مقالات

 الغزو الروسي لسوريا والمستجدات المؤثرة.. الجزء (20)

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ السويد

خاص “المدارنت”..

… بالنسبة للعناصر والعوامل الدولية والاقليمية التي تؤثر على مؤتمر جنيف 3 فلا بد أن نسجل ما يلي:

أولا – التطور الأبرز الذي شهدته الازمة السورية يتمثل بظهور (داعش) كقوة سيطرت على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية بدءا من منتصف عام 2014 أي بعد فشل جنيف2 , وعلينا أن نبحث عن (الصلة الموضوعية)  بين الحدثين . وما لا يختلف عليه المراقبون أن ظهور داعش قلب المعادلات وبدل مواقف الدول وأزاح مطالب الشعب السوري من المتن الى الهامش.

ثانيا – التطورالميداني الأبرز الثاني هو الغزو الروسي العسكري الذي غير جذريا معادلات المشهد وموازين القوى لصالح النظام مبدئيا, وجعله يستقوي الآن به ويذهب الى جنيف3 مسلحا ببعض الانجازات العسكرية الروسية يعتقد أنها تمكنه من التفاوض من موقع قوة , وهو ما سيرفع نسبة الفشل فيها أكثر مما كانت في جنيف 2. ومن الواضح أن الروس ترجموا دورهم الجديد في الأزمة الى صيغة القرار 2254 وخريطة طريق فيينا 3, بالتعاون مع ايران التي لعبت دورا رئيسيا موازيا ومتمما في الغاء الاشارة لمصير الاسد في الوثيقتين وفرض الحكومة الموحدة تحت سقف الاسد بديلا عن هيئة الحكم الانتقالية والسماح للأسد بالترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة. وهم يواصلون ترجمة دورهم في مفاوضات جنيف3 بفرض شروطهم على الشعب السوري.

ثالثا – التطور الثالث هو التراجع الأمريكي الاستراتيجي في عموم المنطقة فاسحين المجال للاجتياح الروسي – الايراني لملء الفراغ . ويربط المحللون بين هذا التطور التاريخي والاتفاق النووي بين امريكا وايران  كما قال البروفسور مايكل بريجنت من معهد واشنطن. ويتضح مع الوقت أن تدخل ايران العسكري في سوريا  منذ عام 2012 ثم التدخل الروسي عام 2015 إنما كانا برضا امريكي ضمني. وهذا الأمر ازداد العام الماضي لأن اوباما مثل بوتين أغضبه واستفزه انتصار الثوار في ادلب وحماة وحلب وتهديدهم للعاصمة لأن قراره الثابت كان منذ بداية الثورة الابقاء على النظام ورفض اسقاطه مهما فعل, ولذلك تناسيا خلافاتهما حول اوكرانيا وتفاهما على التدخل لوقف تقدم الثوار نحو الساحل والعاصمة, كما سمحت واشنطن لايران بزيادة تورطها الى المستوى الذي رأيناه في الشهورالماضية, وفتحت لها أبواب فيينا للمشاركة السياسية في تقرير مصير سوريا بعد أن غضت البصرعن اجتياحها للعراق واليمن وهيمنتها على لبنان. القرار 2254 كما وصفه الباحث مروان بشارة نتيجة لاختلال موازين القوى في الشرق الاوسط لا نتيجة توازن القوى , وأمريكا هي التي سببته, وعلينا أن نتوقع انسحاب هذا العامل الى مفاوضات جنيف 3.

رابعا – يسجل في نفس السياق تفكك ما يدعى كتلة (أصدقاء الشعب السوري) واقتصارها على السعودية وقطر وتركيا وفرنسا, وهذا الامر يعكس تراجع مستوى الاهتمام والدعم السياسي واللوجستي. وتغير أولويات الدول من دعم الثورة ضد الاسد الى محاربة الارهاب بالاستعانة بالاسد وقواته, أي اشراكه في الحلف الدولي للحرب على الارهاب عبر الدور الروسي , مع أن خبراء ومسؤولي الدفاع والامن في الغرب نصحوا قادةتهم بمعالجة مشكلة الأسد قبل معالجة داعش أو كليهما معا. لذلك قلصت دول الاتحاد الاوروبي عدا فرنسا وبريطانيا اهتمامها الى الجانب الانساني تاركين الشؤون السياسية والامنية للروس يعالجونها.

خامسا – في العامين الماضيين تفاقمت سلبية الامم المتحدة في الأزمة السورية وازدادت رضوخا لارادة روسيا والصين والولايات المتحدة, وظل دور مجلس الأمن الدولي معطلا تجاه الازمة السورية , بينما ظهرت وحدته وفعاليته بكامل جاهزيتها في مواجهة داعش فصدر القرار الوحيد 2249 تحت الفصل السابع , لأن داعش تهدد الغرب, بينما الاسد وجرائمه بما فيها استعماله السلاح الكيماوي لم تستدع تدخلا مناسبا, وحتى القرار 2254 صدر تحت الفصل السادس لا السابع أي أنه في المحصلة النهائية غير ملزم. ونتيجة العجز المتواصل للأمم المتحدة أصبحت شاهدا أبكما ومحاميا عن الشيطان, وفشلت حتى في ايصال المعونات الى السكان المدنيين, وأوكلت لها الدول الكبرى والسكرتاريا الضعيفة مهمة التصديق على جرائم التطهير الطائفي وتهجير السكان ومخططات ايران المتلاعبة بالتوزيع الديمغرافي . ولذلك رأينا أن المسائل الانسانية كإيصال الغذاء للجوعى ورفع الحصار عن مضايا والزبداني والمعضمية مسائل شديدة التعقيد تتطلب مفاوضات دولية على اعلى مستوى قبل التوجه الى جنيف3 لأنها صارت تهدد مئات الوف السكان بالموت جوعا ولا يمكن لمفاوضي المعارضة القفز عليها مهما بلغت ضغوط الدول الكبرى.

 هذه التطورات وغيرها لم تكن حاضرة عندما انعقد جنيف 2 ومع ذلك رفض النظام الاستمرار في المفاوضات, فانهارت جهود الامم المتحدة التي استغرقت عامين من العمل المتواصل في غضون شهر واحد.

باختصار إن هدف جنيف 3 كما حدده الراعيان الكبيران روسيا وامريكا هو اعادة ترتيب الاولويات لتكون  الاولوية للحرب على الارهاب واحتواء الثورة السورية وتثبيت نظام الاسد, واعادة الشرعية له, وتعويمه عالميا عبر الامم المتحدة, وتثبيت دوري روسيا وايران كوصيين على سوريا وقطبين اقليميين في الشرق الاوسط.

رغم ذلك لا بد من القول أن الثورة السورية ما زالت قوية على الارض وصامدة رغم جبروت الهجوم الروسي وما زالت تخسر في مكان لتربح في آخر, ولم يختل ميزان القوى لصالح عدوها الى درجة كبيرة, والمعارضة السورية المكلفة بالتفاوض عكست هذه القوة بتحديها للغطرسة الروسية وصمودها في وجه محاولاتها لتشكيل الوفد حسب مفاهيمها, ثم أظهرت قوتها برفض التوجه الى جنيف قبل تلقي ضمانات مهمة من واشنطن والامم المتحدة. وقد أحرج هذا الموقف الدول الكبرى وأكسب المعارضة صدقية كبيرة في الشارع السوري – عكس ما كان عليه الحال في 2014 تجاه المفاوضين في جنيف 2 – كما حرك الموقفين الفرنسي والبريطاني الداعم.

جنيف 3 هو في المحصلة النهائية جبهة جديدة من جبهات الصراع بين ارادة الثوار السوريين وارادات الدول المعادية , وليس محفلا لصنع السلام , ولا يؤمل منه تحقيق نتائج مختلفة عن نتائج 2014 . فالهوة الآن أعمق والاشكاليات أكثر تعقيدا, والمواجهة أخطر . ولذلك فاحتمالات الفشل أكبر من احتمالات النجاح بكثير, وهذا ما تعكسه تصرفات الاطراف الراعية نفسها, فإلغاء حفل الافتتاح ودعوة الضيوف, وغياب وزيري خارجية الدولتين الراعيين الرئيسين روسيا وامريكا وتكليف نائبيهما غينادي غاتيلوف وآن باترسون بالمهمة بدلا منهما, كلها مؤشرات تعكس انخفاض مستوى الرهان على جنيف3 وتوقعات بتكرار مصير جنيف 2 .

 هدنة فبراير.. والخطة B 

 هدنة .. أم خدعة بوتينية جديدة 

وصفت “واشنطن بوست” اليوم الاول من الهدنة بالحدث غير العادي في حياة السوريين , لأنه اول يوم منذ اربع سنوات يمرعليهم بلا حرب ولا قصف. بفضل هدنة مؤقتة مدتها اسبوعان. غالبية المحللين والمراقبين في العالم مالوا الى التشاؤم وشككوا بإمكان نجاحها, بل إن الجانب الأمريكي وعلى أعلى مستوى اعتبر تطبيقها (صعبا جدا) واشار الى أن التزام النظام وحلفائه سيكون موضع مراقبة واختبار قبل الحكم على جديته. وبينما اشار الرئيس الامريكي الى أن ذلك ينطبق على التزام الروس أيضا مطالبا بوقف الهجمات الجوية من كل الأطراف , أكد وزير خارجيته وجود (خطة بديلة) إذا فشلت الهدنة .

ومع أن الهدنة احدثت في يومها الأول بعض التفاؤل على الصعيد الدولي, إلا أنه ظل حذرا لأن  قوات النظام وحليفه حزب الله خرقا الهدنة في ريف دمشق وحلب وادلب وحمص, وهو ما أكده المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا. الطائرات الروسية تمتعت بإستراحة قصيرة للمرة الاولى منذ بدأت غاراتها في الثلاثين من سبتمبر 2015 , ولكن ما يعزز الحذر من التفاؤل بمغزى الاستراحة أن الطائرات ضاعفت نشاطها في الساعات الاخيرة التي سبقت سريان وقف النار في منتصف ليلة 26 – 27  أولا, وعودتها للقصف كالمعتاد في صباح اليوم الثاني من الهدنة بقصف أهداف في حمص وحلب ليس فيها داعش ولا نصرة ولا قاعدة , وقال مصدر من المعارضة إنه اتصل بالخارجية الأمريكية ليزودها بالخروقات الروسية فرد عليه الموظف من واشنطن ( لدينا معلومات عن 52 خرقا حتى منتصف يوم الأحد 28 )! ولذلك ما زال الوقت مبكرا للقول إن اتفاق الهدنة قد نجح . والواقع أن كل الاحتمالات واردة سلبا وإيجابا , وعلينا تذكر أن العامل الرئيسي في نجاح وفشل الهدنة هو أولا واخيرا نظام الاسد, لأنه أكثر الأطراف تضررا من وقف النار وبدء عملية السلام لادراكه أن بقاءه بات يعتمد على استمرار القتال, ولأنه أيضا  أكثر الأطراف قدرة على نسف الهدنة بفضل ألاعيب اجهزته التي لا ينافسها طرف آخر.

على أي حال تثير تجربة الهدنة الكثير من الأسئلة عن أسبابها وأهدافها في هذا الوقت.. وعما بعدها سواء نجحت أو فشلت.. وعن مواقف الأطراف الدولية والاقليمية, فضلا عن المحلية, من كل ما يتعلق بها أو يترتب عليها .. وأخيرا ما معنى الاشارة الأمريكية الى وجود بدائل وتسريبات عن (خطة B)..؟ وهل  يمكن لادارة أوباما وهي في شهورها الاخيرة تغيير قواعد تعاملها مع الازمة السورية ؟! ويمكن اختصار هذه التساؤلات في البحث عما إذا كان اتفاق الهدنة يعكس تغيرا استراتيجيا في التعاطي مع ملفات الأزمة.. أم له اسباب محدودة..؟

قصة اتفاق الهدنة 

 يمكن تلخيص مبادرة الهدنة بأنها (منتج بوتيني) لأنه يقف خلفها اساسا, وهو الذي اقترحها على نظيره الامريكي عارضا إيقاف القتال تنفيذا لعبارة (وقف الأعمال العدائية) كما جاء في (اتفاق ميونيخ لمجموعة العمل من أجل سوريا 10 فبراير) فوافق الرئيس الامريكي ثم اوعز الرئيسان للخبراء (عسكريين وامنيين ودبلوماسيين) للاجتماع فورا في جنيف لصياغة مشروع الاتفاق ووضع تفاصيله, واستغرق عملهم اسبوعا انتهى بصياغة الاتفاق الذي قدماه الى مجلس الأمن باسم الرئيسين الشريكين لمجموعة الدعم، ونقلت مصادر صحافية من داخل مجلس الأمن الدولي استغراب ممثلي بريطانيا وفرنسا صياغة الاتفاق بدون التشاور معهم. وذكرت المصادر أنهما حين حاولا الاستفسار من مندوب روسيا عن تضارب ما ورد في بيان وقف النار مع الفقرة 8 من قرار مجلس الأمن 2254  التي تتناول التلازم بين وقف النار وبدء مباحثات السلام رفض المندوب الروسي مناقشة المسألة, وقال للمندوبين (طرح هذه النقطة الآن يعد عرقلة لقرار الهدنة وشرطا مسبقا) وقال المندوبان الاوروبيان  إن البيان لا يحدد آلية محددة للتعامل مع انتهاكات الهدنة, وكأن الذين صاغوه يريدون اجبار (المعارضة السورية) على الانصياع للارادة الروسية والمشاركة في مباحثات جنيف حتى ولو استمرت الهجمات من جانب الروس وقوات الاسد. ونقلت المصادر عن المندوبين (إن روسيا تضع الجميع أمام الأمر الواقع )!

 هذه العبارة تترجم قلق أطراف رئيسية في مجلس الامن وفي مجموعة العمل من اجل سوريا من الطريقة التي تدير بها موسكو العملية السياسية, وهي في نظرهم لا تختلف عن الطريقة العسكرية, أي فرض شروطها على جميع الاطراف مستغلة تساهل واشنطن وتراجعاتها المستمرة.

هذا من الناحية الرسمية, أما على الصعيد السياسي وحسابات بوتين في طرح المبادرة . وبحسب مراقبين في موسكو ومحللين في العالم فإن ظروف اطلاقها كثيرة, في مقدمتها:

1 – بدأت أصوات عسكرية وسياسية واعلامية روسية تحذر بوتين من تحول المهمة المحدودة في سوريا ورطة “أفغانية”, وتطالبه بوضع نهاية لها. وطرح مبادرة الهدنة هدفه امتصاص احتجاج المعارضين في الداخل واقناعهم بأن الرئيس لا يريد اطالة الحرب ويسعى لحل سياسي, وهو العنوان الذي وضعه منذ البداية لمغامرته, حتى أن أحد كبار المسؤولين العسكريين قال يومها إن المهمة لن تزيد على اربعة شهور, ولكن بوتين بعد مرور الشهور الاربعة بدأ يتحدث عن مهمة مفتوحة. والجدير بالذكر أن بوتين طرح فكرة الهدنة للمرة الاولى في اجتماع لكبار قادة الجيوش الروسية, الأمر الذي يوضح حاجته لتهدئة المخاوف.

2 – حاجة موسكو لتخفيف الانتقادات العالمية الموجهة لها بسبب جرائم قواتها ضد للمدنيين والمعارضة المعتدلة في سوريا بدلا من تنظيم الدولة والقاعدة والنصرة.

3 – اعلان الامم المتحدة موقفا منحازا لمطالب المعارضة السورية بوقف الحرب كشرط للعودة للمباحثات السياسية في جنيف3 ما يعني أن عدم ايقاف الحرب يلقي مسؤولية فشل المباحثات على الروس.

4 – إصرار تركيا على انشاء منطقة آمنة في شمال سوريا حلا لمشكلة تدفق اللاجئين عليها بسبب الحرب الروسية, وتزايد الدول المؤيدة للفكرة, وآخرها المانيا وبريطانيا وفرنسا, وكان لافتا تصريح المستشارة الالمانية أن الفكرة ستفرض نفسها اذا فشلت الهدنة. ويمثل هذا الأمر مصدر ازعاج للروس لأنه يفسد خططهم في سوريا.

5 – تزايد احتمالات خروج الحرب عن نطاقها وتحولها (حربا عالمية) لا سيما مع عزم أنقرا التدخل في سوريا لمنع سيطرة القوات الكوردية على حدودها الجنوبية وخاصة مدينة اعزاز. وهذا الاحتمال يقود لاحتمال أخطر هو امكان الاصطدام بين القوات الروسية والتركية, وإذا حدث فإن (الناتو) سيضطر للتدخل ايضا في مواجهة القوات الروسية, وهو احتمال شديد الخطورة .

6 – اصرارالسعودية ودول الخليج العربية على تعزيز مشاركتها في التحالف الدولي للحرب على الارهاب  بارسال قوات برية الى سوريا لمقاتلة داعش, وسحب هذه الحجة من أيدي الروس والاسد والايرانيين.  وهذا التطور يفتح الباب لاحتمال حصول صدام مباشر عربي مع القوات الايرانية وميلشياتها التي تعتبرها السعودية “دواعش” شيعية توازي داعش السنية.

7 – بدأت واشنطن تتحدث بصراحة عن اللجوء الى بدائل إذا فشلت المساعي السياسية لتطبيق (خريطة الطريق) السياسية التي انبثقت عن فيينا 3. وحديث مسؤولين كبار عن (الخطة  B) .

أمام هذه التطورات والعوامل وجد بوتين نفسه محشورا بين ضغوط داخلية وخارجية ومحتاجا لتقديم تنازلات ترضي بعض الأطراف إن لم يكن كلها, ولاحتواء الاحتجاجات المتعاظمة عددا وقوة ..على الأقل.

 اتسم سلوك بوتين منذ بداية الأزمة قبل خمس سنوات بقدرته على خداع خصومه والمراوغة باستمرار, ومبادرة الهدنة شيء من هذا القبيل, وستكشف الايام القليلة القادمة بشكل قاطع ما إذا كان بوتين يراوغ أم يحاول حقن الدماء وايجاد حل سياسي لأزمة فاقمها بنفسه, وتثبت تطوراتها خلال خمس سنوات استخفافه  بدماء السوريين.

أرجح الظن أن بوتين يريد مواصلة سعيه لتنفيذ أجندته التي طرحها في اغسطس – آب 2015 على  الغرب والعرب لبناء تحالف عسكري دولي جديد يشارك فيه الاسد لمواجهة المنظمات الارهابية وتأجيل مسألة تغيير النظام الى ما بعد القضاء على الارهاب!.

 وكان بوتين تمكن فعلا من تغيير الأولويات الدولية بتدخله العسكري ونجح في وضع خطة سياسية تلبي 80 %  من تصوراته وفرضها على الادارة الأمريكية والأمم المتحدة, ونجح مرة ثانية عبر مسار فيينا البديل لمسار جنيف 1 في رسم خريطة طريق تنفيذية تترجم رؤيته السياسية, ثم نجح مرة ثالثة باصدار قرار من مجلس الأمن يكسبها صفة الزامية, وهو اليوم في المرحلة التالية من أجندته, أي الشق العسكري, والتي تستهدف بناء تحالف عسكري عالمي بقيادة قواته لمحاربة ما يزعم أنها منظمات ارهابية بمشاركة الاسد وايران والميليشيات الشيعية الأجنبية, وضم فصائل المعارضة الوطنية بالاكراه الى هذا التحالف أو على الأقل تحييدها لكي لا تتدخل في القتال وإلا واجهت تهمة الارهاب, وهذا هو معنى اصرار الروس على عدم شمولهم بوقف النار, ثم اصرارهم على استمرار حربهم على النصرة وداعش رغم الهدنة  ورغم  دعوة الاميركيين لتحييد (النصرة) ومعاملتها كالفصائل المعتدلة, لأن أماكن انتشارها وتحالفاتها مع بقية الفصائل يجعل ضربها بمعزل عن البقية مستحيلا. وثمة مؤشرات على تعمد الروس الايقاع بين النصرة والفصائل الاخرى لتقتتل فيما بينها, وخلق فصائل موالية لهم ومحسوبة زورا على المعارضة, وهذا سبب إصرار الروس على دعم وتسليح القوات الكوردية التي انشأها صالح مسلم وسماها (قوات حماية الشعب) ثم (مجلس سوريا الديمقراطية) ثم (جيش الثوار) واعترفت بها موسكو دبلوماسيا كأنها تمثل دولة أو شعبا مستقلا.

 كرر بوتين طريقة الاسد التي ثابر عليها باعلان موافقته على كل مبادرة اجنبيية تقدم له بينما واصل على الارض سياسته الاجرامية لاخماد الثورة والمعارضة. وأمام تطابق “البصمتين” يمكن الاستدلال أن أجهزة الاسد طبقت وصفة قدمها لهم مستشاروهم الروس لوأد الانتفاضة الشعبية  منذ 2011, لأن ما جرى حمل بصمات بوتين في غروزني, وها هو بوتين يطبق نفس السياسة بواسطة قواته وبوتيرة عالية عجز الاسد عن تنفيذها بامكانياته المحدودة .

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى