مقالات

الغزو الروسي لسوريا.. سيناريو غروزني في حلب.. الجزء (12)

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ السويد

خاص “المدارنت”..

كان في مقدمة اهداف التدخل الروسي في سوريا نهاية سبتمبر الماضي تعديل موازين القوى على الارض بعدما فقدت قوات الاسد سيطرتها على 80% من المساحة الكلية لسوريا, وفشلت القوات الايرانية والميلشيات الشيعية في تعويض هذه الخسارة خصوصا بعد أن شنت في ربيع 2015 هجوما كبيرا على الريف الشمالي لفك الحصار عن نبل والزهراء  انتهى بفشل سريع وكبدها 300 اصابة. بل إن حلب اصبحت مقبرة الايرانيين في الشهور الأخيرة, ولا يمر يوم دون مصرع ما بين 3 و5 جنود أو ضباط برتب عالية في الحرس الثوري والباسيج اعترفت  ايران رسميا بهم  ونشرت صورهم وأسماءهم, ويعتقد أن الجنرال قاسم سليماني المسؤول الاعلى في سوريا اصيب في نوفمبر الماضي أيضا  ونقل الى ايران للعلاج.

لهذه الأسباب تقدمت حلب قائمة الأهداف في أجندة الحرب الروسية. وفي تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش في أواسط كانون الأول الماضي أن 30% من اجمالي غاراتها استهدفت حلب وحدها.  وهي المدينة الوحيدة التي القت الطائرات الروسية مناشير مطبوعة عليها بعد اسبوع من بدء العدوان  تطالب سكانها بمغادرتها قبل أن تدمر بيوتهم على رؤوسهم . ولم يكن التهديد مشروطا, بل مطلقا وحاسما!.

 إنه تكرار لـ(سيناريو غروزني) الذي ارتبط باسم فلاديمير بوتين في سحق الثوار الشيشان المطالبين بالحرية  فدمرت عاصمتهم في الاعوام الاولى من عهده الذي صادف بداية القرن الحادي والعشرين, وأجلي سكانها عنها, وعندما انجزت القوات الروسية  جريمتها أعيد بناء غروزني بديلة وهجينة حشيت بخليط سكاني نصفه من الشيشان الاصليين, ونصفه من الروس السلافيين لتفتيت تجانسها القومي وطرد شعبها الصغير ذي الاصول الاسلامية التتارية. وكما يلاحظ فهي وصفة مشابهة لوصفة (الهندسة السكانية) التي اعتمدتها ايران في سوريا للسيطرة على مدن يقتضي المخطط  الحاقها بالدويلة العلوية التي يجري الاعداد لها, كدمشق نظرا لرمزيتها التاريخية وأهميتها.

وإذا كان بوتين كسلفه ستالين, لم يرحما الشيشان وهم شعب يدخل في عداد أمتهم , فما الذي سيدعوه لرحمة الشعب السوري الذي يعاملونه حاليا كشعب معاد لهم؟

في بداية التدخل الروسي في سوريا ركزت هجماتهم الجويةعلى الجبهة الجنوبية لحلب, وهي المنطقة الممتدة بين مطاري كويرس والنيرب  مرورا بالعيس والزربة وصولا الى منطقة ايكاردا حيث استهدفت العمليات السيطرة على تلك المواقع التي تشكل حزام حلب الجنوبي. وقد خاض الثوار معارك بطولية مع القوات البرية التي تتحرك بغطاء روسي ثم لا يلبث الثوار أن يدحروها بسرعة قياسية بمجرد انسحاب الطائرات الروسية. ولكن تكرار القصف ادى الى انسحاب الثوار تفاديا للخسائر البشرية. والسبب هو نفس السبب الذي يواجه الثوار اليوم في شمال حلب وغربها وشرقها, بل نفس السبب العضوي الذي أغرى الغزاة بالوصول الى حلب عبر التاريخ! فهي مدينة تقع وسط سهول  منبسطة تفتقر للموانع الطبيعية, فلا جبال فيها ولا هضاب, ولا غابات حولها ولا أنهار. لقد عانى الثوار في جنوب حلب من هذه (الطبيعة المكشوفة), فلا يستطيعون حماية قواتهم وتحركاتهم من قصف الطيران الروسي, ويتكرر هذا اليوم في شمالها وغربها.  كما يتكرر في شرقها.

والحق أن هذه الطبيعة المعادية لأهلها, لا تشكل نقطة ضعف لهم فقط بل للغزاة أيضا, ولولا امتلاك الروس للطيران المتفوق والصوارويخ الفتاكة, لما استطاعوا القيام بالهجوم.

يقول لنا مصدر مطلع: تحركت القوات المهاجمة من موقع تجمع القوات المهاجمة قرب المنطقة الصناعية شرقا  باتجاه قرية المسلمية ثم قرية تلجبين وتقدمت غربا وسط الحقول الى نبل والزهراء, بعد أن استولت على قرى ماير ورتيان وحيان بفضل الطيران والصواريخ التي يصبونها بنفس الطريقة التي استخدموها في (الشيخ مسكين) جنوب سوريا, و(ربيعة) في الساحل حيث يحاصرون الهدف بجدار ناري كثيف ثم يحرقون ويبيدون المدافعين فيه, وبعدها يتقدم المهاجمون برا تحت المظلة الجوية .

 يضيف المصدر: لولا الطيران والصواريخ لما أمكن للقوات المهاجمة في شمال حلب التقدم أصلا, لأنها تتحرك على ارض مكشوفة ومفتوحة, مما يمكننا تدميرها. ويرى أن الانجاز الذي حققوه (استعراضي وهش) ولا قيمة عسكرية له. لقد ارادوا كسروا الحصار على نبل والزهراء للتبجح بوفائهم لسكانهما المحاصرين.

 ويؤكد المصدر أن الثوار بمقدورهم استعادة ما خسروه خلال ساعات إذا توفر سلاح مضاد للطيران الروسي. ويختم المصدر:  إذا كنت تريد  أن تعلم ما هو الانجازالحقيقي الذي حققوه فانظر الى موجات النزوح الجماعي لسكان حلب  المدنيين وقراها .. لقد هجروا زهاء مائة الف باتجاه تركيا, وقتلوا آلافا ودمروا مزيدا من المباني والمنشآت.. هذا هو الانجاز الوحيد الفعلي الذي سيبقى!.

 رزمة أهداف استراتيجية

 هل تقتصر أهداف الهجوم الروسي الكبير المدعوم بميلشيات وقوات متعددة الجنسيات على تحرير (نبل والزهراء)  وتهجير مائة الف مدني, أم ثمة أهداف أخرى أوسع وأبعد؟

يحدد المراقبون رزمة كبيرة لأهداف روسيا الحربية  في الشمال السوري لا تقتصر على الاستعراض أو الانتقام.. بل تتسع لأهداف استراتيجية وجيوبوليتيكية أهم, يمكن إيجازها بما يلي:

أولا – السيطرة على الحدود السورية – التركية كاملة (1000 كم) بواسطة القوات الروسية أو السورية أو الحليفة, كالقوات الكردية, ولهذا السبب انتشرت قوات روسية قرب القامشلي. وللسبب ذاته تركز القوات الروسية والسورية على التقدم في جبلي التركمان والاكراد في اقصى الغرب. صحيفة لوموند علقت على هذا التطور السبت الماضي بقولها (روسيا استطاعت بسرعة عزل تركيا عن التدخل في الساحة السورية). ويقول خبراء أن الروس أحضروا الصواريخ الباليستية 400 س, ثم الطائرة الشبحية المتعددة المهام والاقوى في العالم (سو 35 اس) لتحذير تركيا من الاقتراب مرة اخرى من الاجواء السورية أو تهديد طائراتها.

وتجدر الاشارة الى أن معركة السيطرة على الحدود الشمالية تتزامن مع معركة السيطرة على الحدود الجنوبية مع الاردن واسرائيل, وكأن الخطة واحدة في الجبهتين وهي خنق الثوار في الداخل وقطع طرق الامداد الخارجي.

ثانيا – فرض الحصار على حلب, بقطع طرق الامداد والتموين عنها, في احيائها المحررة أو في ريفها لاسقاطهما تدريجيا. ويعتقد مصدر مطلع أن قوات النظام لن تحاول اقتحام  حلب لأنها ستتكبد خسائر فادحة, ولكنها ستفرض حصارا خانقا كالحصار السابق على احياء حمص المحررة  وتجويعها حتى تركع. وإذا سقطت حلب فإن سقوطها سيكون ضربة قاصمة للثورة في بقية المحافظات كادلب وحماة وحمص لأنها تعتمد على الواردات من تركيا والطرق المفتوحة معها.

ثالثا – تستهدف القوات المهاجمة السيطرة على شبكة الطرق الرئيسية بين المحافظات والتي تشكل شرايين الحركة والامدادات للثوار, وخاصة الطريق الواصل بين حلب ودمشق والذي تمت السيطرة عليه قبل اسابيع , والطريق الواصل بين حلب وتركيا كما أشرنا, وأخيرا الطريق الواصل بين حلب وشرق سوريا الذي ما زالت داعش تسيطر على اجزاء رئيسية منه, وتحشد القوات السورية – الروسية للهجوم على مدينة الباب شرق حلب لتحريرها من قوات داعش.

 إذن فالمعركة الحالية معركة سيطرة على الحدود الخارجية مع تركيا والاردن واسرائيل, ومعركة سيطرة على الطرق الرئيسية في الداخل.

رابعا – تشير القرائن الى أن القوات الروسية تساعد القوات الكوردية للسيطرة على شريط الحدود الشمالي كاملا من القامشلي الى عفرين, وهو تطور يسهل للاكراد تحقيق مشروعهم لإنشاء كيان قومي  في المناطق التي يسمونها (كوردستان الغربية).

 يتزامن هذا التطور مع فتح مكتب تمثيل دبلوماسي في موسكو للادارة الكوردية المعلنة منذ سنتين, وتلا تهديدات صريحة لوزير الخارجية الروسية قبيل جنيف3 أنهم لا يقبلون إقصاء الاكراد  كمكون مستقل في مفاوضات النظام والمعارضة.

ويشير التطور الى أن الروس عكس ما يزعمونه علنا من حرص على وحدة سوريا, إنما يعملون على تفكيك سوريا ويرعون ولادة دويلتين علوية وكوردية بمشاركة ايرانية, ودعم اسرائيلي تام , ومن ورائهم تواطؤ أمريكي يزداد وضوحا من خلال عشرات القرائن، بينها تسليحهم للقوات الكوردية وسكوتهم  عن جرائم روسيا واجندتها السياسية في سوريا, واضعافهم المعارضة السياسية والمسلحة لتقبل الحل السياسي حسب المحددات الروسية, أي الاشتراك في حكومة واحدة مع الاسد بقيادته وتجاهل التزامات ادارة اوباما التي قدمتها سابقا للشعب السوري بتحقيق الانتقال الى الديمقراطية واخراج الاسد من السلطة.

 يكاد المحللون الامريكيون والاوروبيون يجمعون بعد تعليق مفاوضات جنيف3 والهجوم الروسي على شمال وغرب حلب على أن ادارة اوباما تتحمل المسؤولية بسبب تبنيها للاجندة الروسية وتقويتها للدور الايراني في المنطقة برمتها وبالمقابل اضعاف وعزل المعارضة والثوار.

 يلفت الانتباه في هذا الصدد مقال كتبه سياسيان المان (جو كوكس واوميد نوريبور) في صحيفة ديلي تلغراف يوم الجمعة الماضي قالا فيه إن واشنطن خانت الثوار السوريين ارضاء لروسيا والاسد, وطالبا اوروبا بالتحرك  لمساعدتهم, لأن هزيمتهم ستتسبب بنشر الفوضى فتنعكس على أمن واستقرار اوروبا. ويلومان الاتحاد الاوروبي لاكتفائه طوال خمس سنوات بالسير خلف الادارة الامريكية ورضوخه للضغوط الروسية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى