشكل يوازي أهمية خطوط الامداد من تركيا للثوار.

6 – اسقاط طائرة هلوكبتر روسية بسلاح مضاد ارضي, وهو ما اعترفت به موسكو, ولم تنكره فصائل الثوار.

7 – قتل وجرح عدد كبير من القوات المهاجمة وخاصة الايرانية وجماعاتها التابعة لها, وفي مقدمتها حزب الله, اضافة لمصرع الضباط الخمسة الروس على متن الهلوكبتر والذي وصفته الدوائر الروسية بالأكبر منذ بداية التدخل العسكري. وأخيرا مقتل واسر بعض كبار ضباط قوات الاسد.

 بالاجمال يعني ما حدث أن الثوار لم يكتفوا بإفشال ودحر الهجوم الكبير الذي استغرق الاعداد له شهورا طويلة , ولم يكتفوا أيضا بكسر الحصار, بل حرروا مناطق جديدة تؤهلهم لاختراق مزيد من  المناطق الخاضعة للنظام من حلب الغربية. وهذا التطور هو بالضبط كما وصفته صحيفة صنداي تلغراف يوم الاحد الماضي: ضربة موجعة لكبرياء روسيا وقوتها  العسكرية!

وتؤكد مصادر الثوار والمعارضة أن هذه الانجازات الكبيرة ستكون اساسا لتحولات حاسمة في المستقبل القريب, لا على مستوى حلب فقط, بل على  مستوى الصراع كله, وهذا هو سبب ارتفاع المعنويات بشكل لم يسبق أن تحقق في أوساط الشعب السوري وقوى المعارضة والثورة ابدا, وتحقيقها لمستوى عال من الاجماع والتضامن على مستوى المعركة ووحدة الصف والهدف بين جميع الفصائل والقوى المقاتلة والسياسية, وهو تطور بارز يعود له الفضل بدحر الهجوم, وانجاز هذه “المعجزة” خلال أيام قليلة, إذ لم يسبق أن التحمت اطراف الثورة والمعارضة فيما بينها بهذا الشكل القوي .

حلب بين الماضي والحاضر 

ما حدث لقوات الاسد وحلفائه في حلب في الاسابيع القليلة الماضية سبق أن حدث مرارا وتكرارا عبر التاريخ, ولو أن الذين خططوا للهجوم  قرأوا التاريخ العسكري للمدينة العريقة وتجارب الغزاة الخائبة لما أوقعوا انفسهم في (المصيدة) التي نصبوها بأنفسهم, كما وقع السابقون !

حلب تشبه امرأة فاتنة تجتذب أعداءها وتغريهم بسهولتها, قبل أن يكتشفوا أنها مستحيلة, لا يمكن النيل منها , وأكبر من أطماعهم .

 مدينة كبيرة عريقة ذات ثراء ورفاه, ولكنها تفتقر للموانع الطبيعية الحصينة, فلا جبال شاهقة حولها تحميها, ولا أنهارأو بحار تحول بينها وبينهم, ولا غابات ولا احراش  تخفيها, بل طبيعة منفتحة وسهلة, سهول وحقول منبسطة ممتدة لمئات الكيلو مترات حولها, ومن الجهات الاربع.

 هذه الخصائص أغرت الغزاة على مر التاريخ ورأوا في المدينة العامرة غنيمة ميسورة, فتقدموا نحوها بيسر حتى وصلوها, وكرروا المحاولات من الشرق والشمال والغرب والشمال, وتكرر سيناريو رد الفعل النمطي, لأنه اثبت جدواه تكرارا.

قسم الحلبيون من القديم مدينتهم الى ثلاث دوائر:

الاولى: هي “القلعة” التي تتوسط المدينة القديمة ,وهي جسم حجري عمرانيهائل جداوتعتبر بحد ذاتها معجزة معمارية لا مثيل لها, فهي بالأصل لم تبن على قمة جبل أو هضبة كما هو المألوف في القلاع لأن حلب كما اسلفنا لا جبال فيها ولا هضاب عالية, فاضطر الحلبيون القدامى لبناء جبل مرتفع وكانوا أول وآخر من حقق هذا الابداع الفريد: بناء جبل (!) ثم بنوا قلعة شاهقة عليه ذات أسوار وابراج غاية في القوة والصلابة, يحيطها خندق اصطناعي سحيق, كانوا يملؤونه بالماء عند الغزو ويغطى الماء بالتبن والعشب لخداع المهاجمين وعندما تطؤه خيولهم تغوص بالماء وتلقى حتفها لأن القعر مزروع بالرماح والآلات الحادة, ومن ينجو يضرب بالسهام أو يرش بالزيت المغلي!.

بالطبع لم تبن القلعة مرة واحدة ولا في فترة واحدة بل استمر الحلبيون يبنونها ويطورونها مئات السنين بتطور عددهم وامكاناتهم حتى اكتملت وأخذت وضعها وشكلها النهائيين المعروفين.

وأهم ما يميزها عنصران:

 أولهما: حجمها واتساعها الكبيران اللذان يمكنانهما من استيعاب جميع سكانها (عشرات الالوف)  في العصور القديمة.

 وثانيهما: حفر أنفاق واسعة وعملاقة توازي معجزة القلعة نفسها , تمتد من داخل القلعة الى  مناطق في الريفين الجنوبي والشمالي بطول عشرات الكيلومترات. الاول يصل الى قرية الزربة الحالية جنوب حلب , والثاني يصل الى قرية حيلان شمالها.

وفي خلال فترات الحصار التي كانت تمتد احيانا لسنوات كان الحلبيون المحاصرون بجيوش أعدائهم ينتقلون عبر الانفاق الضخمة الى خارج المدينة تماما ويصلون المناطق الزراعية المشهورة بالغلال والمحاصيل, ولا سيما القمح والشعير والعدس, والثمار بأنواعها وخاصة الزيتون, والمواشي أيضا, فيجلبون منها حاجياتهم ويعودون الى داخل القلعة دون ان يكتشف الغزاة حركتهم, لذلك لم يكونوا يعانون من طول الحصار ولا يذعنون لشروط اعدائهم, بل كانوا يشنون حرب استنزاف من داخل القلعة  عليهم بالنبال ورشهم بالزيت المغلي من فوق اسوارها وابراجها حتى يصيبهم اليأس, فيضطروا للانسحاب والتقهقر دون أن يحققوا أهدافهم . ولكن هؤلاء غالبا ما كانوا قبل انسحابهم يعمدون للانتقام من حلب بحرق وتدمير أحيائها حول  القلعة. ولكن الحلبيين سرعان ما كانوا يعيدون بناءها  بأجمل مما كانت . وللعلم فحلب تتميز بفخامة عمارتها ومتانتها وجودة حجارتها ولونها المميز, وهي نوع من الرخام الأصفر والابيض, وكانت حتى عام 2012 تصدر منها آلاف الاطنان الى دول الخليج والسعودية لاستعمالها في بناء القصور الملكية الفخمة.

 الدائرة الثانية: تتألف من أحياء وحارات سكنية تحيط بالقلعة, لا زال بعضها يحتفظ بأبهته ورونقه (الصليبة,  الجديدة, الاصيلة, البياضة, البندرة, باب قنسرين, بحسيتا, العقبة, جب أسد الله, الفرافرة, المصابن, الدباغة, اقيول.. إلخ, كما احتوت أسواقا مسقوفة هي الاضخم والاطول والأجمل في العالم  تعود الى القرن الخامس قبل الميلاد , وخانات من أجمل وأبهى ما في العالم بدليل أن بعض السفارات الاوروبية وخاصة النمساوية والايطالية  تحافظ على قنصلياتها فيها منذ مئات السنين ولم تنتقل الى الاحياء الحديثة الفخمة كما فعلت الاميركية والبريطانية والفرنسية.

تشكل هذه الاحياء ما يسمى بحلب التاريخية وتنتهي بسور منيع يحيط  بالمدينة ويعود بناؤه الى ما قبل الميلاد , والسور يتميز بالمناعة والقوة ايضا وله ابواب عديدة ذات شهرة كبيرة, مثل باب الفرج,  وباب الحديد, وباب انطاكية, وباب قنسرين, وباب النصر, وباب الجنان, وللأسف تهدم معظم السور وزال خلال القرنين الاخيرين بسبب التوسع والتحديث لا بسبب الحروب , وحتى الابواب زال بعضها, ولكن بعضها ظل قائما ومحتفظا برونقه وتبدو عليه علائم المهابة حتى بدأت الثورة عام 2011 وتعرضت لغارات وبراميل النظام.

الدائرة الثالثة: هي ما كان في العصور القديمة خارج السور من تجمعات سكنية لسكان ليسوا من اهل المدينة, وفدوا من خارجها كالقبائل العربية  التي سكنت في محيط حلب من قبل الاسلام بقرن على الاقل, والتركمان والاكراد الذين وصلوا اليها في العصور الاسلامية. ولكن هذه الدائرة اتسعت وما زالت تتوسع باطراد مع تزايد السكان بمعدلات عالية حتى  ناهزوا ستة ملايين عام 2010 .

 أسرار حلب العمرانية

حلب القديمة والتاريخية كلها تتميز بميزة الانفاق والسراديب التي تمتد تحت الاحياء الشهيرة في محيط القلعة, ولا زالت حتى اللحظة . وهناك آلاف الدور والمباني التي تحتوي على سراديب تمتد عدة كيلومترات, وتصل في الغالب الى داخل القلعة, لأن سكانها كانوا يهربون عبرها للاحتماء بالقلعة في حالات الغزو المفاجىء, أو كانوا يستخدمونها بالعكس لمحاربة المهاجمين من خلف صفوفهم . وهناك آلاف العمائر في الاحياء المحيطة بالقلعة تحتوي على سراديب تمر عبر الدور, واحدة بعد أخرى مما يسهل حركة الهرب والتواري مهما كان الحصار مشددا أو كانت المطاردة قوية.

وقد تجلت نجاعة وفوائد هذه الخصائص والمزايا العمرانية الفريدة في كل مواجهة بين السلطة الحالكمة وأهل المدينة على مر العصور, وواجهت السلطات دائما تحديا من نوع خاص مع سكان حلب, بسبب قدرة المعارضين والمنشقين والفارين من وجه السلطة على التواري والاحتماء والتنقل  مهما كانت سطوتها قوية. وفي أيام الاحتلال الفرنسي كانت هذه الاحياء مخابىء الثوار حتى أن الجنرال غورو حرص على زيارتها والاطلاع عليها. وفي عهود الاستقلال تكررت الميزة, وكان كثير من المعارضين يحكمون بالاعدام وتظل السلطات تطاردهم بلا جدوى, لأنهم يحتمون في سراديب المدينة ومخابئها التي لا يعرف  منافذها سوى السكان الاصليين .

 وبلغ التحدي الامني الذي تمثله حلب القديمة للسلطة الحاكمة أوجه في انتفاضة المدينة ضد نظام الاسد عام 1980. ففي هذه الانتفاضة التي استمرت ثلاث سنوات ( 1979 – 1982)  تبين أن مجموعات الاخوان المسلمين المسلحة , ومجموعات (الطليعة المقاتلة) تحتمي أو تختفي في الاحياء العتيقة, في اقبية وسراديب ومخابىء لا يعلمها الا الله وأصحاب الدور , ويزيد من صعوبة الوصول اليهم أن الحارات والأحياء التي نتحدث عنها عصية على اختراقها من قوات النظام بسبب ضيق طرقاتها وممراتها, حيث يتعين على قوات الامن دخولها على ارجلهم بلا سيارات ولا دبابات, وهو ما يعرضهم للقنص والهجمات من فوق الاسطح.

وتكرر هذا التحدي في بداية الثورة الشعبية الحالية عام 2011, واستمر حتى الآن وفشلت قوات السلطة من دخول هذه الاحياء بعتادها واسلحتها الثقيلة, واستطاع الثوار من أبناء هذه الاحياء التقليدية استثمار تركيبتها السكانية والعمرانية حتى اصبحت قلاعا لهم وأصبح اهلها حاضنة اجتماعية حقيقية وحانية لهم, وهذا هو السبب الحقيقي للفرز الذي حصل بين المناطق المحررة من حلب والمناطق التي ظلت خاضعة للسلطة. فكل الحارات والاحياء القديمة تحررت بسهولة منذ عام 2011 , وجميع المناطق الحديثة من المدينة ظلت خاضعة لسلطة النظام بسبب سهولة حركة الاليات فيها.

والجدير بالذكر أن نظام الاسد وضع بعد انتفاضة حلب عام 1980 خططا لتهديم وتغيير الطابع العمراني للاحياء العتيقة بناء على دوافع وعوامل امنية وسياسية لا عوامل اقتصادية او اجتماعية, وقام بهدم أجزاء كبيرة, ولكنه فشل في هدمها كلها أو تغيير طبيعتها.

ومن الملاحظات المهمة أن ثوار حلب برعوا في سنوات الثورة الخمس بحفر سراديب وانفاق تحت الارض للوصول عبرها الى مراكز النظام الاساسية ونسفها من تحت الارض بدل مهاجمتها من فوق الارض حتى صارت قوات السلطة تعيش في حالة ذعر دائم, وتراقب نبضات الارض وتشك بأي صوت غامض!

واضافة لطبيعة احياء حلب واسواقها وحاراتها التاريخية التقليدية, خطط الثوار مؤخرا لاستثمار وجود الانفاق الطويلة تحت الارض الى خارج حلب, وعندما اوشكت قوات المحور الثلاثي على احكام السيطرة واصبح شبح المجاعة محتملا كان الثوار يدرسون خططا لحفر الانفاق الطويلة من داخل احيائهم المحاصرة الى ريف حلب المحرر لتهريب السلاح والمؤن, وأكد لنا بعض الثوار أنهم وضعوا خططا مناسبة في هذا المجال, وأكد آخرون استحالة فرض حصار محكم على حلب حتى ولو جاءت روسيا وايران بكل جيوشهما اليها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى